عربي
تشكّل غزة كما لبنان وإيران معضلة بالنسبة لرئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو في ظل غياب الحسم و"النصر المطلق" الذي وعد به منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023. ويزداد ذلك تعقيداً من اقتراب موعد انتخابات الكنيست، المقررة آواخر أكتوبر المقبل. وتواترت التقارير العبرية في الأيام الأخيرة، وآخرها اليوم الجمعة، التي تربط بين الحسابات الانتخابية لنتنياهو، وقرارات قد يتّخذها بشأن غزة على وجه الخصوص، فيما أشارت تقارير أخرى، أخيراً إلى تخوّفات في حزب الليكود الحاكم من خسارة الانتخابات بسبب عدم الحسم في مختلف الجبهات.
ويدفع عدم تحقيق نتائج عقب العدوان على إيران ولبنان، المستويَين السياسي والأمني في إسرائيل إلى إعادة التفكير بغزة، وفق ما أشار إليه تقرير في صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية اليوم، بالإضافة إلى أن هناك من يبحثون في المؤسسة الأمنية عن "صورة نصر"، ويدفعون باتجاه احتلال القطاع بالكامل. كما أنّ نتنياهو في ضائقة متزايدة، ورغم أنه يميل لاعتبار تجديد حرب الإبادة المكثّفة على غزة خطراً انتخابياً، إلا أنه قد يعرض ذلك كجولة حرب أخرى لا مفر منها، في حال رأى أنها تصب في صالحه.
وجاء في تفاصيل التقرير، أن أهم قرار يقف نتنياهو أمامه الآن، هو ما إذا كان سيتجه إلى استئناف الحرب على قطاع غزة أم لا، فهذا قرار قد يحدد نتيجة الانتخابات. ويتزامن هذا التخبط الإسرائيلي، مع رفض حركة حماس نزع سلاحها، وعدم التوصّل بعد إلى اتفاق نهائي بين حماس والولايات المتحدة في المحادثات التي جرت في القاهرة.
ووفق تقرير "يديعوت أحرونوت"، تعتقد مصادر غربية أن مسؤولي حماس يحاولون كسب الوقت لمعرفة ما قد يحدث في إيران، فيما أوضحت الولايات المتحدة لحماس أنها لن توافق بأي شكل على الربط بين نتائج المفاوضات مع إيران وبين قطاع غزة، وأنه لا يوجد سوى رؤية واحدة للقطاع، هي خطة النقاط العشرين التي عرضها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ومجلس السلام لقطاع غزة الذي أنشأته الإدارة الأميركية. هذا هو "الجزرة"، أما "العصا" فهي إمكانية منح إسرائيل حرية كاملة لاحتلال القطاع. وحتى الآن، هذا الضغط لم يؤد إلى اختراق حقيقي.
في غضون ذلك، يعيش المستوى الأمني الاسرائيلي، حالة من الاضطراب، وجزء كبير من كبار المسؤولين غير مستعدين لقول أمور صعبة للحكومة بشأن حالة التآكل واستنزاف الجنود، ووضع المخزون العسكري، وتدهور التدريبات، والانهيار في الانضباط. في المقابل، يصف التقرير جزءاً آخر من كبار المسؤولين بأنه أدمن الحرب المتواصلة، ولا يفهم أنها تعبير عن الفشل، مشدداً على أنه لو حققت إسرائيل الردع، لما كانت هناك حاجة إلى حرب أبدية.
وفي ظل هذا الوضع، تنشأ أحاديث "خطيرة" على حد وصف التقرير، عن "نزع سلاح حزب الله"، رغم وضوح عدم إمكانية ذلك من دون احتلال دولة لبنان بأكملها. كما تُنقل إحاطات إعلامية تزعم أن مجرد "عدة أشهر أخرى" من إغلاق مضيق هرمز (وكأن هذا أمر قابل للتنفيذ، في سوق الطاقة العالمي الحالي، وفي الوضع السياسي داخل الولايات المتحدة)، وسينهار النظام الإيراني. ويضاف إلى ذلك، الأحاديث الجديدة الداعية لاحتلال غزة.
