اغتيال “وسام قائد” في عدن.. رسالة “مروعة” لمانحي اليمن وتنذر بانسحاب المنظمات الدولية
أهلي
منذ 7 ساعات
مشاركة

يمن مونيتور/ وحدة الترجمة (خاص)/ من تشاتام هاوس (فارع المسلمي)

حذر تحليل بريطاني من تداعيات كارثية لاغتيال القائم بأعمال المدير التنفيذي للصندوق الاجتماعي للتنمية، وسام قائد، في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن، مؤكداً أن الحادثة تمثل تهديداً وجودياً للعمل الإنساني والتنموي في اليمن، وتدفع المنظمات الدولية نحو مراجعة شاملة لسلامة طواقمها في مناطق سيطرة الحكومة.

وأوضح التحليل الصادر عن معهد “تشاتام هاوس” (Chatham House) البريطاني، وكتبه “فارع المسلمي” الباحث المتخصص بشؤون اليمن في المعهد، أن فقدان شخصية تنموية بارزة تحمل الجنسيتين اليمنية والبريطانية، لا يمثل خسارة لقطاع التنمية فحسب، بل يعمق الأزمة الإنسانية في البلاد.

ولفت إلى أن هذا الاغتيال ليس حادثاً عرضياً، مذكراً باغتيال القيادي والتربوي “عبدالرحمن الشاعر” في أواخر أبريل/نيسان الماضي بعدن. ورغم إعلان السلطات الأمنية القبض على أربعة مشتبه بهم في قضية “الشاعر”، وتوجيهات رئيس الوزراء بالتحقيق في مقتل “قائد”، إلا أن المعهد يرى في هذه الاستجابات “ردود فعل لاحقة” لا تعالج الخلل الوقائي الأساسي.

وأشار إلى أن المنظمات الدولية والجهات المانحة ستصبح أكثر تردداً في إرسال طواقمها إلى بيئة محفوفة بالمخاطر، كما يوجه في الوقت ذاته رسالة “مروعة” للكفاءات في المهجر اليمني التي قد تفكر في العودة لخدمة بلادها والاستثمار في التنمية.

اعتبر معهد “تشاتام هاوس” البريطاني أن تصفية شخصية تنموية بحجم “وسام قائد” لا يستهدف فرداً فحسب، بل يستهدف مؤسسة الصندوق الاجتماعي للتنمية (SFD)، وهي واحدة من أنجح المؤسسات التي حافظت على استقلاليتها وحيادها خلال سنوات الحرب.

وأشار التحليل إلى أن هذا الاستهداف سيجعل المانحين الدوليين، الذين يعتمدون على الصندوق كقناة رئيسية لتنفيذ المشاريع، في حالة من التوجس الشديد، مما قد يؤدي إلى تجميد أو تقليص التدخلات التنموية الحيوية.

وبحسب التحليل، لا يزال مجلس القيادة الرئاسي يفتقر إلى قيادة وسيطرة متماسكة على الأجهزة الأمنية. فرغم الجهود الشكلية لدمج وكالات المخابرات، لا تزال آليات التنسيق في عدن مشتتة، وتغلب عليها محاولات “الاستيعاب السياسي” للفصائل المسلحة ذات الولاءات المتباينة بدلاً من الكفاءة المهنية، ما يحد من فاعلية المؤسسات في إحباط التهديدات قبل وقوعها.

وتطرق إلى الأبعاد الاستراتيجية والإقليمية، مشيراً إلى أن استمرار الانفلات الأمني يعقد من مساعي المملكة العربية السعودية لتوطيد سلطة الحكومة المعترف بها في جنوب اليمن، خاصة في ظل التحولات السياسية وإعادة تشكيل التحالفات التي شهدتها البلاد مطلع العام 2026.

ودعا في ختامه إلى ضرورة إعادة هيكلة المنظومة الأمنية، وإنشاء آلية مركزية لتنسيق الاستخبارات، تزامناً مع إصلاحات اقتصادية جادة وملموسة.

 

نص التحليل:

إن حادثة اختطاف وقتل وسام قائد، الخبير التنموي البريطاني-اليمني البارز والمدير التنفيذي بالإنابة للصندوق الاجتماعي للتنمية في اليمن، لا تمثل خسارة مأساوية لقطاع التنمية في البلاد فحسب، بل تسلط الضوء أيضاً على تحدٍ مستمر ومستعصٍ يواجه الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، والمتمثل في عجزها عن إرساء أمن موثوق في مناطق جنوب اليمن الخاضعة لسيطرتها، بما في ذلك عاصمتها المؤقتة عدن.

