عربي
يتصاعد الجدل السياسي في إسبانيا حول ما بات يُعرف بـ"الأولوية الوطنية"، في واحدة من أكثر القضايا حساسية في المشهد العام، بعدما تحوّلت من مجرد شعار يرفعه "فوكس"، حزب اليمين المتطرف، إلى محور صراع مفتوح بين الحكومة والمعارضة، مع اقتراب استحقاقات انتخابية حاسمة. وجاءت الشرارة الأولى من داخل برلمان مدريد في 19 فبراير/شباط الماضي، حين عمدت المتحدثة باسم "فوكس" إيزابيل بيريث مونينيو، إلى قراءة أسماء قالت إنها تعود لمستفيدين من السكن الاجتماعي، في محاولة لإثبات أن "الإسبان" يتعرضون للتمييز لمصلحة "الأجانب". غير أن التدقيق في هذه الواقعة سرعان ما كشف اختلالات جوهرية في الرواية، إذ تبيّن أن القائمة التي استندت إليها لم تكن لائحة المستفيدين، بل مجرد قائمة أولية لمرشحين، وأن كُثراً ممن ذُكرت أسماؤهم لم تُقبل طلباتهم أصلاً.
ولم يتوقف الجدل عند هذا الحد، إذ بدا واضحاً أن الاستنتاج بكون هؤلاء "أجانب" استند فقط إلى أسمائهم، من دون أي معايير قانونية أو إدارية، رغم أن شروط الحصول على السكن العمومي في إسبانيا تفرض الإقامة لسنوات طويلة، ما ينفي عملياً فكرة "الوافدين الجدد" التي يروّج لها الخطاب السياسي لليمين المتطرف.
خطاب "فوكس" قائم على فرضية أن المواطنين الإسبان أصبحوا "مهمّشين" داخل بلدهم، في ما يتعلق بالحصول على المساعدات الاجتماعية والخدمات العامة
خطاب سياسي مقابل أرقام رسمية
أعاد هذا الجدل إلى الواجهة جوهر خطاب حزب فوكس اليميني المتطرف بقيادة سانتياغو أباسكال، القائم على فرضية أن المواطنين الإسبان أصبحوا "مهمّشين" داخل بلدهم في ما يتعلق بالحصول على المساعدات الاجتماعية والخدمات العامة. ونجح الحزب، خلال مفاوضات تشكيل الحكومات الإقليمية في الأسبوع الماضي، في فرض هذه الرؤية شرطاً سياسياً ضمن اتفاقاته مع الحزب الشعبي في أقاليم مثل إكستريمادورا وأراغون والتي تم توقيعها في 16 إبريل/نيسان الماضي، مقابل دعمه تشكيل الحكومات، تحت مسمى "الأولوية الوطنية".
مع ذلك ترسم المعطيات الرسمية صورة مختلفة. فبرنامج "الدخل الأدنى الحيوي"، وهو أكبر أداة للدعم الاجتماعي في البلاد، أظهر ضمن تقريره الذي نشر الاثنين الماضي، أن 82.5% من المستفيدين هم من الإسبان، مقابل 17.5% فقط من الأجانب، وهي نسبة قريبة من تمثيلهم الديمغرافي. بل إن الفئات الأكثر استفادة من هذه الإعانة هي النساء، ما يعكس طبيعة الهشاشة الاجتماعية أكثر مما يعكس تمييزاً قائماً على الجنسية. أما في قطاع الصحة، الذي يُعد أحد أبرز محاور الخطاب الشعبوي، فتشير الدراسات إلى أن المهاجرين يستخدمون الخدمات الصحية أقل من المواطنين الإسبان، سواء في زيارات الأطباء أو الاستشفاء أو حتى برامج الوقاية، ما ينقض الرواية القائلة إن الهجرة مسؤولة عن ضغط النظام الصحي.
سانشيز يحوّل الجدل إلى معركة سياسية في إسبانيا
في مواجهة هذا التصعيد، سارع رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز، إلى تبنّي موقف هجومي أكثر حدّة، واصفاً مبدأ "الأولوية الوطنية" بأنه "تراجع غير مسبوق" وتهديد مباشر لأسس المساواة التي يقوم عليها النظام الديمقراطي. وجاءت هذه التصريحات يوم الجمعة 25 إبريل الماضي، على هامش مشاركته في قمة أوروبية في نيقوسيا. ويرى سانشيز أن هذه الطروحات تمثل انزلاقاً خطيراً نحو سياسات إقصائية تعيد تعريف الحقوق على أساس الأصل والهوية، في تعارض صريح مع المبادئ الدستورية. ويأتي هذا التصعيد في سياق انتخابي حساس، مع اقتراب موعد الانتخابات الإقليمية في أندلوسيا في 17 مايو/أيار الحالي، ويسعى الحزب الاشتراكي إلى تحويل الجدل حول الهجرة والحقوق الاجتماعية إلى محور رئيسي في الحملة. ويقدّم سانشيز هذا السجال بوصفه مواجهة مفتوحة بين مشروعين متناقضين: مشروع تقدمي يدافع عن توسيع الحقوق وتعزيز الاندماج، وآخر محافظ ـ متطرف يقوده تحالف الحزب الشعبي مع "فوكس"، يقوم على تقليص هذه الحقوق وربطها بمعايير الهوية والانتماء.
