ملك بريطانيا... التاريخ وأوسكار وايلد وديكنز
عربي
منذ يوم
مشاركة
لم يكن ملك بريطانيا، تشارلز الثالث، يمزح عندما افتتح خطبته أمام الكونغرس في واشنطن، بعبارة المسرحي والشاعر البريطاني (الإيرلندي)، أوسكار وايلد (1900)، "لقد أصبح لدينا اليوم كل شيء مشترك مع أميركا... باستثناء اللغة". ومُراده هنا أن يؤكّد المشتركات والعلاقات الوثيقة بين البلدين، وأطنب في هذا، غير أنه أراد، في الوقت نفسه، أن يبلغ مستمعيه، في "القلعة الديمقراطية التي أُنشئت لتجسيد صوت الشعب الأميركي كله"، أن اللغة الواحدة التي يتحدّث بها الإنكليز والأميركان (الإنكليزية) ليست مفردات معجم مشترك، إنما لغةٌ لها مزاجان، وإيقاعان للحياة. واللغة، في العموم، تعبيراتٌ شعورية، ومحتوى ثقافي، قبل أن تكون منطوقاً لسانياً. وقد ظلّ الملك في زيارته الولايات المتحدة حريصاً على تأكيد خصوصيات العلاقة الفريدة بين بلده وبلد مضيفيه، وعلى تمتينها أكثر، إلا أنه، في كلمتيه في الكونغرس وحفل العشاء في البيت الأبيض، بدا شديد الحرص على تعيين مسافات التباعد الثقافية والتاريخية والحضارية، وإنْ، أحياناً، في طرائف بدت كأنها ركلاتُ تسديدٍ موحية، تضجّ بما هو عميقٌ وجوهري. المعنى أن ملك بريطانيا، وهو هنا مثقفٌ ولغته عالية، معنيٌّ بقيمة بلده ومكانته، في الراهن وفي التاريخ. فليس تفصيلاً أن يأتي في كلمته في العشاء على ما كان ترامب خاطّب به الأوروبيين، في منتدى دافوس في يناير/ كانون الثاني الماضي، أنهم لولا مساعدة الولايات المتحدة في الحرب العالمية الثانية لكانوا يتحدّثون الألمانية وبعض اليابانية. في استعراضيةٍ فوقيةٍ ظاهرة. جاء مثيراً، بل وباعثاً على الإعجاب ربما، أن يردّ الملك على تلك اللكمة بلكمةٍ مؤجّلة، وفي البيت الأبيض، لما عقّب بـ"أنكم لولانا لكنتم تتحدّثون الفرنسية". فتأخُذنا هذه العبارة إلى حرب السنوات السبع، في أواسط القرن الثامن عشر، لمّا خاضت الإمبراطورية البريطانية إبّان استعمارها الولايات المتحدة صراعاً مع الفرنسيين الذين كانوا يحاولون السيطرة على ولايات أميركية شمالية. وكأن ملك بريطانيا يخبر رئيس الولايات المتحدة إنه ليس من مصلحتك أن تعاير الأوروبيين فتغادر إلى التاريخ، فهذا ليس ملعبك، فالمملكة المتحدة هي الأساس في منبت الدولة الأميركية. يؤكّد هذا أن الضيف الكبير، في كلمته في الكونغرس، وقد صفّق المشرّعون وقاموا له 12 مرّة، وهم ينصتون إليه، بدا مرتاحاً في ملعب التاريخ، وهو يُخبر هؤلاء إن عمر الولايات المتحدة 250 عاما، فيما هذه السنوات في تاريخ البريطانيين "الطويل" كأنها يوم واحد. وهنا، يُحال إلى لغتين (مزاجين)، ففي الولايات المتحدة، فعلا، قليلٌ من التاريخ وكثيرٌ من الجغرافيا، بحسب عبارةٍ لا أتذكّر صاحبها. والساسة الأميركان مشهورون بقلة اكتراثهم بالتاريخ ومفاعيله، ولا يقيمون له أي اعتبار في مقارباتهم، والتي غالباً مرتجلة وظرفية، أي أزماتٍ أو نزاعات. وكان كيسنجر، وهو في الأصل أستاذ جامعي في التاريخ، يطلب من محدّثيه العرب أن لا يُحيلوه إلى أي شيءٍ من التاريخ، لكن حافظ الأسد أرهقه، في جلسةٍ زادت عن أربع ساعات، في تعريفه بتاريخ سورية وقديم الصراعات على أراضيها، قبل أن يسأله وزير الخارجية الأميركي الشهير في آخر الدقائق ما إذا كان سيوفد من يمثله إلى مؤتمر جنيف (1974)، فيُجيب الأسد بالنفي. وقد أثقل الملك أعضاء الكونغرس ببعض من تاريخ بلاده ليصل إلى شراكاتها، في غير حربٍ وموقعة، مع الأميركان. وانتقى في هذا ما شاء أن ينتقيه، فكان ذا سمْتٍ استعماريٍّ أحياناً. ثمّة في كلمتي الملك علوّ الثقافة، والتناوب بين الحاضر والتاريخ، والإحالات ذات الفكاهة العميقة المغزى، بالمقارنة مع ركاكات ترامب وآخرين وبؤس ثرثراتهم. قال إنه يزور واشنطن أول مرّة ملكاً ورئيساً للكومنولث. ورآها مدينةً ترمز إلى فصل من "تاريخ مشترك". وأشعل مخيّلته لمّا افترض أن تشارلز ديكنز (من أهم الروائيين الإنكليز) قد يسمّيه "حكاية جورجيْن": الرئيس الأول جورج واشنطن، وجدّي الخامس الملك جورج الثالث الذي لم تطأ قدَمه أميركا قط. ... قال: "أطمئنكم أنني لستُ هنا ضمن محاولة التفاف متأخّرة لاستعادتها". والقول هنا إن الملك يلاعب التاريخ، في زمن إمبراطورية أميركية فادحة، يستعين زائرُها ملكُ إمبراطورية آفلة بديكنز وأوسكار وايلد عساهما يُسعفانه في مناوشةٍ خاسرةٍ من قبلُ ومن بعد.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية