عربي
كشفت أحدث التقارير الصادرة ضمن خطة الاستجابة الوطنية التي تنفذها وزارة الزراعة اللبنانية، لدعم القطاع الزراعي وتعزيز الأمن الغذائي، عن حجم غير مسبوق من الأضرار التي طاولت الأراضي الزراعية والبنى الإنتاجية والثروة الحيوانية في المناطق الجنوبية، نتيجة الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة وما خلّفته من تداعيات بيئية واقتصادية واجتماعية عميقة على المجتمعات الريفية.
وتأتي هذه التقارير وسط تصاعد التحذيرات من التداعيات الخطيرة للأضرار الزراعية على الأمن الغذائي الوطني، ولا سيما أن المناطق الجنوبية تُعدّ من أبرز المناطق المنتجة للزيتون والحمضيات والفواكه في لبنان، ما يفرض تسريع وتيرة الاستجابة ودعم المزارعين للحفاظ على استمرارية الإنتاج الزراعي وتعزيز صمود المجتمعات الريفية وحماية الاقتصاد الزراعي الوطني من مزيد من التدهور.
وتواصل إسرائيل اعتداءاتها على لبنان، وخصوصاً القرى الجنوبية والأراضي الزراعية، رغم الهدنة التي تم التوصل إليها منتصف ليل 16 -17 إبريل/نيسان الماضي، عقب أول محادثات مباشرة جمعت لبنان وإسرائيل في واشنطن. وقد مُددت الهدنة أولاً لعشرة أيام، ثم لثلاثة أسابيع تنتهي في 17 مايو/أيار الجاري، وسط ترقب لجولة جديدة من المحادثات الأسبوع المقبل، ومصير الهدنة الهشّة.
وبحسب التقرير الأسبوعي الصادر بتاريخ 4 مايو/أيار، والذي نشرت الوزارة تفاصيله اليوم الجمعة، بلغت المساحات الزراعية المتأثرة على مستوى لبنان نحو 56,264 هكتاراً، فيما قُدّرت المساحات المتضررة مباشرة بنحو 18,559 هكتاراً، أي ما يعادل 22.5% من إجمالي المساحات الزراعية الواقعة ضمن مناطق النزاع في الجنوب اللبناني.
كما سُجلت أضرار متفاوتة في 64 بلدة جنوبية نتيجة القصف والتدمير الذي استهدف الأراضي الزراعية وشبكات الري والبنى التحتية الإنتاجية والمنشآت المرتبطة بسلاسل القيمة الزراعية والغذائية. وأشار التقرير إلى أن صغار المزارعين كانوا الفئة الأكثر تضرراً، إذ تشكّل الحيازات الزراعية الصغيرة نحو 80% من إجمالي الحيازات الزراعية في الجنوب، ما يعكس حجم التأثير المباشر على الأمن المعيشي والاقتصاد المحلي للأسر الريفية.
وبيّنت المعطيات أنّ أشجار الحمضيات والموز والزيتون تصدّرت قائمة المحاصيل الأكثر تضرراً، إذ بلغت المساحات المتضررة من أشجار الفاكهة نحو 11,075 هكتاراً، تلتها أشجار الزيتون بحوالى 6,600 هكتار، في مؤشر خطير على التأثير طويل الأمد للأضرار التي طاولت الزراعات المعمّرة والإنتاج الاستراتيجي في المنطقة. وفي إطار عمليات مسح الأضرار وتحديث قواعد البيانات الزراعية، أوضح التقرير أن عدد المزارعين المسجلين على منصة الوزارة بلغ 23,611 مزارعاً، من بينهم 5,803 مزارعين جرى تسجيلهم خلال الأسبوع الأخير فقط، كما أظهرت البيانات أن 77.9% من المزارعين في الجنوب ما زالوا نازحين عن بلداتهم، فيما تمكن 22.1% فقط من البقاء داخل مناطقهم.
ورصد التقرير أيضاً أضراراً واسعة في البنى التحتية الزراعية، شملت تضرّر نحو 4,269 هكتاراً من الأراضي الزراعية، و1,617 مزرعة، إضافة إلى 793 خيمة زراعية بلاستيكية، إلى جانب أضرار لحقت بمراكز تصنيع غذائي ومعاصر زيتون وخروب ومراكز توضيب وتبريد وتجميع المنتجات الزراعية. أما على مستوى الثروة الحيوانية، فقد سُجل نفوق نحو 1,848,856 رأساً من الدواجن والأغنام والماعز والأبقار، إضافة إلى خسائر جسيمة في قطاعَي النحل والاستزراع السمكي، إذ جرى تسجيل نفوق أكثر من 29 ألف خلية نحل، وخسارة ما يقارب 2,030 طناً من الأسماك.
وبيّن التقرير أن الاحتياجات الأكثر إلحاحاً للمزارعين تتمثل حالياً في تأمين الأدوية الزراعية والمحروقات اللازمة للري والمياه ومدخلات الإنتاج الزراعي والحيواني، إلى جانب خدمات الرعاية البيطرية وتطعيم المواشي وتأمين نقل الإنتاج إلى مناطق أكثر أماناً. وقد سجلت محافظات بنت جبيل ومرجعيون وصور أعلى نسب الاحتياجات الزراعية الطارئة. وفي موازاة عمليات التقييم والرصد، تواصل وزارة الزراعة اللبنانية تنفيذ خطة استجابة وطنية شاملة ترتكز على حماية الإنتاج الزراعي والحيواني، وضمان استمرارية سلاسل الإمداد الغذائي، وتعزيز استقرار الأسواق، وتأمين المساعدات الطارئة للمزارعين، بالتنسيق مع الوزارات المعنية والسلطات المحلية والمنظمات الدولية والشركاء المانحين.
وأكدت الوزارة أنها تعمل على اتّخاذ إجراءات استثنائية لتسهيل استيراد المنتجات الزراعية الأساسية، وتسريع عمليات دخول البضائع عبر المرافئ والمعابر، بالتوازي مع تكثيف الرقابة على الأسواق والأسعار بالتنسيق مع الجهات المعنية بالأمن الغذائي وحماية المستهلك. وفي إطار برامج الدعم، أشار التقرير إلى أن الوزارة، بالتعاون مع الشركاء والجهات المانحة، تسعى إلى تأمين مساعدات نقدية تتجاوز قيمتها 1.65 مليون دولار يستفيد منها نحو 4,840 مزارعاً، إضافة إلى مساعدات عينية تشمل مدخلات زراعية وأعلافاً ومضخات طاقة شمسية وإعادة تأهيل البنى التحتية الزراعية، بما يستفيد منه نحو 1,850 مزارعاً إضافياً. وشملت الجهات الداعمة والمنفذة لهذه التدخلات عدداً من المؤسسات والمنظمات الدولية والإنسانية، من بينها World Food Programme، والاتحاد الأوروبي، ووكالات الأمم المتحدة، إضافة إلى منظمات دولية ومحلية متخصصة في التنمية الزراعية والتمكين المجتمعي.
