عربي
يضع تعليق نشاط الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان شهراً تونس أمام حدث لا يختصر في نزاع إداري أو إجراء قضائي محدود، لأنّ الرابطة ليست جمعيةً طارئةً في هامش الحياة العامة، بل واحدة من أقدم المنظّمات الحقوقية في أفريقيا والعالم العربي، وعضو في "الرباعي الراعي للحوار الوطني" الذي نال جائزة نوبل للسلام سنة 2015. لذلك يحمل القرار معنى سياسياً يتجاوز مدّته القصيرة، لأنّه يمسّ مؤسّسةً ارتبط اسمها بتاريخ طويل من الرقابة المدنية على السلطة، ومن تحويل الانتهاكات الفردية إلى قضية عامة. وتشتغل السلطة في هذا الملفّ بمنطق يتكرّر في أكثر من ساحة. لا تعلن قطيعةً شاملةً مع المجتمع المدني، لكنّها تضيّق شروط حركته، وتدفعه إلى الدفاع عن وجوده بدل أن يواصل أداء وظيفته الرقابية. هذا هو المعنى الأعمق للقرار، وهو تحويل المنظّمة من فاعل يراقب وينتقد ويوثّق، إلى جسم منشغل بشرعية نشاطه ومقرّه وإجراءاته. وحين يحدث ذلك، لا تحتاج السلطة إلى إلغاء الصوت بالكامل، بل يكفي أن تُستهلك طاقته في الدفاع عن نفسه.
تاريخ الرابطة يزيد القرار حساسيّةً. أُسّست المنظمة سنة 1977 في سياق سياسي مغلق، واستطاعت رغم التضييقات أن تجمع تيّارات مختلفة حول ملفّ الحقوق والحرّيات. في عهد بن علي، شكّلت الرابطة إحدى المساحات القليلة التي بقيت قادرةً على توثيق الانتهاكات ومرافقة عائلات السجناء السياسيين وفتح نافذة على الخارج. لم تكن الرابطة قوّة قادرةً على تغيير النظام، لكنّها كانت تملك قدرةً أخلاقيةً على فضح كلفة الاستبداد.
بعد الثورة، تحوّل هذا الرصيد إلى وظيفة سياسية أوسع، فشاركت الرابطة ضمن الرباعي الراعي للحوار الوطني في إدارة أزمة 2013، وساهمت في إنتاج تسوية سياسية جنّبت البلاد انزلاقات خطيرة، وهو الدور الذي قاد إلى "نوبل" (2015). بهذا المعنى، لا تمثّل الرابطة ذاكرةً معارِضةً الاستبداد فقط، بل تمثّل أيضاً ذاكرة قدرة المجتمع المدني على ملء فراغ السياسة حين تعجز الأحزاب عن إنتاج حلول. لكنّ هذه المكانة التاريخية لا تعفي الرابطة من نقد أدائها. فقد عرفت في السنوات الماضية تراجعاً في وضوح خطابها وقدرتها على الإمساك بموقع مرجعي، وبدت مواقف بعض قياداتها في بدايات مسار 25 يوليو (2021) متردّدةً أو غير حاسمة، وهو ما أضعف صورتها لدى جزء من الرأي العام الحقوقي والسياسي. غير أنّ هذا الضعف الداخلي لا يفسّر القرار الحالي ولا يبرّره، بل يشرح فقط لماذا تجد منظّمة بهذا الرصيد نفسها اليوم أقلّ قدرةً على تحويل استهدافها إلى قضية وطنية جامعة.
لا تعيش تونس اليوم مجرّد خلاف بين السلطة ومنظّمة حقوقية، بقدر ما تعيش إعادة صياغة لمكان المجتمع المدني داخل الدولة
تأتي خطورة القرار من سياقه لا من نصّه وحده. خلال الأشهر الماضية، طاولت إجراءات تعليقٍ أو ملاحقةٍ منظّمات بارزة، بينها المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وجمعية النساء الديمقراطيات، ومنظّمة مناهضة العنصرية (منامتي)، كما تحدّثت "رويترز" عن وجود ما لا يقلّ عن 12 ناشطاً بارزاً من المجتمع المدني في السجن على خلفيات مرتبطة بعملهم، مع شكاوى من تجميد حسابات ومداهمات واتهامات بالتمويل الأجنبي.
تربط هذه الوقائع بين ملفّات تبدو متفرّقة: الهجرة، الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، قضايا النساء، مناهضة العنصرية، حرّية التعبير، ومراقبة أوضاع السجون. ففي 2025، وصفت تقارير دولية وضع المجتمع المدني التونسي بأنّه صراع من أجل البقاء، بينما تحدّثت منظّمات حقوقية عن مداهمات وتجميد حسابات واتهامات متكرّرة بخدمة أجندات أجنبية. هذا التحوّل يبدّل طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني. كانت السلطة في السابق تواجه المجتمع المدني حين ينتقدها، أمّا اليوم فهي تضيّق عليه قبل أن ينتج أثره. تُحاصَر الجمعيات في التمويل، وتُدفع إلى المحاكم، وتُلاحَق في ملفّات إجرائية، وتُتهم في ولائها، فتتقلّص قدرتها على العمل العام. هنا لا يصبح الاستهداف موجّهاً إلى رأي محدّد فقط، بل إلى البنية التي تسمح بإنتاج الرأي المستقلّ.
يظهر المسار نفسه في ملفّ حرّية التعبير. فقد أُوقِف الصحافي زياد الهاني (24 إبريل/ نيسان الماضي) بعد مقال انتقد فيه القضاء، وفق محاميه، بينما ربطت نقابة الصحافيين ذلك باتساع الضغط على حرّية التعبير. وتأتي هذه الواقعة بعد سنوات من تفكيك ضمانات قضائية وسياسية، منها حلّ البرلمان، والحكم بالمراسيم، وحلّ المجلس الأعلى للقضاء، وإعفاء قضاة سنة 2022، وهي خطوات أضعفت استقلال القضاء ووسّعت سيطرة السلطة على المجال العام.
لم تكن الرابطة في أفضل لحظاتها حين جاء القرار. فقد تراجع إشعاعها، وارتبك خطابها أحياناً، وتآكل جزء من قدرتها على تمثيل إجماع حقوقي واسع
تقدّم تقارير حقوقية دولية الصورة نفسها من زاوية أشمل. "هيومن رايتس ووتش" أشارت في تقريرها العالمي لعام 2026 إلى أحكام ثقيلة في قضية "التآمر"، طاولت 37 شخصاً، بينهم محامون ومعارضون ونشطاء وباحثون ورجال أعمال، بينما قالت منظّمة العفو الدولية إنّ السلطات صعّدت خلال 2025 حملتها ضدّ حرية التعبير والتجمّع السلمي وأشكال المعارضة كافّة، واستهدفت منظّمات حقوقية بالتحقيقات وتجميد الأصول وملاحقة العاملين فيها. في هذا المناخ، يصبح قرار تعليق نشاط الرابطة أقرب إلى رسالة سياسية منه إلى إجراء معزول. الرسالة تقول إنّه حتى المؤسّسات ذات الرمزية التاريخية، حتى المنظّمات التي صمدت في الاستبداد وشاركت في إنقاذ الانتقال، يمكن أن تُدفع إلى الهامش إذا خرجت عن الحدود الجديدة للمجال العام. وهذا بالضبط ما يجعل القرار خطيراً، ليس لأنّه يوقف نشاط منظّمة شهراً فقط، بل لأنّه يختبر قابلية المجتمع لقبول تراجع آخر في موقع الوسائط المدنية.
المفارقة أن الرابطة لم تكن في أفضل لحظاتها حين جاء القرار. فقد تراجع إشعاعها، وارتبك خطابها أحياناً، وتآكل جزء من قدرتها على تمثيل إجماع حقوقي واسع. لكنّ استهداف المنظّمات في لحظات ضعفها لا يقلّ خطورةً عن استهدافها في لحظات قوّتها، لأنّ السلطة حين تضيّق المجال لا تحتاج دائماً إلى مواجهة مؤسّسات صلبة، بل يكفي أن تستثمر تشتّتها وتراجع قدرتها على التعبئة حتى تمرّر واقعاً جديداً.
تونس التي صُنعت صورتها بعد الثورة على قوّة المجتمع المدني، تجد نفسها اليوم أمام سلطة تعيد تعريف هذا المجتمع بوصفه مجالاً ينبغي ضبطه
لا تعيش تونس اليوم مجرّد خلاف بين السلطة ومنظّمة حقوقية، بقدر ما تعيش إعادة صياغة لمكان المجتمع المدني داخل الدولة. فالمجتمع المدني الذي كان جزءاً من صورة تونس بعد 2011، وجزءاً من شرعيتها الخارجية، وجزءاً من توازناتها الداخلية، يُعاد دفعه إلى موقع دفاعي. لم يعد السؤال كيف يراقب السلطة، بل كيف يحافظ على حقّه في الوجود والحركة.
هنا تحديداً تكمن دلالة الرابطة. فهي ليست ملفّاً قانونياً فقط، بل مرآة لما تبقّى من المجال العام التونسي. حين تُعلّق منظّمة بهذا التاريخ، ويُلاحق صحافيون ونشطاء، وتُجمّد حسابات جمعيات، وتُستعمل تهم التمويل الأجنبي أو الأمن أو الإجراءات لتطويق العمل المدني، فإنّ الدولة لا تعالج خللاً إداريًا فقط، بل تعيد ترتيب العلاقة مع كلّ ما يقع خارجها. المشكلة الأعمق أنّ إضعاف الوسائط لا يصنع دولةً أقوى بالضرورة. قد يمنح السلطة قدرةً أكبر على التحكّم، لكنّه يترك المجتمع بلا قنوات تصريف، وبلا أجسام قادرة على تحويل التوتّر إلى نقاش أو تفاوض أو ضغط منظّم. وحين تختفي هذه القنوات، لا تختفي الأزمات، بل تفقد لغتها المنظّمة.
لذلك لا تُقاس قضية الرابطة بمدّة التعليق، بل بما تكشفه عن اتجاه المرحلة. تونس التي صُنعت صورتها بعد الثورة على قوّة المجتمع المدني، تجد نفسها اليوم أمام سلطة تعيد تعريف هذا المجتمع بوصفه مجالاً ينبغي ضبطه لا شريكاً ينبغي الإصغاء إليه. وفي هذا التحوّل لا تخسر الرابطة وحدها، بل تخسر الدولة جزءاً من قدرتها على إدارة خلافاتها من دون تحويلها إلى قضايا ومحاكم وتعليقات وإجراءات.
