مستويات مقلقة من "العنف القاتل" في مدارس المغرب
عربي
منذ ساعة
مشاركة
شهد المغرب خلال السنوات الماضية تنامياً مقلقاً في حالات العنف داخل المدارس، وتتالي حوادث اعتداء تلاميذ على زملائهم، وقد يكون العنف لفظياً أو معنوياً أو حتى بالسلاح الأبيض. عاد العنف المدرسي، خاصة بين التلاميذ، ليُلقي بظلاله على مدارس المغرب. وسُجل أخيراً جريمة قتل في إعدادية عبد المالك السعدي بإقليم الجديدة (غرب) راح ضحيتها تلميذ قاصر تعرض لاعتداء بالسلاح الأبيض من زميله، ما خلّف صدمة وقلقاً كبيرين في أوساط الأسر والفاعلين التربويين والمدنيين. يقول رئيس الجمعية المغربية لتعزيز الصحة (غير حكومية)، زهير ماعزي، لـ"العربي الجديد": "لا تنظر الجمعية إلى مأساة إقليم الجديدة كواقعة جنائية معزولة فقط، بل تعتبر أنها تؤكد الفشل الجماعي في تزويد الأطفال بالمهارات النفسية الاجتماعية الضرورية لحمايتهم من العنف والسلوكيات الخطرة". ويعتبر أن "المأساة الحقيقية هي أن يتحوّل تلميذان في مقتبل العمر إلى ضحية وحدث خالف القانون خلال ثوانٍ معدودة لأنّهما لم يتعلما كيف يتعاملان مع لحظة غضب أو نزاع أو لحظة إحباط عابرة". ويشدد على أنه "من غير المقبول تمويل مدارس ليست إلا مجرد فضاءات لشحن العقول بالمعارف بدلاً من أن تشكل مساحات تُنتج الصحة والازدهار وتوفر موارد حيوية للحياة وترسّخ قيَم الإنصاف وتحارب الفوارق الاجتماعية التي تغذي السلوك العدواني. وقد لمسنا من خلال مشروع Mentally لتعزيز الصحة النفسية المدرسية الذي أنجز بالتعاون مع المديرية الإقليمية للتعليم بالجديدة كيف يمكن أن تنقذ مبادرات الدعم النفسي والاجتماعي أرواحاً بمجرد كلمة أو إنصات أو تعليم مهارة أو إحالة دقيقة إلى متخصص في الوقت المناسب". ويرى أن "الحادث يُشير إلى خلل في آليات المواكبة النفسية وغياب مهارات تدبير الانفعالات وضعف المرونة النفسية، ما يتطلب معالجة الظاهرة من جذورها السلوكية وليس من منظورها الزجري الضيق فقط، علماً أن الجمعية تقترح خطة من أربعة مستويات لتعزيز ضمان الأمن النفسي في الوسط المدرسي، الأول تحسين البيئة المدرسية وتبسيط الحكامة، والثاني تعزيز دعم الأقران والوقاية الأولية، والثالث إدماج التربية العاطفية والاجتماعية داخل المناهج وصولاً إلى توفير خدمات نفسية متخصصة تشمل التقييم والدعم الاستعجالي". ودعت الجمعية، في بيان أصدرته بعد جريمة القتل التي ارتكبت في إعدادية عبد المالك السعدي بمديرية الجديدة، إلى إطلاق حوار وطني متعدد الأطراف لصياغة ميثاق وطني للصحة النفسية في المدارس، واعتبرت أن "الاستثمار في هذا المجال ليس خياراً، بل شرطٌ أساسي لتفادي مآسٍ مشابهة في المغرب وضمان الاستقرار داخل المؤسسات التعليمية". وفي ما يخص الباحثة في علم الاجتماع، خديجة الكور، يُمكن فهم العنف داخل مدارس المغرب باعتباره ظاهرة مركبة تتغذى من أطراف عدة، هي الأسرة والمجتمع والفضاء الرقمي والمؤسسات التعليمية، وأيضاً من تحوّلات نفسية ترتبط بالمراهقة". وتوضح، في حديثها لـ"العربي الجديد"، أنه "على المستوى الأسري يحمل بعض التلاميذ تجارب عنف سابقة، سواء كانوا ضحايا لها أم شهوداً على حصولها داخل البيوت. وفعلياً يخلق تراجع دور الوسطاء التقليديين في ظل تفاقم الهشاشة والفقر في عدد من المناطق شعوراً بالإحباط لدى فئات واسعة من المراهقين، كما أن بعض الفضاءات الحضرية باتت تحمل العنف الرمزي والمادي، ما يخلق نوعاً من التطبيع قبل الوصول إلى المدرسة". وترى الكور أن "المنصات الاجتماعية، مثل تيك توك ويوتيوب ساهمت في إعادة تشكيل العنف الذي يُعرض أحياناً باعتباره وسيلة للبطولة أو الشهرة، ما يشجّع على تقليده. وتجعل عوامل الاكتظاظ وضعف الدعم النفسي والاجتماعي وغياب آليات التدخل المبكر المدارس فضاءات لتراكم التوترات بدلاً من احتوائها. وعلى المستوى الفردي تعرف مرحلة المراهقة دينامية نفسية حساسة تبحث عن الهوية وإثبات الذات، وفي غياب قنوات سليمة للتعبير قد يتحوّل العنف إلى وسيلة بديلة للتفريغ". وفي وقت تُظهر إحصاءات بلوغ العنف في الوسط المدرسي مستويات مقلقة في المغرب، تتحدث الكور عن أن "مواجهة العنف داخل الوسط المدرسي تتطلب مقاربة شاملة تبدأ من التدخل الاستعجالي مروراً بالإصلاح الهيكلي وصولاً إلى إعادة بناء العلاقة بين المدرسة ومحيطها الاجتماعي، كما تتطلب على المدى القصير اعتماد آليات تدخل سريعة، عبر التبليغ فوراً عن النزاعات، وإحداث خلايا للتيقظ والاستماع مع تعزيز المراقبة في الفضاءات الحساسة داخل المدارس. لكن هذه الإجراءات تظل غير كافية من دون إصلاحات أكثر عمقاً، وهذا ما تؤكد توصيات المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، خصوصاً من خلال تعميم خدمات الدعم النفسي والاجتماعي داخل المؤسسات التعليمية باعتبارها ضرورة وليست خياراً. كما يفرض الواقع إدماج التربية على التواصل اللاعنفي وتدبير المشاعر في المناهج، وتكوين الأطر التربوية لرصد مؤشرات العنف المبكر والتعامل معها بفعّالية. ومن الضروري إعادة بناء العلاقة بين المدرسة والأسرة والحي ضمن مقاربة وقاية متكاملة، مع ربط ذلك بسياسات اجتماعية تقلّص الفوارق والهشاشة، كما تؤكد تقارير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي. وفي الإجمال لا تعني مواجهة العنف المدرسي فقط ضبط السلوك داخل المدرسة، بل إعادة بناء ثقافة تربوية واجتماعية قائمة على الاحترام والإنصات وضمان بيئة آمنة لنمو الطفل وتكوينه".

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية