عربي
تواجه مؤسسات المجتمع المدني في الأردن ضغوطاً متزايدة ناتجة عن تراجع الدعم الخارجي، وتحوّل اهتمام المانحين نحو ملفات أمنية وإنسانية طارئة، في ظل تحولات سياسية دولية متسارعة تشمل إعادة ترتيب أولويات التمويل العالمي. ولا تعكس هذه المتغيرات أزمة تمويل فقط، بل تمتد لتكشف عن أبعاد أكثر عمقاً تعيد رسم دور المجتمع المدني وحدود تأثيره.
وقال منسق هيئة تنسيق مؤسسات المجتمع المدني "همم"، أحمد عوض، لـ"العربي الجديد" إن المنظمات الأردنية تواجه تحديات كبيرة، في مقدمتها صعوبة الوصول إلى الموارد والتمويل، مشيراً إلى أن "القطاع يعتمد أساساً على التبرعات والمنح الدولية، وخلال العام ونصف العام الماضيين شهدنا تراجعاً حاداً في التمويل متعدد المصادر، من بين أبرز أسبابه انخفاض التمويل المخصص للاجئين في الأردن، ما حدّ من قدرة منظمات المجتمع المدني على تقديم خدماتها للاجئين والمجتمعات المحلية".
وأوضح عوض أن "الإدارة الأميركية أوقفت العديد من أشكال الدعم المباشر لمنظمات المجتمع المدني، بما في ذلك الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، وساهم ذلك في تقليص فرص الوصول إلى الموارد، سواء بشكل مباشر أو عبر المانحين الذين يعتمدون على التمويل الأميركي، كما أن الدول الأوروبية أعادت ترتيب أولوياتها، متجهة نحو زيادة الإنفاق الدفاعي على حساب موازنات التنمية والمساعدات الإنسانية. هذه التحولات تعكس بوضوح تغيراً في الأجندة السياسية الدولية، حيث يتراجع الاهتمام بملفات حقوق الإنسان والتنمية لصالح اعتبارات الأمن والجيوسياسة، ما يضعف فعالية أدوار المجتمع المدني على مختلف المستويات".
ويضيف: "القدرة على تعويض تراجع التمويل الدولي عبر مصادر محلية لا تزال محدودة، في ظل توجيه معظم الموارد نحو المساعدات الإنسانية والإغاثية، ما أدى إلى تراجع تمويل قضايا حقوق الإنسان والعدالة والمناخ، وطاولت تداعيات هذا الأمر الفئات المستفيدة من خدمات المجتمع المدني، بما في ذلك الأطفال والنساء وذوو الإعاقة والعمال، كما أثرت في قدرة الحكومة الأردنية على تقديم خدماتها لهم، خصوصاً للاجئين السوريين، وفي الوقت ذاته، اضطرت منظمات عديدة إلى تقليص عدد كوادرها، ليفقد عشرات الآلاف وظائفهم نتيجة تراجع التمويل".
ويلفت عوض إلى أن "المشهد الحالي لا يحمل أية مؤشرات قريبة على التعافي، في ظل استمرار الاتجاه العالمي نحو تقليص التمويل التنموي والحقوقي، ونرجح استمرار هذا الواقع إلى حين تغيّر سياسات الدول الكبرى. صناديق التمويل الدولية باتت أقل قدرة على دعم برامج المجتمع المدني، مع توجيه الموارد نحو دعم الحكومات، وخصوصاً مشاريع التعليم والصحة، ما يعكس تحوّلاً في أدوات النفوذ الدولي".
بدورها، تقول المديرة التنفيذية لمنظمة النهضة العربية للديمقراطية والتنمية "أرض"، المحامية سمر محارب، لـ"العربي الجديد"، إن "مؤسسات المجتمع المدني تعاني من تراجع التمويل عالمياً، وبشكل ملحوظ في الأردن، نتيجة احتدام المنافسة بين الأزمات الإقليمية على موارد الدعم الدولي. دول ومناطق مثل لبنان وسورية والعراق وقطاع غزة باتت تستقطب حصة أكبر من التمويل، خاصة مع تراجع أعداد اللاجئين في الأردن".
وتضيف محارب: "طبيعة التمويل تتغير في أوقات الأزمات، وتتجه الأولوية نحو الدعم الإنساني الطارئ على حساب البرامج التنموية طويلة الأمد، وعلى منظمات المجتمع المدني أن تتكيف مع هذه التحولات، وأن تبدي الحكومات مرونة أكبر في تسهيل وصول المنظمات إلى التمويل. تراجع الدعم الأميركي كان عاملاً مهماً، لكنه ليس الوحيد، إذ فاقمت تداعيات جائحة كورونا الضغوط على الدول المانحة، إلى جانب تراجع زخم أزمة اللجوء عالمياً في ظل تعدد الأزمات وتسارعها. التطورات السياسية في المنطقة، بما في ذلك التغيرات المرتبطة بالأزمة السورية، أثرت في أولويات التمويل، إضافة إلى تداعيات الحرب في غزة، التي عزّزت حذر المانحين تجاه توجيه الأموال إلى المناطق التي تشهد توترات سياسية".
وتتابع: "انعكس هذا الحذر في تشديد الإجراءات البنكية، وارتفاع متطلبات الامتثال، خاصة للمؤسسات العاملة في قضايا حساسة، مثل القضية الفلسطينية، ما صعّب الوصول إلى التمويل. وزادت التوترات الجيوسياسية وارتفاع كلف الطاقة وسلاسل الإمداد أيضاً من أعباء الدول المانحة، التي باتت تركز على أولوياتها الداخلية، بما في ذلك تعزيز الإنفاق الدفاعي على حساب المساعدات الخارجية".
وتؤكد محارب أن "العديد من مؤسسات المجتمع المدني الأردنية لم تعد قادرة على مواصلة العمل بالوتيرة السابقة، ولجأت إلى تقليص أنشطتها أو إغلاق بعض مشاريعها، فيما تعمل مؤسسات أخرى على إعادة هيكلة استراتيجياتها لضمان البقاء، لذا ينبغي دعم القطاع نظراً لدوره الحيوي في الوصول إلى الفئات الأكثر هشاشة وتعزيز المشاركة المجتمعية، وتراجعه ستكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية واسعة تمتد إلى قطاعات مثل التعليم والخدمات. لا يمكن أيضاً تجاهل أن العمل في مؤسسات المجتمع المدني لم يعد يوفر استقراراً وظيفياً، كما في السابق، في ظل تقلبات التمويل، ما يستدعي البحث عن نماذج أكثر استدامة، وتقليل الاعتماد على التمويل الخارجي".

أخبار ذات صلة.
موت سقراط ونجاة أرسطو
العربي الجديد
منذ 5 دقائق