عربي
دعت الهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب في تونس (مؤسسة مدنية) إلى تحسين ظروف احتجاز السجناء من ذوي الإعاقة، وتهيئة السجون بما يتلاءم مع احتياجاتهم الخاصة، في ظل ما يواجهونه من إقصاء وتمييز داخل مراكز التوقيف والاحتجاز.
وأظهر تقرير أصدرته الهيئة بمناسبة مرور عشر سنوات على إحداثها أن المعايير الدولية الخاصة بسجن الأشخاص ذوي الإعاقة لا تُطبق بالشكل الكافي في سجون تونس، مما يستدعي إعادة النظر في تهيئة هذه المؤسسات لتتلاءم مع احتياجاتهم، وتسهيل حركتهم وتمكينهم من الولوج إلى المرافق الأساسية من دون الحاجة إلى مساعدة.
ووفقاً للتقرير، لا يتجاوز عدد السجناء من ذوي الإعاقة 340 سجيناً في أقصى الحالات، غير أن محدودية عددهم لا تُسقط حقهم في التمتع بظروف إقامة إنسانية لائقة، تستجيب للمعايير الدولية ذات الصلة. ويستند تقرير الهيئة إلى إحصائيات الهيئة العامة للسجون، التي أكدت أن عدد السجناء من ذوي الإعاقة في مراكز الإيداع ارتفع من 158 سجيناً سنة 2019 إلى 230 سجيناً سنة 2023، فيما سُجل أعلى عدد سنة 2021 بـ345 سجيناً، أي ما يمثل 1,4% من مجموع المودعين.
وقال رئيس الهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب، فتحي الجراي، إن "البنية التحتية الحالية للسجون التونسية لا تستجيب بشكل كافٍ لاحتياجات السجناء من ذوي الإعاقة، سواء الحركية أو الحسية". وأضاف في تصريح لـ"العربي الجديد"، أن التقرير رفع توصيات بضرورة إعادة تهيئة الفضاءات السجنية بشكل يضمن سهولة التنقل داخلها، من خلال توفير مرافق ملائمة داخل الغرف والأروقة ودورات المياه، إلى جانب تخصيص فضاءات مشتركة مهيأة.
كما شدد على ضرورة توفير تجهيزات طبية مساعدة، مثل الأسرة الطبية والرافعات والعكاكيز وعصي المشي، بما يعزز استقلالية هذه الفئة ويخفف من معاناتها اليومية داخل السجن. ولم يغفل التقرير تأكيد الحاجة إلى توفير دعم بشري دائم، عبر تخصيص أعوان مدرّبين لمرافقة السجناء غير القادرين على التنقل بمفردهم، أو الاستعانة بسجناء لمساعدة ذوي الإعاقة مقابل أجر، في إطار تشغيل السجناء.
وبحسب فتحي الجراي، استند التقرير إلى زيارات ميدانية أنجزتها الهيئة في ثلاثة سجون، هي سجن المهدية وسجن بلّي وسجن النساء بمنوبة، مشيراً إلى أن النماذج الهندسية للسجون الحديثة نسبياً، على غرار سجن بلّي، لا تلبي بشكل كامل احتياجات السجناء من ذوي الإعاقة.
ويأتي هذا التقرير في سياق تجدد النقاش حول إصلاح المنظومة السجنية، خاصة مع طرح البرلمان مقترح قانون لمراجعة قانون السجون، بما ينسجم مع المعايير الحقوقية الدولية، ويراعي الفئات الهشة، وفي مقدمتها الأشخاص ذوو الإعاقة. ومؤخراً، أودعت مجموعة برلمانية مقترح قانون لإتمام وتنقيح قانون نظام السجون، الصادر عام 2001، وذلك على إثر صدور عدد من الدراسات والتوصيات عن هيئات حقوقية ومدنية، حذرت من أوضاع السجون في تونس والانتهاكات المسجلة داخلها.
ووفقاً لوثيقة شرح الأسباب التي أودعتها المجموعة البرلمانية، يهدف تنقيح القانون إلى ترسيخ الزيارة حقّاً أساسياً للسجين، وتوسيع دائرة الأشخاص المخول لهم الزيارة، وتحسين ظروف الإقامة والتأهيل خلال فترة العقوبة.
وسجّلت سجون تونس، منذ العام الماضي، أعلى مستوى تاريخي في عدد المودعين، إذ تجاوز العدد 33 ألف سجين، وفق أحدث بيانات نشرتها الرابطة التونسية لحقوق الإنسان. وعلى المستوى القانوني، دعا تقرير هيئة الوقاية من التعذيب إلى مراجعة الإطار التشريعي المنظم لوضعية الأشخاص ذوي الإعاقة، سواء القانون التوجيهي الخاص بهم أو قانون السجون، بهدف إدراج مقتضيات واضحة تضمن حقوقهم داخل الفضاء السجني، كما شدد على ضرورة ملاءمة هذه النصوص مع المعايير الدولية، خاصة في ما يتعلق بعدم التمييز وتكافؤ الفرص.
كما أوصى التقرير بإعادة النظر في شروط إسناد بطاقة الإعاقة، وإرساء آلية تمكن السجناء من الحصول عليها داخل المؤسسة السجنية، بما يتيح لهم الاستفادة من الترتيبات التيسيرية والحقوق المرتبطة بها، إضافة إلى تعميم تطبيق الأمر عدد 1467 لسنة 2006 المتعلق بتهيئة الفضاءات العمومية لفائدة الأشخاص ذوي الإعاقة، مع تكييفه مع خصوصية الفضاء السجني.
وينصّ قانون حماية الأشخاص ذوي الإعاقة، في بنده الرابع المتعلّق بتهيئة المحيط وتيسير التنقّل والاتصال، على أن تعمل الدولة والجماعات المحلية والمنشآت والمؤسسات العمومية والخاصة على تهيئة المحيط، وملاءمة وسائل الاتصال والإعلام، وتيسير تنقّل الأشخاص ذوي الإعاقة وتمكينهم من الوصول إلى الخدمات.