ومن المتوقع أن تؤدي هذه الحادثة إلى تفاقم الأزمة الإنسانية الحادة أصلاً في اليمن، حيث ستتردد وكالات التنمية والإغاثة في إرسال موظفيها إلى بيئات محفوفة بالمخاطر. كما سيؤدي ذلك إلى تقويض الثقة بشكل أكبر لدى المانحين والمنظمات الدولية وأبناء الشتات اليمني، الذين يُنظر إليهم كعناصر حيوية للعمل الإنساني وجهود إعادة الإعمار المستقبلية.

كما يفرض هذا الحادث تحدياً أمام جهود المملكة العربية السعودية لترسيخ سلطتها في جنوب اليمن، حيث دعمت الحكومة المعترف بها دولياً ضد فصائل منافسة. ويأتي الاغتيال في لحظة حرجة وسط الخلاف المستمر بين السعودية والإمارات، وعقب توطيد سيطرة الحكومة المدعومة من السعودية على جنوب اليمن في أواخر العام الماضي.

وبدون إجراء تحسينات ملموسة في الملف الأمني، فمن المرجح أن تستمر حوادث مماثلة في المناطق الخاضعة اسمياً لسيطرة الحكومة.

 

نهج مستمر وليس مجرد استثناء

لم تعلن أي جماعة أو فرد مسؤوليتها عن مقتل “قائد”، الذي استقطب اهتماماً دولياً يعكس مكانته كواحد من كبار العاملين المدنيين في مجال التنمية.

بيد أن هذا الاغتيال ليس واقعة معزولة؛ ففي أواخر أبريل، اغتيل عبد الرحمن الشاعر، وهو شخصية بارزة في حزب الإصلاح ومدير مدرسة خاصة، في مدينة عدن.

وأعلن المسؤولون الأمنيون في عدن عن اعتقال أربعة مشتبه بهم في مقتل الشاعر، كما أمر رئيس الوزراء اليمني بفتح تحقيق في مقتل قائد. ومع ذلك، تشير هذه التطورات إلى ثغرات هيكلية عميقة بدلاً من كونها مجرد خروقات أمنية معزولة.

 

هذا الاغتيال ليس واقعة معزولة.

تكمن وراء هذه الهشاشة عدة عوامل هيكلية. فرغم التوحيد الرسمي للسلطة تحت مظلة مجلس القيادة الرئاسي بدعم من الرياض، لا تزال الحكومة تفتقر إلى قيادة وسيطرة متماسكة على الأجهزة الأمنية. ومنذ تشكيلها في فبراير 2026، أحرزت الحكومة بعض التقدم في القضايا الاقتصادية، مثل إقرار أول موازنة عامة لها منذ عام 2019، لكنها كافحت لكسب ثقة الجمهور أو تقديم تحسينات ملموسة في الجانب الأمني.

كما أن جهود توحيد الهياكل الاستخباراتية -مثل الدمج الاسمي لمختلف الأجهزة- لا تزال حبراً على ورق إلى حد كبير. ولا تزال آليات التنسيق الأمني في عدن تعمل برد فعل متأخر، حيث تركز على الاستجابة بعد وقوع الحوادث والقبض على المشتبه بهم، بدلاً من تبادل المعلومات الاستخباراتية والعمليات الوقائية. علاوة على ذلك، فإن دمج المجموعات المسلحة ذات الولاءات المتباينة قد منح الأولوية للتوافق السياسي على الكفاءة المهنية، مما حد من فاعلية المؤسسات الأمنية.

 

التداعيات على الانخراط الدولي

سعت الحكومة اليمنية لسنوات إلى تشجيع المنظمات الدولية والبعثات الدبلوماسية على الانتقال إلى عدن، التي اتخذتها عاصمة مؤقتة منذ عام 2015. ومع ذلك، وبخلاف صنعاء -حيث يفرض الحوثيون سيطرة أمنية مشددة- كافحت السلطات المتعاقبة في عدن لتقديم ضمانات أمنية مماثلة.

وتبرز التطورات الأخيرة هذه الفجوة؛ فرغم قيام سفير الاتحاد الأوروبي لدى اليمن بزيارة نادرة إلى محافظة تعز الحدودية هذا الأسبوع، إلا أن دبلوماسيين آخرين ألغوا أو أجلوا زياراتهم المقررة في أعقاب مقتل “قائد”.

