عربي
لا تتوقف مظاهر الحروب عند حدود الخسائر البشرية والدمار المادي، بل تكشف أيضاً عن اقتصاد موازٍ يتغذى على الفوضى ويزدهر في قلب الأزمات. والحرب على إيران ليست استثناءً؛ إذ فتحت الباب أمام موجة أرباح واسعة لشركات الطاقة والسلاح، في وقت تتزايد فيه الضغوط المعيشية عالمياً.
يشكّل قطاع الطاقة المدخل الأول لهذا الاقتصاد الحربي. فقد قفزت أسعار النفط والغاز إلى حدود تجاوزت أمس 120 دولاراً للبرميل مقابل أقل من 70 دولاراً قبل اندلاع الحرب، ما انعكس مباشرة على أداء شركات كبرى مثل إكسون موبيل وشل وشيفرون وتوتال إنيرجيز وإكوينور، التي سجلت ارتفاعات ملحوظة في أسهمها مدفوعة بتوقعات أرباح استثنائية بحسب موقع إنفستينغ. بيانات منظمة "غرينبيس" أظهرت أن أكبر خمس شركات في بحر الشمال حققت مكاسب رأسمالية بنحو 73.5 مليار جنيه إسترليني خلال الشهر الأول من الحرب.
كما انعكست الطفرة على ثروات الرؤساء التنفيذيين للشركات. وبحسب تحليل أجراه تحالف القضاء على فقر الطاقة، حقق الرئيس التنفيذي لشيفرون، ميكائيل ويرث، مكاسب إضافية تُقدّر بـ44 مليون جنيه إسترليني خلال الشهر الأول من الحرب، فيما جنى رئيس إكسون موبيل، دارين وودس، نحو 5 ملايين جنيه، وحصل رئيس شل وائل صوان على قرابة 1.8 مليون جنيه إسترليني.
يؤكد الباحث الاقتصادي في جامعة آرهوس الدنماركية ينس مورتنزن لـ"العربي الجديد" أن التربح من الحرب "يتكرر ضمن نمط انتهازي واضح يثير أسئلة أخلاقية واقتصادية عميقة". ويضيف أن "تراكم أرباح الشركات يقابله قلق متزايد لدى المواطنين حول القدرة الشرائية وارتفاع كلفة الطاقة"، داعياً إلى فرض "ضرائب أرباح استثنائية" على المستفيدين من الأزمات لإعادة بعض التوازن إلى النظام الاقتصادي.
لا تقتصر الأرباح على الشركات المنتجة، بل تمتد إلى المؤسسات المالية الكبرى. فقد حققت شركة بلاك روك مكاسب كبيرة نتيجة ارتفاع أسهم الطاقة، حيث ارتفعت قيمة استثماراتها في شل بنحو 860 مليون جنيه إسترليني، وفي بي بي بنحو 580 مليوناً خلال فترة قصيرة، وفق ما أوردته صحيفة ميرور البريطانية. وقدرت دراسة لصالح "ذا غارديان" أن أكبر 100 شركة نفط وغاز قد تحقق أرباحاً إضافية تصل إلى 234 مليار دولار إذا استقرت الأسعار عند حدود 100 دولار حتى نهاية العام.
ويعلق مورتنزن أن العبء الأكبر يقع على المستهلكين الذين يواجهون ارتفاع أسعار الوقود والكهرباء، ما يؤدي إلى تضخم وضغط معيشى متصاعد، ويعيد النقاش الأوروبي حول "ضرائب الأرباح الاستثنائية"، معتبراً أن تلك الضرائب يجب أن تحقق شيئاً من التوازن لصالح المتضررين من التربح نتيجة الحرب. إلى جانب الطاقة، يبرز قطاع الصناعات العسكرية بوصفه أحد أكبر المستفيدين من الحرب. فقد سجلت شركات مثل مارتن لوكهيد وآرتي إكس ونوثورب غَنمان وجنرال ديناميكس وبوينغ نمواً في أسهمها مدعوماً بزيادة الإنفاق العسكري العالمي بحسب موقع ياهوو فايننس.
ولا تقتصر مكاسب الحرب على استهلاك السلاح، بل تمتد إلى توسيع المخزونات العسكرية، ما يفتح دورة طويلة من الإنتاج والعقود. تؤكد الباحثة في مركز دراسات السياسة الدولية الدنماركي ترينا روسنغرين بايستروب لـ"العربي الجديد" أن "الصناعة العسكرية الغربية تحقق أرباحاً غير مسبوقة"، مشيرة إلى أن الحروب تحولت إلى "مختبرات مفتوحة" لاختبار الأسلحة، كما حدث في أوكرانيا. وتضيف أن هذا يعكس تحولاً بنيوياً في الاقتصاد العسكري، حيث أصبحت الحروب منصات تطوير وتسويق مستمرة للسلاح، مع تدفق دائم للعقود حتى خارج فترات القتال.
لا يقتصر الربح على الشركات وحدها، إذ تستفيد دول منتجة للطاقة مثل الولايات المتحدة والنرويج وكندا والبرازيل من ارتفاع الأسعار، بينما تحقق روسيا مكاسب إضافية عبر إعادة توجيه صادراتها نحو آسيا. ووفق تقرير لمركز تشاتام هاوس، فقد تضاعفت عائدات روسيا من الطاقة خلال فترة قصيرة، مستفيدة من الطلب المتزايد في الصين والهند. كما أوردت نيويورك تايمز نقلاً عن وكالة الطاقة الدولية في منتصف إبريل/نيسان أن الإيرادات الروسية ارتفعت من 9.7 مليارات دولار في فبراير/شباط إلى نحو 19 ملياراً في مارس/آذار.
في المقابل، تتحمل الدول النامية العبء الأكبر من التضخم وارتفاع كلفة الاستيراد وتفاقم الديون، ما يعكس، بحسب مورتنزن، "اختلالاً بنيوياً في الاقتصاد العالمي ينقل كلفة الأزمات إلى الأطراف الأضعف". في المقابل، تطرح الباحثة بايستروب سؤالاً جوهرياً: "إلى أي مدى يمكن الفصل بين منطق السوق ومنطق الحرب، حين تتحول الحروب نفسها إلى صناعة مربحة؟".