وخلص التقرير، بعد الإشارة الى حسابات نتنياهو المعقّدة المرتبطة بغزة، بشأن ما قد ينفعه أو يضره أمام منافسيه، إلى أنه سيضطر قريباً إلى اتخاذ قراره. فإذا أراد خوض حرب في غزة، فسيحتاج إلى دعم قوي من البيت الأبيض، وإلى تهيئة الرأي العام الإسرائيلي لعمليات التقدّم من بيت إلى بيت في القطاع. أما إذا توصّل إلى قناعة بأن القتال في غزة هو ضرر سياسي صافٍ، فسيختفي القطاع من الخطاب العام إلى ما بعد الانتخابات.
احتمالات للتصعيد في غزة
من جانبها، اعتبرت صحيفة "هآرتس" العبرية اليوم، أن جولة قتال إضافية في غزة قبل الانتخابات تبدو "احتمالاً معقولاً". وذكرت أن تركيز العالم على الحرب في إيران يتيح لحماس أن تُحكم سيطرتها على قطاع غزة، لافتة إلى أنّ المدير العام لـ "مجلس السلام" لغزة، نيكولاي ملادينوف، التقى الشهر الماضي في القاهرة مع كبار مسؤولي حماس، بينما كان ممثلون إسرائيليون وأميركيون في الغرفة المجاورة.
وادعى تقرير "هآرتس" أيضاً أنّ مسؤولي حماس يلعبون على عامل الوقت، ولا يقدّمون رداً مباشراً على مطلب ملادينوف لدفع عملية نزع سلاح الحركة، وفقاً لخطة ترامب للقطاع، بادّعاء أن حماس بحاجة للتشاور مع الفصائل الفلسطينية الأخرى، "لكنها في الواقع تفضّل تنسيق مواقفها مع إيران وانتظار التطورات في الخليج"، وفقاً للتقرير.
وأضاف التقرير أن هذا هو السياق الذي تقف خلفه التحذيرات المتكررة من إسرائيل بشأن ضرورة استئناف القتال في القطاع وحسم المواجهة ضد حركة حماس، وأن حماس أقوى بكثير مما وعد به نتنياهو (من مستوى إضعافها)، لكنها بالمقابل، لا تشكّل خطراً فورياً لشنّ هجوم على غرار ما حدث في 7 أكتوبر، عازية ذلك إلى أن معظم القدرات العسكرية للحركة قد دُمّرت.
حسابات الانتخابات
في الأيام الأخيرة، طرح مسؤولون كبار في حزب الليكود سيناريو متشائماً بالنسبة لهم، ومفاده أنه إذا لم تحقق إسرائيل إنجازاً كبيراً ضد إيران، فقد يخسر نتنياهو الانتخابات. وبحسب ما أورده موقع "واينت" العبري، أمس الخميس، ردّد أعضاء كنيست ووزراء ذلك خلال نشاط لليكود في إيلات.
وقال مسؤول كبير في الليكود أخيراً: "نتنياهو يجب أن يوجّه ضربة لإيران لتدمير برنامجها النووي وتحقيق إنجاز كبير في هذه الحرب الطويلة. إذا لم تكن هناك ضربة إضافية لإيران، أو إذا لم ننجح في منعها من الحصول على سلاح نووي، وهو الهدف الأول في هذه الحرب، فقد نخسر".
ويسود قلق في الليكود، من الوضع الأمني في الجبهات الثلاث، ومن حقيقة أن الحرب المستمرة منذ أكثر من عامين ونصف العام لم تُحسم في أي منها. فحماس لم تُهزم في غزة، وحزب الله لم يُردع في لبنان، وإيران نجحت في الصمود أمام ضربتَين عسكريتَين قاسيتَين جداً من دون أن تفقد سلاحها النووي أو برنامجها للصواريخ الباليستية. ويتعقّد الوضع أكثر في نظرهم، مع احتمال تقدّم الرئيس الأميركي نحو حل سياسي مع إيران، من دون تحقيق أي من الأهداف المركزية للحرب.
وعبّرت جهات عدّة داخل الليكود عن خيبة أملها من الوضع الأمني الذي وصلت إليه إسرائيل، ومن العجز عن عرض إنجاز كبير في الجبهات الثلاث النشطة. وفي الغرف المغلقة، هناك أيضاً انتقادات موجّهة لنتنياهو، وترى أنه يقيّد الجيش الإسرائيلي بسبب اعتبارات سياسية أو تعليمات يتلقّاها من ترامب.
