أصدقاء مع وقف التنفيذ
عربي
منذ ساعة
مشاركة
حين تبادر صديقاً، في غير مرّة، بالسؤال عن أحواله وصحّته، ولا تجد جواباً في كلّ محاولة سوى التجاهل، فإنّ ذلك يُعدّ دليلاً قاطعاً على أنّ ذلك الشخص لا يبادلك مشاعر الودّ والاكتراث والمحبّة والاحترام ذاتها، وذلك شأنه، بل حقّه أيضاً، وهو ليس مُلزَماً بإبداء مبرّرات. ماذا عليك أن تفعل، والحالة هذه، سوى الابتعاد حرصاً منك على كرامتك بالدرجة الأولى، وزهداً مشروعاً بصداقة من أبدى بروداً جلّياً تجاهك؟ أليس ذلك ردّة الفعل المنطقية والطبيعية التي قد يتخذها أيّ فرد سويّ ومتوازن لا يعاني عُقداً نفسية، أو مازوخية ونظرة دونية إلى الذات؟ هناك من يخالف هذا الرأي، من باب الإفراط في التفهّم والتسامح وإنكار الذات والتماس الأعذار، فيستمرّ، تطبيقاً للمثل الأردني الشائع: "جوزك وإن راد الله"، بالإلحاح، كي لا نقول "التلزّق"، في محاولة للتمسّك بعلاقة واهية باهتة متصدّعة فقدت مصداقيتها ومبرّرات وجودها، حين تكرّر صدّ الطرف الآخر وتجاهله وتباعده. وإذا لم تصل إلى نقطة اليأس من فرصة الإنقاذ، والاقتناع بأنّ الآخر ليس مشغولاً أو مكتئباً أو يعاني مشاكل عميقة، فهو في الواقع غير معني أو مكترث بك، فعليك، أيّها الصديق اللحوح الطيّب النوايا، أن تكفّ عن المطاردة، لا سيّما أنّ كلّ ما يصدر عن صديقك السابق يؤكّد أنّه فقط يرغب في الابتعاد عنك لأسباب تخصّه، لعلّ أهمها الملل. المشكلة تكمن في تعلّقك المَرضيّ وأوهامك حول متانة وجدّية وديمومة الصداقة، لأنّها العلاقة الأكثر حرّية التي لا توثّقها عقود رسمية ترتّب تبعات قانونية، ولا تفرضها رابطة الدم أو الزمالة أو الجوار. إنّها علاقة نُقدِم عليها بمحض اختيارنا، تدفعنا إليها الألفة والمشتركات، وهي في العادة علاقة متحرّرة من القيود والمجاملات والمصالح والتوقّعات ومشاعر التملّك والغيرة، لكنّها لا تختلف كثيراً عن علاقة الحبّ، فلها تاريخ انتهاء صلاحية، وهي مثل أيّ علاقة إنسانية معرّضة للعطب والخراب لأسباب كثيرة، مثل اختلاف الأمزجة، والتحوّلات التي تعترينا بفعل مرور الزمن وتبدّل الأحوال، وانتفاء عنصر الندّية بين الأصدقاء، ما قد يُولّد مشاعر الحسد والغيرة، ويؤجّج روح العدوانية، ويخلخل التوازن المفترض بين طرفي العلاقة. قال أحدهم، وهو شخص يميل إلى الصدق والوضوح والمباشرة، إنّه كان مطمئناً عبر السنين إلى صداقة تاريخية مضى عليها ردح من الزمن، توهّم فيها، لفرط سذاجته، الثقة والأمان، ليكتشف بعد حين أنّ من أولاه الثقة والمحبّة والاحترام مجرّد منافق كذّاب، يُحسن انتقاء تعابير الإطراء والودّ والمحبّة، وهو ليس أكثر من مدّعٍ للود، ولا يتوانى عن الطعن وراء الظهر، إساءة وافتراء ونميمة، ما أدّى إلى دمار شامل في العلاقة التي انهارت في لحظة، مثل بناء آيل إلى السقوط، ودفع به، وهو المغدور في يقينه، إلى الابتعاد ورفض أيّ تواصل مُقترَح مع من ثبتت خيانته. أيّاً كانت أسباب انهيار علاقة الصداقة، فإنّ نتائجها تكون دائماً مؤلمةً وصادمةً، وتخلّف في النفس إحساساً بالحزن والأسى والندم والخيبة والخواء العاطفي، لكنّها تظلّ دروساً قاسيةً تعلّمنا التروّي وعدم الاندفاع، وتحمينا من مغبّة الثقة حين نضعها في من لا يستحقّها، وتحرّضنا على إعادة ترتيب أولوياتنا في الحياة، والتدقيق أكثر في شكل علاقاتنا، والانتباه أكثر إلى طبائع من حولنا، والتأكّد من تآلفنا معهم قبل الانخراط في صداقتهم، والانتصار لأنفسنا، وحماية أرواحنا من خيبة الأمل، وإتقان مهارة التخلّي عمَّن فجعونا بغدرهم. ولنتذكّر، في هذا السياق، ما قاله المتنبي: "حببتك قلبي قبل حُبِّك مَن نأى/ وقد كان غداراً فكن أنت وافياً".

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية