عربي
مع إعلان "نتفليكس" بدء إنتاج فيلم "غاندام" (Gundam) الحي في كوينزلاند في أستراليا، عادت السلسلة اليابانية الشهيرة إلى واجهة الاهتمام العالمي. الإعلان الرسمي قدّم الفيلم بوصفه قصة أصلية عن طيارَين يقاتلان على طرفين متقابلين في حرب طويلة بين الأرض ومستعمراتها الفضائية، مع إخراج جيم ميكل وبطولة سيدني سويني ونواه سنتينيو.
يتزامن توقيت الإعلان مع عدّة حروب كبرى تدور في العالم اليوم، ما أشعل منصة إكس بتصريحات مبتكر سلسلة غاندام المناهضة للحروب، يوشيكي تومينو (Yoshiyuki Tomino)؛ إذ تسخر هذه السلسلة من ترفيه الحروب.
السجال الأخير بدأ من عدد مايو/أيار 2026 من مجلة أنيميج، إذ يوجد عمود مخصص بعنوان "اسأل تومينو". أجاب تومينو عن سؤال "ما رأيك في اليابان الحالية؟" باستفاضة سياسية عن العالم بأكمله، وعن عمله الشهير "غاندام".
ربط تومينو في إجابته السياسية بين الإعجاب بالترفيه الحربي، وبين الديكتاتوريات التي تأتي عبر الانتخابات، أي أنه وجه اللوم إلى المشاهدين عموماً، وبالأخص جمهور عمله الأيقوني الذي أراده منذ بدايته ضد الحرب، لكنه رأى أن بعض جمهوره انجذب إلى الآلات والسلاح والاصطفاف العسكري أكثر من رسالته المناهضة للحرب. والجملة الأشهر التي انتشرت من تصريحاته هي: "معجبون يبدون عالقين في عقلية مهووسي العسكرية"، التي ربطتها مواقع التواصل الاجتماعي مع إطلاق النسخة الحية الخاصة بـ"نتفليكس" من "غاندام".
هذه ليست تصريحات تومينو الأولى بهذا الشأن، لكن فيلم "نتفليكس" هو ما جذب الانتباه إليها بقوة هذه المرة. ففي سنوات سابقة ومقابلات، عدّة تحدث تومينو في الموضوع نفسه، خصوصاً في الذكرى الثمانين لنهاية الحرب العالمية الثانية في العام الماضي. حينها، تحدّث تومينو صراحة عن غزة وأوكرانيا، مشيراً السياسات العنيفة وانعدام الفهم السياسي الذي تسبب بالغزو الروسي لأوكرانيا والعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة.
ظهر "غاندام" لأول مرة عام 1979، مسلسلَ أنمي تلفزيونيا بعنوان "موبايل سوت غاندام" (Mobile Suit Gundam)، تدور أحداثه في زمن خيالي يُعرف باسم القرن الكوني، إذ تخوض الأرض ومستعمراتها الفضائية حرباً مدمرة بين اتحاد الأرض وإمارة زيون. القصة الرسمية للعمل تبدأ من هذه الحرب: مستعمرة فضائية تعلن استقلالها، وصراع يتوسع، وسلاح جديد يغيّر ميزان المعركة هو البدلات المتنقلة.
هذه الحكاية العامة تتكرر حتى اليوم، لكن ما يميز "موبايل سوت غاندام" هو القصة الإنسانية الحربية، فبطل المسلسل مراهق مدني اسمه أمورو راي يجد نفسه فجأة داخل آلة قتال، لأن هذا كان خياره الوحيد بعد وصول الحرب إلى بيته. شاب عادي ليس مختاراً وليس فضائياً، ولم يرد أن يكون هنا. هذا ما ميّز سلسلة غاندام في البداية عن غيرها من إنتاجات الميكا (أعمال البدلات المقاتلة).
في فترة ظهوره، كانت هذه فكرة جديدة وإن كانت تبدو مألوفة اليوم. في السبعينيات والثمانينيات، ظهرت أعمال مثل "غرندايزر" و"خماسي"، والفارق الجوهري بينها وبين ما قدمه تومينو هو أن "غاندام" نقل قائد البدلة القتالية من موقع "البطل الخارق" إلى السلاح بحقيقته، وحقيقة من يقوده بأبعاده الإنسانية.
في الأعمال السابقة، كان هناك نمط بسيط: بطل يقود آلة، وعدو خارجي شرير، ومعركة أسبوعية، وانتصار يعيد الطمأنينة في نهاية الحلقة.
أما في "غاندام" فالبدلة هي سلاح متطور، لكنها سلاح وحسب، تُستخدم ضمن حرب لها اقتصاد وسياسة وضحايا. لهذا ارتبط العمل لاحقاً بمفهوم الميكا الواقعية، أي النوع الذي يتعامل مع الروبوت بوصفه عدة حربية فقط داخل عالم سياسي واجتماعي. حتى الصراع نفسه لا يُرسم ببساطة باعتباره حرباً بين خير مطلق وشر مطلق.
تخوض الأرض ومستعمراتها الفضائية حرباً بين اتحاد الأرض وإمارة زيون
زيون ليست مجرد وحوش فضائية، واتحاد الأرض ليس الخير المطلق؛ فالطرفان يتحركان داخل نظام مصالح وخوف واستعمار وذاكرة، وهذا ما جعل غاندام أقرب إلى دراما حربية وليس مغامرة روبوتية تقليدية للأطفال. تشير المصادر العامة عن تاريخ العمل إلى أن السلسلة من الأعمال التي عرّفت أو ثبّتت نوع الروبوت الواقعي في الأنمي، وأنها غيّرت مفهوم أنمي الروبوتات الياباني بعد عرضها الأول في إبريل/نيسان 1979.
كان "غاندام" مختلفاً ومؤسساً لنوع جديد. لم يلغِ متعة المشاهدة أو جاذبية الروبوتات والقتال، لكنه استخدمها ليُظهر بشاعة الحرب، وخسارة جميع الأطراف، والشر الذي قد يمارسه الأبطال، أو ببساطة قد يموتون. النيات الطيبة لا تحمي أحداً. يعود غضب تومينو من تلقي جمهوره لـ"غاندام" إلى سنوات طويلة، فالمشكلة لديه أن كثيرين توقفوا عند تصميم الآلات والمعارك، بينما كان يريدهم أن يروا ما خلفها.
لم تكن علاقة يوشيوكي تومينو بعمله الأيقوني علاقة نجاح مريح. بعد العمل الأصلي عام 1979، انقطع ثم عاد إلى السلسلة أكثر من مرة، وكانت إحدى أبرز عوداته "فيكتوري غاندام" عام 1993. ينتمي هذا العمل إلى خط القرن الكوني، لكنه يأتي في مرحلة لاحقة وأقتم، إذ يجد طفل في الثالثة عشرة من عمره نفسَه داخل حرب جديدة. وكما في أعمال تومينو الأخرى، لا مساحة لمكافأة النيات الطيبة: الحرب تسحق الجميع.
سبب "فكتوري غاندام" لتومينو حالة اكتئاب طويلة لم يكن الخروج منها سهلاً بحسب تعبيره. فالعمل نفسه، وذكريات الحرب، وعدم فهم الجمهور، وأخيراً شركات الإنتاج، جعلت من "غاندام" عذاباً لمبتكره.
يُشار إلى أن الانفجار الإنتاجي لـ"غاندام" ليس في يد مبتكره، فبعد عرضه الأول عام 1979، لم يعد "غاندام" عملاً واحداً مرتبطاً بتومينو وحده.
شارك تومينو في تأسيس العالم الأول للسلسلة وأخرج أعمالًا مركزية ضمنها، مثل "موبايل سوت غاندام" و"زيتا غاندام"، و"فيكتوري غاندام"، ثم عاد في "تيرن إيه غاندام" عام 1999. لكن في الفترة نفسها، كانت السلسلة قد بدأت تتوسع خارج إدارته المباشرة عبر أعمال لم يكن جزءاً منها مثل "غاندام 0080"، و"غاندام 0083"، و"جي غاندام"، و"غاندام وينغ"، وغيرها.
آخر عودة رئيسية لتومينو إلى "غاندام" كانت عبر "غاندام ريكونغيستا في جي". بدأ العمل مسلسلاً تلفزيونياً عام 2014، وكان من كتابة تومينو وإخراجه، ثم عاد إليه في سلسلة أفلام تلخيصية وتعديلية عُرضت بين 2019 و2022. وبذلك، يمكن القول إن آخر مشاركة كبيرة له في السلسلة حتى الآن كانت مع الفيلم الخامس من "ريكونغيستا في جي" عام 2022، بينما استمرت أعمال "غاندام" الأخرى بعد ذلك تحت إدارة مخرجين وكتاب آخرين.
لم يتنكّر تومينو لعمله، لكن مع توسع السلسلة، صار "غاندام" أكبر من حكايته الأولى. ظهر مخرجون وكتاب آخرون، وتفرعت العوالم الزمنية، ودخلت السلسلة في سوق ضخمة تقوم على بيع المجسمات والألعاب والمنتجات المرتبطة بالبدلات القتالية، وامتلاك الحقوق امتلاكاً شبهَ كامل لشركات إنتاج، فلا يمكن له الاعتراض على إصدار "نتفليكس".
تعود حقوق "غاندام" اليوم إلى Bandai Namco Filmworks Inc.
هكذا، باتت صور "غاندام" الأكثر انتشاراً عند قطاع من الجمهور هي صورة الآلة نفسها: تصميمها، وأسلحتها، وقدراتها، ومعاركها. هذه الصورة تشرح لماذا ظل تومينو يعود إلى فكرة سوء الفهم. العمل الذي أراده نقداً للحرب صار يُستهلك، في جزء كبير منه، عبر العناصر نفسها التي كان يستخدمها لكشف قسوة الحرب: الروبوت، والسلاح، والمعركة، والاصطفاف العسكري.

أخبار ذات صلة.
طهران على خط أزمة «القاعدة الإسرائيلية»
الشرق الأوسط
منذ 3 دقائق
ثاني انشقاق من «الدعم السريع» خلال شهر
الشرق الأوسط
منذ 8 دقائق