ومن المرجح أن تعيد المنظمات الإغاثية الآن تقييم خططها الأمنية وحضورها العملياتي، رغم استمرار اليمن كواحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

 

العواقب الإقليمية والاستراتيجية

كما يعقد هذا الحادث موقف المملكة العربية السعودية؛ فقد سعت الرياض لتحقيق الاستقرار في جنوب اليمن وتأكيد حضورها كقائد إقليمي وحيد في البلاد وسط توترات مع الإمارات. وفي أوائل عام 2026، أُجبر حليف الإمارات في اليمن، المجلس الانتقالي الجنوبي، على الخروج من السلطة، مما أدى إلى إعادة تشكيل التحالفات في البلاد، ومنذ ذلك الحين وطد مجلس القيادة الرئاسي المدعوم من الرياض حكمه في جنوب اليمن.

ومع ذلك، فإن استمرار الانفلات الأمني يؤكد محدودية نهج الرياض في تحقيق الاستقرار القائم على “التوجيه من الأعلى”. فالأمن في جنوب اليمن ليس مجرد وظيفة للسيطرة العسكرية؛ بل يعتمد على الشرعية المحلية والقبول الشعبي. إن المجموعات والقوى التي تشعر بأنها مستبعدة من الترتيبات الجديدة لا تزال تملك القدرة على تقويض الاستقرار. وبدون احتواء أوسع، يشمل الأطراف الموالية للمجلس الانتقالي، وتوفير الاحتياجات والخدمات الأساسية للسكان، فمن غير المرجح أن تنجح جهود فرض النظام.

علاوة على ذلك، فإن اغتيال شخصية مهنية يمنية تحظى باحترام كبير، عادت من المهجر لخدمة وطنها واختارت البقاء رغم الحرب والأزمة الإنسانية الكارثية، يبعث برسالة صادمة لآخرين في الشتات اليمني قد يفكرون في العودة للاستثمار في التنمية أو المساهمة في الإغاثة الإنسانية.

 

ما وراء الاعتقالات: الحاجة إلى إصلاح هيكلي

تتطلب الاستجابة الموثوقة ما هو أكثر من مجرد تحديد هوية الجناة واعتقالهم؛ إذ تحتاج البنية الأمنية في اليمن إلى إعادة هيكلة جذرية.

ويشمل ذلك إنشاء آلية مركزية فعالة للتنسيق الاستخباراتي، تكون مشابهة من الناحية الوظيفية لمجلس الأمن القومي الأمريكي، وقادرة على دمج المعلومات عبر مختلف الوكالات والتحرك بشكل استباقي. فالهياكل الحالية لا تزال مشتتة ومسيسة، مما يحد من جدواها.

كما يعد تحسين الرقابة المالية أمراً ضرورياً؛ فالشبكات المالية غير الرسمية وضعف الرقابة يخلقان فرصاً للأنشطة غير المشروعة، بما في ذلك تسهيل أعمال العنف والاغتيالات. كما أن تعزيز التعاون وتبادل المعلومات مع الشركاء الإقليميين، ولاسيما الأجهزة الأمنية السعودية، من شأنه أن يدعم إجراءات استباقية أكثر فاعلية.

وأخيراً، لا يمكن فصل الظروف الاقتصادية عن النتائج الأمنية؛ ففي بلد يتضور فيه الملايين جوعاً، يبرز التقاطع الحاد بين الفقر وانعدام الأمن.

إن معالجة تأخر الرواتب في القطاع الأمني، وتحسين الشفافية، ومكافحة الفساد، هي أيضاً ركائز أساسية لاستعادة الاستقرار. فالفشل المستمر في دفع رواتب الأفراد الأمنيين يمثل إخفاقاً كبيراً في الحوكمة له تداعيات أمنية مباشرة، ويزداد هذا الوضع سوءاً مع استمرار تقاضي كبار المسؤولين رواتبهم بالعملة الصعبة بينما لا يعيشون حتى داخل البلاد.

ثمة حاجة إلى التحول نحو ترتيبات أمنية أكثر تماسكاً ومهنية وشمولاً، مدعومة بإصلاح اقتصادي. وبخلاف ذلك، ستستمر حوادث مثل هذا الاغتيال في تسليط الضوء على فشل جهود تحقيق الاستقرار في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية، وهو ما لن يؤدي إلا إلى ترسيخ الانطباعات بأنها تفتقر إلى المصداقية.

 

 

 

The post اغتيال “وسام قائد” في عدن.. رسالة “مروعة” لمانحي اليمن وتنذر بانسحاب المنظمات الدولية appeared first on يمن مونيتور.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية