عمدتان ومطعم دجاج... مشهد يلخّص حال اليسار الفرنسي
عربي
منذ ساعة
مشاركة
هل يمكن لقصة محلّ يبيع وجبات الدجاج المشوي، في إحدى ضواحي باريس الشعبية، أن تختصر الانقسام الذي يعتري اليسار الفرنسي؟ ليس هذا سؤالاً يتقصّد السخرية، فما بدا أوّل الأمر خلافاً إدارياً حول ترخيص افتتاح متجر، تحوّل في غضون أسابيع قليلة إلى قضية تُقدّم صورة واضحة عن التوترات بين الحزبين الأبرز في صفوف اليسار الفرنسي اليوم: "الحزب الاشتراكي" وحزب "فرنسا الأبية". بدايات القصة بدأت القصة في 11 إبريل/ نيسان الماضي، حين افتتح فرعٌ من سلسلة "ماستر بوليه" أبوابه في ضاحية سانت وان، شمال باريس. لكن بلدية الضاحية، التي يرأسها العمدة الاشتراكي كريم بوعمران، طالبت سريعاً بإغلاق المتجر لأنه لم يستكمل الإجراءات القانونية التي تقتضي، بحسبها، الحصول على ترخيص من البلدية نفسها. أمام دِفاع المتجر عن نفسه بالقول إنه يملك كل التصريحات الضرورية من الدولة، وإن القانون لا يُجبره على المرور بالبلدية، قام العمدة الاشتراكي في 14 إبريل بإغلاق واجهة المتجر ومدخله بحواجز خرسانية وأسياج معدنية. ردّت إدارة المحل على طريقتها، وعلّقت على واجهاته يافطات تتّهم البلدية بالفساد تارة، وتعلن تحدّيها للعمدة وحتى سخريتها منه تارة أخرى. أدرج بوعمران خطوة إغلاق المتجر ضمن سياسته الهادفة إلى رفع مستوى المعيشة في المدينة ومكافحة الطعام المضرّ بالصحّة   ولم يقدّم العمدة الاشتراكي خطوته بوصفها مجرّد تطبيق للقانون، بل أدرجها ضمن سياسته الهادفة إلى "رفع مستوى المعيشة" في المدينة و"مكافحة الطعام المضرّ بالصحّة"، الذي صنّف ضمنه وجبات الدجاج التي يبيعها المتجر بأسعار زهيدة. وأضاف إلى مبرّراته روائح الشواء، والضجيج الذي يُزعج الجيران حتى بعد منتصف الليل. هكذا، تحوّلت مسألةٌ إدارية إلى موقف سياسي قائم على تصوّر لما يجب أن تكون عليه المدينة. غير أنّ الرد لم يتأخّر. إذ لجأت "ماستر بوليه" إلى القضاء، الذي أمر بإزالة الحواجز الخرسانية، في إشارة أولى إلى هشاشة حجّة بوعمران. لكن العمدة لم يستسلم، حيث أرسل مفتّشين صحّيين مرّات عدة لتدقيق النظافة وطزاجة المنتجات في المتجر، ثم عاد ووضع أمام واجهته أحواض نباتات ضخمة، للالتفاف على القرار القضائي. في الوقت ذاته، انتقلت القضية إلى قنوات التلفزيون والراديو وصفحات الجرائد، وعرف المتجر شهرةً ضاعفت أعداد زبائنه الذين باتوا يصطفون في طوابير تمتد أمتاراً أمامه. وكان لهذا المشهد أن يظلّ نزاعاً محلياً لولا تدخُّل طرفٍ ثالث متمثّل بحزب "فرنسا الأبية"، ذي التوجّه الأكثر جذرية بين أحزاب اليسار الفرنسي العديدة. ففي 25 إبريل، جاء النائب عن الحزب والمنطقة، إيريك كوكريل، وصوّر مقطع فيديو أمام المتجر اتّهم فيه بوعمران بالسعي إلى تهميش الطبقات الشعبية في المدينة لصالح الوافدين الجدد من أصحاب الدخل المرتفع. ثم كتب كوكريل رسالة إلى محافظ إقليم سين سان دوني طالباً من الدولة أن تضع حدّاً لـ"التحرّش الإداري" الذي يمارسه بوعمران. وبعد ذلك بأربعة أيام، نشر بالي باغاياكو، عمدة سان دوني المجاورة وزميل كوكريل في "فرنسا الأبية"، مقطع فيديو على حسابه في منصة "إكس"، يُظهره وهو يشتري وجبة طعام من المتجر ويتبادل الحديث مع أحد عمّاله، حيث يقول له العامل إن البعض يريدون بدلاً من "ماستر بوليه" مطاعم