تبنّى سانشيز موقفاً هجومياً، واصفاً مبدأ "الأولوية الوطنية" بأنه تراجع غير مسبوق وتهديد مباشر لأسس المساواة التي يقوم عليها النظام الديمقراطي
وفي هذا الإطار، يحاول سانشيز إحراج الحزب الشعبي انتخابياً، متهماً إياه بالخضوع لإملاءات "فوكس" الراديكالي مقابل الحفاظ على السلطة في بعض الأقاليم، وهو ما يطرح، وفق الخطاب الحكومي، تساؤلات حول إمكانية تكرار هذا النموذج في أندلوسيا. وقد أدى هذا الضغط إلى بروز تباينات داخل صفوف الحزب الشعبي، حيث سارع بعض قادته الإقليميين إلى النأي بأنفسهم عن مفهوم "الأولوية الوطنية"، إدراكاً لحساسيته في منطقة مثل الأندلس، التي تتميز بتنوعها الاجتماعي والثقافي وحضور شريحة مهمة من السكان ذوي الأصول المهاجرة. وبذلك، تتحوّل انتخابات الأندلس إلى اختبار سياسي يتجاوز بعدها المحلي، لتصبح بمثابة استفتاء غير مباشر على اتجاهات الخطاب السياسي في إسبانيا: بين من يدفع نحو تشديد الهويات والانغلاق، ومن يسعى إلى ترسيخ نموذج أكثر انفتاحاً وشمولاً في مواجهة صعود اليمين المتطرف.
انقسام في اليمين وتعبئة في اليسار
ولم يقتصر الجدل على الحكومة والمعارضة، بل امتد إلى داخل اليمين نفسه. ففي حين يمضي حزب فوكس في التصعيد، ملوّحاً بتعميم "الأولوية الوطنية" على مستوى إسبانيا، يبدي الحزب الشعبي تردداً واضحاً، مدفوعاً بمخاوف انتخابية، خصوصاً في مناطق تضم نسباً مرتفعة من السكان من أصول مهاجرة. وعبّر رئيس حكومة أندلوسيا، خوان مورينو، علناً عن هذا التحفّظ في تصريحات أدلى بها قبل أيام، رافضاً استنساخ نماذج التحالف مع "فوكس" كما حدث في إكستريمادورا وأراغون، ومؤكداً أن الأندلس لها خصوصيتها الاجتماعية ولا يمكن تبني سياسات تقوم على التمييز. في المقابل، نجح هذا الجدل في إعادة توحيد صفوف اليسار، الذي يرى فيه فرصة لإعادة تعبئة قاعدته، عبر التحذير من مخاطر صعود اليمين المتطرف. وذهب بعض قادة اليسار إلى تشبيه هذه الطروحات بسياسات الفصل العنصري، معتبرين أنها تمثل تهديداً مباشراً للنسيج الاجتماعي.
وبعيداً عن السجال السياسي، تبرز مفارقة لافتة: ففي وقت يتصاعد الخطاب المعادي للهجرة، تعتمد قطاعات اقتصادية واسعة في إسبانيا على العمالة المهاجرة، في ظل شيخوخة سكانية متسارعة ونقص في اليد العاملة. ويرى خبراء أن الهجرة تمثل عاملاً أساسياً في دعم النمو الاقتصادي، خصوصاً في قطاعات مثل البناء والرعاية الصحية، ما يجعل الخطاب القائم على الإقصاء في تناقض مباشر مع احتياجات السوق. وفي ظل هذا الاستقطاب الحاد، تبدو إسبانيا أمام مفترق طرق سياسي واجتماعي: بين نموذج يسعى إلى الانغلاق وإعادة ترتيب الحقوق على أساس الهوية، وآخر يراهن على الإدماج والتعددية كرافعة للمستقبل. وبين هذين الخيارين، ستحدد صناديق الاقتراع اتجاه البلاد في السنوات المقبلة.

أخبار ذات صلة.
شاحنة تعدين صينية عملاقة ذاتية القيادة
الشرق الأوسط
منذ 25 دقيقة
ماذا يحدث لكليتيك عند شرب القهوة كل صباح؟
الشرق الأوسط
منذ 34 دقيقة