عربي
يعيش اليمن على وقع أحداث أمنية خطيرة هزت العاصمة المؤقتة للحكومة المعترف بها دولياً عدن، حيث تسود مخاوف واسعة من تأثير حوادث الاغتيالات في تفاقم الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، وضرب استقرار الريال، إضافة إلى التأثير في علاقة اليمن بشركاء التنمية ومجتمع المانحين، وذلك بعد النجاح الذي تحقق مؤخراً في إعادة العلاقة مع صندوق النقد والبنك الدوليين.
ويربط كثيرون بين ما يحصل في المنطقة من توترات واضطرابات جراء الصراع مع إيران، وبين عودة هذه الأحداث الأمنية في عدن التي تعيش حالة استنفار قصوى مؤخراً على المستويات كافة، إذ من المتوقع أن تلقي حادثة اغتيال المدير التنفيذي للصندوق الاجتماعي للتنمية، وسام قايد، بظلالها وتبعاتها الواسعة على المنح والدعم والتمويلات الدولية المقدمة لليمن؛ لكون الصندوق يمثل أكبر محفظة تمويلية للمانحين والمؤسسة المحلية الوحيدة المتبقية التي استمرت الجهات والصناديق التمويلية الدولية في التعامل معها. وتعد هذه الحادثة هي الثانية في ظرف 15 يوماً، مما يهدد تنفيذ المشاريع الاقتصادية والتنموية، ودعم المشروعات الصغيرة، والمشاريع كثيفة العمالة المخصصة لمكافحة الفقر والبطالة.
وتسود البلاد مخاوف واسعة من مراجعة المانحين والجهات التمويلية الدولية لقرارها بشأن إعادة التعاون مع اليمن والحكومة المعترف بها دولياً، والتي تعول كثيراً على دعم برنامج الإصلاحات الاقتصادية والمالية والنقدية، وتمويل العجز في الموازنة العامة للدولة، إضافة إلى التأثير الذي سيطاول القطاع الخاص والاستثمار وهروب المزيد من رؤوس الأموال.
وعلى إثر هذا الحادث، سارع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد محمد العليمي إلى عقد اجتماع حكومي مصغر وطارئ، كان لافتاً فيه حضور محافظ البنك المركزي اليمني أحمد غالب، ورئيس الفريق الاقتصادي حسام الشرجبي؛ لمناقشة المستجدات على الساحة الوطنية، ومستوى التقدم في تنفيذ أولويات الإصلاحات الاقتصادية والخدمية، وآليات المتابعة المعتمدة خلال المرحلة المقبلة.
وركز الاجتماع، حسب ما ورد في وكالة الأنباء اليمنية الرسمية (سبأ)، على حادثة اغتيال القائم بأعمال المدير التنفيذي للصندوق الاجتماعي للتنمية، وجهود بسط الأمن والاستقرار في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات الواقعة تحت إدارة الحكومة المعترف بها دولياً، وتعزيز التنسيق والتكامل المؤسسي على المستويين المركزي والمحلي. واستمع الاجتماع من وزير الداخلية اللواء إبراهيم حيدان إلى تقرير أولي حول جريمة الاغتيال، والتي اعتبرت محاولة بائسة لإرباك المشهد وضرب الاستقرار والثقة بالمؤسسات الوطنية والدولية، واستهداف فكرة الدولة وبيئة العمل التنموي.
وأكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني في الاجتماع الحكومي الطارئ أنه "لا يمكن الحديث عن إصلاح اقتصادي بدون أمن، ولا تحقيق الاستقرار دون فرض سيادة القانون، لأن الأمن هو السياج الذي يحمي هذه الإصلاحات ويضمن استمراريتها". وفي الوقت الذي جدد فيه العليمي أن الشراكة مع السعودية تمثل ركيزة أساسية لدعم الإصلاحات الاقتصادية، وأن أي محاولة للمساس بهذه الشراكة هي استهداف مباشر لمصالح اليمن وشعبه؛ طمأن شركاء اليمن من المنظمات الدولية ومجتمع المانحين إزاء حماية العاملين في المجال التنموي، مؤكداً أن هذه الحوادث الأخيرة لن تثنيهم عن مواصلة برامج التنمية وتطبيع الأوضاع.
في السياق ذاته، أكد الخبير الاقتصادي عيسى أبو حليقة، مستشار تطوير الأعمال والتنمية الاقتصادية المستدامة، في تصريح لـ"العربي الجديد"، أن اليمن يمر حالياً بوضعية "الهشاشة"، أي وجود نظام اقتصادي وسياسي هش وضعيف، فلا يكاد يفيق من أزمة حتى يدخل في أخرى، مشيراً إلى أن ما حصل خلال الأشهر القليلة الماضية من أحداث في حضرموت وعدن أثر بشكل كبير في ثقة المجتمع الدولي، خاصة المؤسسات المالية الدولية مثل صندوق النقد والبنك الدوليين؛ إذ فقد المجتمع الدولي ثقته بقدرة الحكومة اليمنية على تحقيق التعافي والاستقرار السياسي والاقتصادي.
وشدد أبو حليقة على أن هذه الحادثة ستؤثر بشكل كبير في فقدان ثقة المانحين الدوليين، نظراً لغياب الاستقرار الأمني، لافتاً إلى وجود علاقات مباشرة بين الصندوق ومديره التنفيذي ـ الذي يعتبر مسؤولاً دولياً بحكم منصبه ـ وبين المانحين من خلال عمله في الصندوق الاجتماعي للتنمية وكذا وكالة تنمية المنشآت الصغيرة والمتوسطة، إذ يدير الصندوق محفظة مالية كبيرة لمختلف الجهات الداعمة والممولة.
ونوه إلى خطورة فقدان ثقة المانحين في خطط الإصلاح المالي والإداري، وما يتبع ذلك من هروب للمستثمرين ورجال الأعمال المحليين، خاصة في مناطق سيطرة الحكومة، نظراً للأوضاع الأمنية الخطيرة وحالة الانفلات. وتوقع الخبير الاقتصادي أن يؤدي ذلك إلى ارتفاع أسعار الصرف وأسعار السلع الغذائية والمستوردة، نتيجة للتوترات في المنطقة وتبعاتها على ارتفاع تكاليف مخاطر التأمين والنقل.
وقد شهد اليمن نزيفاً متواصلاً ليس فقط لرؤوس الأموال، بل للممولين والجهات الداعمة طوال الأعوام الماضية، مثل مؤسسة (JICA) اليابانية، والوكالة الألمانية للتعاون الدولي (GIZ)، وبنك التنمية والإعمار الألماني (Kfw)، بسبب غياب الاستقرار. وقال أبو حليقة إن اليمن يصنف عالمياً ضمن الفئات عالية المخاطر، وهذه الحادثة بالذات تزيد من تشويه سمعة البلاد لدى المجتمع الدولي، لا سيما أن الصندوق يمثل محفظة تمويلية مهمة تحظى بثقة كبار المانحين.
من جانبه، يرى الخبير المصرفي والمالي علي التويتي، في حديثه لـ"العربي الجديد"، أن أخطر ما في هذا الحادث هو "اغتيال العقول والكفاءات"، واستهداف الاقتصاد والاستثمار، وترهيب الكوادر الأخرى لتجنب استلام أي مهام إدارية وتنموية. وأضاف أن "هذه الاغتيالات تُغيّب الناجحين عن إدارة البلاد ليحل محلهم الفاشلون، وما يحدث هو تدمير للبلاد لعقود قادمة؛ لأن الكفاءات التي تحتاجها البلاد إما لزمت بيوتها أو غادرت للخارج، ومن يغامر بمنصب لتحسين الوضع يُغتال". وحسب رؤية التويتي، فإن المعادلة واضحة: "إبعاد الكفاءات وإبدالهم بالفاشلين الذين يمكن تسييرهم".
وأشار في ختام حديثه إلى أن الموضوع يتجاوز اغتيال شخص؛ فعندما يُستهدف مسؤول بهذا المستوى، يؤدي ذلك إلى تفاقم الوضع الاقتصادي وتدهور الخدمات واتساع رقعة الفقر والبطالة، مما يدفع أصحاب رؤوس الأموال للفرار، وبذلك تخسر البلاد كل شيء.

أخبار ذات صلة.
وصول وزير الخارجية الإيراني إلى بكين
الشرق الأوسط
منذ 17 دقيقة
"جنوب أفريقيا أولاً" تستنسخ شعار ترامب
العربي الجديد
منذ 54 دقيقة
تحالف بينت لبيد: الدلالات والمعاني
العربي الجديد
منذ 54 دقيقة