راقية في سانت وان، فيردّ عليه باغايوكو بالقول "لا، لسنا بحاجة إلى ذلك". على أن هذه الرسائل العلانية لا تقول كلّ شيء عن الصراع السياسي الذي كان دائراً في الكواليس، قبل أيام فقط، بين باغايوكو وحزبه من جهة، وبين بوعمران ومناصريه من جهة أُخرى. ففي 21 إبريل، خسر بوعمران معركته الانتخابية لرئاسة تكتّل "بلين كومون" الذي يجمع ثماني مدن من ضواحي باريس الشمالية وأكثر من 450 ألف نسمة، وكانت خسارته أمام بالي باغايوكو، ما دفع بوعمران إلى اتهام منافسه وحزبه بالسعي إلى تحويل التكتّل قاعدةً انتخابية لحملة زعيم "فرنسا الأبية"، جان لوك ميلانشون، للانتخابات الرئاسية في 2027. وإن كان لـ"فرنسا الأبية" حساباتها، فلبوعمران حساباته أيضاً، وهي تتجاوز، كما يبدو، حدود مدينته ونزاعه مع محلّ دجاج مشوي. فهو يرسم، منذ انتخابه عمدةً لسانت وان عام 2020، خطاً سياسياً يخرج في العديد من الأحيان عن أدبيات اليسار الفرنسي التقليدي، واضعاً الأمن وضبط الفضاء العام في صلب أولوياته. وقد ترجم ذلك عملياً بزيادة أعداد الشرطة البلدية في مدينته، وبقرارات لمكافحة "الانحراف"، من بينها حظر تجوّل مَن هم دون السادسة عشرة خلال ساعات الليل، صيفَ 2025. اتّهم "فرنسا الأبية" بوعمران بالسعي إلى تهميش الطبقات الشعبية في سانت وان لصالح الوافدين الجدد من أصحاب الدخل المرتفع   ويدافع بوعمران عن مواقف كهذه برفضه الصورة المسبقة التي يُراد له أن يلتزم بها بوصفه سياسياً متحدراً من عائلة مغربية مهاجرة. وقد أعاد التذكير بذلك يوم الخميس الماضي خلال ظهوره في برنامج "سيه سو سوار" على قناة فرنسا الخامسة، حيث انتقد اختزال أبناء الضواحي والمهاجرين في موقع سياسي أبدي هو اليسار الفرنسي أو حصرهم في أنماط استهلاك بعينها مثل الوجبات السريعة، أو اعتبار تعاونهم مع الشرطة خيانة. ويرى منتقدوه أن "انفتاحه" هذا على مواضيع مألوفة في تيارات الوسط واليمين، كان سبباً في تداول اسمه بصفته أحد المرشحين لرئاسة الوزراء قبل عامين. أما اليوم، فلا ينفي بوعمران نيته الترشح للانتخابات الرئاسية المقبلة. وهنا، تبدو مدينته، التي يزيد تعداد سكانها بقليل على الـ50 ألف نسمة، أشبه بمختبر مصغّر لما يريد فعله رئيساً. معركة أقصى اليسار الفرنسي هذا القرب من خطابات اليمين يفسّر، في جانب منه، طبيعة الدعم الذي حظي به بوعمران في معركته مع "ماستر بوليه"، والذي اجتمعت فيه شخصيات مثل عمدة كان والنائب السابق لرئيس حزب "الجمهوريون" اليميني دافيد ليسنار، مع منابر إعلامية مثل قناة "سي نيوز" المعروفة بدفاعها عن اليمين المتطرف. وهو أيضاً ما يفسّر معركة أقصى اليسار الفرنسي معه، ممثلّاً بـ"فرنسا الأبية"، التي تختصر موقفها النائبة نادج أبومانغولي في منشور على منصة "انستغرام" وصفت فيه سياسات بوعمران بأنها قائمة على "احتقار طبقي" لأهل مدينته، قبل أن تنهي بالقول: "دعونا نذكّر أن كريم بوعمران ليس عمدةً ينتمي إلى حزب "التجمع الوطني" (اليميني المتطرف)، بل إلى الحزب الاشتراكي". قد يكون بوعمران خاسراً في معركته مع متجر الدجاج المشوي ومع عمدة سان دوني لرئاسة تكتّل "بلين كومون"، لكنّه خرج من هذا الجدل بحضور إعلامي لا يُستهان به، على بُعد عام من انتخابات رئاسية، يقول إنه قد يكون "حلّاً" فيها.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية