عربي
لا يمكن فهم مسيرة المطرب الشعبي المصري محمد رشدي (1928- 2005) بعيداً عن طبيعة البقعة الجغرافية التي نشأ فيها وتكون فنياً بين أهلها. إنها مدينة دسوق في محافظة كفر الشيخ، التي تمثل مركزاً صوفياً كبيراً، وموطناً للقطب إبراهيم الدسوقي، صاحب المولد السنوي الكبير.
منحت دسوق رشدي إرثاً كبيراً وخبرة أدائية صقلت حنجرته قبل أن يتعامل معها الملحنون المحترفون في القاهرة. كانت آثار النشأة ظاهرة في صوت المطرب الصاعد، فاتسم غناؤه بروحانية الصوفي وبساطة الفلاح وشعبية رواد المولد، ليتحول كل ذلك إلى مفتاح سحري هو المصداقية لدى المستمع الذي رأى فيه ابناً شرعياً للأرض، وليس مجرد مطرب يمثل دور ابن البلد ليسوق لأغانيه.
امتلك رشدي وعياً مبكراً بخصوصية صوته، فلم يحاول تقليد عبد الوهاب في أرستقراطيته، ولا أم كلثوم في عظمتها. أدرك أن الأغنية الشعبية هي ديوان الغلابة والوسيلة الوحيدة لتوثيق مشاعر المهمشين، الذين لا تجد انكساراتهم مكاناً في الأغاني العاطفية المترفة أو القصائد الفصحى المتعالية.
وعلى يديه، انمحى الخط الفاصل بين الفن المركزي العام والفن الشعبي، بعد أن منح الأغنية الشعبية جواز المرور إلى طبقات المثقفين. كان يغني عن الجدعنة والخيانة والغربة داخل الوطن... وعن قسوة الأيام. وكان صوته بمثابة الملاذ السمعي للرجل البسيط الذي يجد في بحة رشدي صدى لتعبه اليومي، وللمرأة التي تجد في شجنه تعبيراً عن صبرها، ما جعل قاعدته الجماهيرية هي الأكثر إخلاصاً واتساعاً، لأنها جاءت تحت عنوان التوحد مع التجربة، ولم تقم على الإعجاب بشخص النجم.
في فترات الانكسار القومي أو الشخصي، لعب صوت رشدي دور الطبيب النفسي، وكانت أعماله تقدم وصفة للصبر والتحمل، فأغاني مثل "عدوية" أو مواويل أدهم الشرقاوي تكشف عن بطل شعبي لا يقهر رغم انكساره. غرس رشدي في وجدان المستمع أن "الصبر طيب"، وأن "الشدة بتزول"، وهي مفاهيم اجتماعية راسخة في الشخصية المصرية، جعلت من فنه جزءاً من الأمن النفسي للناس.
في منتصف الستينيات، صعد رشدي صعوداً سريعاً، وفرض نفسه على المشهد الغنائي، فأحدث حالة من الارتباك بين المتصدرين الغنائيين، وتحولت أغنيته التي تقدم الريف بمسحة حضرية إلى تيار جارف اكتسح الإذاعات والمقاهي والبيوت، ما أجبر كبار المطربين على إعادة النظر في مشاريعهم الغنائية لمواجهة زحف الأغنية الرشدية.
ظل العقدان الخامس والسادس من القرن العشرين محكومين بنوع من الرومانسية الحالمة والأداء الأرستقراطي، حتى جاء محمد رشدي ليقدم نمطاً غنائياً مدوياً سبَّب خلخلة السيطرة المطلقة لنمط العندليب العاطفي؛ فالجمهور الذي كان يغرق في قصص الحب المخملية، وجد نفسه فجأة أمام مرآة تعكس واقعه البسيط بجماليات موسيقية غير مسبوقة.
كان نجاح رشدي في تلك الفترة بمثابة استفتاء شعبي على رغبة الوجدان المصري في العودة إلى جذوره، ما وضع نجوم الصف الأول في مواجهة مباشرة مع ذائقة عامة بدأت تنحاز إلى لون قريب سهل معبر عن وجدان البسطاء.
كان رشدي هو الدافع الأساسي الذي جعل عبد الحليم يسعى إلى اقتناص روح الأغنية الشعبية، محاولاً اللحاق بالركب الذي قاده ابن مدينة دسوق ببراعة. أثمر هذا التنافس عن تحولات مهمة في شكل الأغنية المصرية؛ فذهاب عبد الحليم إلى غناء "سواح" و"على حسب وداد قلبي" و"التوبة" كان اعترافاً صريحاً بأن القوة الضاربة في الشارع أصبحت في يد صاحب "عدوية". قاد رشدي ثورة جمالية جعلت من الشعبي معياراً للنجاح، وفرضت على الملحنين الكبار تغيير بوصلتهم نحو أنغام وإيقاعات ونصوص ذات طابع شعبي يقارب أسلوبه.
أدت نجومية رشدي الكاسحة إلى إعادة توزيع القوى داخل كواليس صناعة الموسيقى؛ فقد تهافت الشعراء والملحنون على استنطاق مواهبهم من خلال حنجرته، ما خلق سوقاً فنية موازية تتمتع بقوة شرائية وتأثيرية تفوق أحياناً سوق الأغنية العاطفية التقليدية. نقل رشدي الأغنية الشعبية من خانة فنون المناسبات والموالد والأفراح، إلى خانة الاستمرارية والبقاء والاستماع اليومي، وأصبحت نجوميته هي المقياس الجديد لمن يريد الوصول إلى قلب الشارع المصري. لم يكن أحد يتصور أن شاعراً برومانسية حسين السيد يكتب: "كعب الغزال يا متحني بدم الغزال.. أنا شايف الأرض بتتمرجح تحت الخلخال.. ما تبطل تمشي بحنية ليقوم زلزال".
انتقلت مسيرة محمد رشدي إلى مرحلة المشروع الفني المتكامل، حين تلاقت إرادته في التطوير مع كلمات الشاعر عبد الرحمن الأبنودي ونغم الملحن بليغ حمدي. مثّل هذا التعاون خط إنتاج يخرج الأغنية الرشدية في ثوب من النضارة والأصالة والحيوية. وجد الأبنودي في حنجرة رشدي وأدائه خير وسيلة لعرض نصوصه وإيصالها إلى جماهير واسعة. كان رشدي يمنح الكلمة أبعاداً بصرية، محولاً المفردات البسيطة مثل "عدوية" و"عرباوي" إلى أيقونات حية تسير في الشوارع. ولحنياً، كانت مؤلّفات بليغ حمدي بمثابة المحرك الذي دفع صوت رشدي إلى اختراق آفاق جديدة، فتحولت الأغنية معه إلى حالة من الوجد الجماعي.
نجح رشدي في تقديم نمط من الأغنية الشعبية الملحمية، وهي الأغنية التي تمتد لعدة دقائق وتتضمن تحولات درامية وموسيقية كبرى، كما في "تحت الشجر يا وهيبة" التي لحنها عبد العظيم عبد الحق، أو "ميتى أشوفك" لبليغ حمدي، أو "قولوا لمأذون البلد" التي لحنها رشدي بنفسه.
تتجلى قيمة محمد رشدي في قدرته الفائقة على الحفاظ على مكانته الفنية، وأن يستمر باعتباره ظاهرة أساسية في الغناء المصري، رغم تعاقب الأجيال وتبدل الأذواق الموسيقية جذرياً. استطاع أن يتجاوز فخ الجمود في الماضي، محولاً تاريخه العريق إلى قاعدة انطلاق نحو تجارب معاصرة، ما جعله الفنان الوحيد من جيل الستينيات الذي ظل حاضراً ومؤثراً في سوق الكاسيت والأغنية الحديثة حتى سنوات حياته الأخيرة.
شهدت الساحة الغنائية في السبعينيات والثمانينيات ظهور أنماط موسيقية متمردة، بدءاً من ظاهرة أحمد عدوية وصولاً إلى جيل الأغنية الشبابية، إلا أن رشدي ظل متمسكاً بموقعه الفني مع إبداء مرونة مدهشة في التعاطي مع أدوات العصر. وكانت المرحلة بين أواخر التسعينيات وبداية الألفية الثالثة ذروة النضج الفني لرشدي، فعاد ليتصدر المشهد بأعمال تتسم برصانة تقنية وأدائية. وشكّل ألبوم "دامت لمين" إعلان رؤية فنية تلخص خبرة السنين في صوت ازداد عمقاً وشجناً.
خاطب رشدي في هذه المرحلة وجدان جمهور متنوع، جامعاً بين كبار السن الذين عاصروا أمجاده، وبين الشباب الذين وجدوا في صوته الأصالة المفقودة في الأغاني الإلكترونية السريعة. توج محمد رشدي رحلته بنوع من التصالح النفسي والفني، فاختار أعمالاً تعكس الحكمة والزهد والتأمل في تصاريف القدر. عكس أداؤه في سنواته الأخيرة حالة من السطوة الروحية على المستمع، إذ صار صوته يحمل أصداء التاريخ المصري بكل انكساراته وانتصاراته.
ساهم النجاح الذي حققه محمد رشدي في تأصيل مفهوم الحداثة الشعبية
تجاوز التأثير الذي أحدثه محمد رشدي مجرد الهيمنة على ذائقة الاستماع، وصولاً إلى إعادة صياغة الهوية البصرية والوجدانية للإنسان المصري في المجال العام. ساهم النجاح الذي حققه رشدي في تأصيل مفهوم الحداثة الشعبية، إذ استوعبت الأغنية في هذه المرحلة تفاصيل الحياة اليومية للقرية المصرية، بأسلوب سينمائي يمنح المستمع قدرة على تخيل الشخوص والأماكن. تحولت الأغنية الشعبية على يد رشدي من مجرد تعبير عفوي عن الأفراح أو الأتراح إلى وثيقة اجتماعية ترصد التحولات الكبرى في الشخصية المصرية، ومثل صوته جسراً عبر من خلاله قيم الريف إلى قلب المدينة الصاخب.
ذروة رشدي الفنية لا تتمثل في عمل أو عملين، وإنما تظهر بجلاء في قدرته على فك شيفرة الزمن الغنائي، فلم يقع يوماً في فخ الجمود أو الاجترار، وإنما استطاع تطويع خبراته الأدائية لخدمة قوالب موسيقية حديثة، من دون أن يفقد صوته هويته النابعة من الموالد الشعبية. لم يكن ظهوره في سنواته الأخيرة بالتعاون مع موزعين وملحنين من جيل الشباب إلا رغبة في إثبات أن الحنجرة الشعبية الصادقة تظل صالحة لكل العصور، وتستوعب كل الأنماط التوزيعية المعاصرة.
اتسمت هذه المرحلة بتقديم الخلاصة الإنسانية؛ فصوت رشدي الذي غنى للحب والمقاومة في شبابه، صار في ختام رحلته يحمل نبرة الحكيم الشعبي الذي ينظر إلى الدنيا بعين الخبرة والرضا.
هذا النضج منح مسيرته صفة الديمومة، وجعل من مدرسته مرجعاً أساسياً لكل مطرب يبحث عن الشرعية الجماهيرية، إذ أثبت رشدي عملياً أن الفن الذي يستمد جذوره من روح الجماعة الوطنية يمتلك حصانة طبيعية ضد الاندثار، ويظل قادراً على المنافسة في سوق تتبدل معطياتها التقنية كل يوم.

أخبار ذات صلة.
مسلسل "العقيلات"... تعثر منذ البداية
العربي الجديد
منذ 19 دقيقة
بورتو بطلاً للدوري البرتغالي
الشرق الأوسط
منذ 36 دقيقة