عربي
مع غياب مؤشّرات إلى الحسم العسكري في المواجهة الأميركية الإسرائيلية الإيرانية، وتعثّر الجهود الدبلوماسية، يتنامى، وفق تقارير أميركية، شعورٌ بأنّ الحرب أضحت عبئاً ثقيلاً إلى درجة أنّ الرئيس الأميركي قد يعلن، في أيّ لحظة، "النصرَ من جانب واحد"، ووقفَ الحرب، ولو من دون اتفاق شامل مع إيران. وهو ما يؤكّد، بدرجةٍ ما، أنّ الولايات المتحدة تواجه مأزقاً قد يكون له ما بعده.
تبدو الأزمة الإيرانية وكأنّها نقطة تحوّل مفصلية في النظام الدولي الذي تنفرد الولايات المتحدة بقيادته منذ عقود. قد لا يعكس صراع الإرادات في المواجهة الحالية وصولَ قطار الأحادية القطبية إلى محطّته الأخيرة، لكنّه يؤشّر إلى أنّ الفاعلين (الدول الكُبرى، الأمم المتحدة...) بدؤوا يفقدون السيطرة على هذا النظام أمام حالة السيولة العسكرية غير المسبوقة، في تقويضٍ لما يمكن أن تقوم به القنوات الدبلوماسية في إدارة الأزمات والنزاعات الدولية، بما يَحول دون الانجرار إلى مواجهات عسكرية مدمّرة، أضحى المدنيون هم وقودها الرئيس في معظم الأحيان.
على الأرجح، لم يكن مهندسو الحروب الجديدة يعتقدون أنّ حرب الإبادة في غزّة ستُحدِث ارتجاجاً عميقاً في وعي الدول والحكومات والشعوب والأفراد؛ لم تعد قوّة الدول والحكومات تقاس فقط بمؤشّرات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ولا بمؤشّرات الحضور في الأسواق الدولية وحدها، ولا من خلال بعض القوّة الناعمة التي تدعم مواقفها وتحمي مصالحها في كواليس السياسة الدولية فحسب... بل باتت قوة الدول والحكومات تقترن، قبل كلّ شيء، بالقدرة على مواجهة حربٍ قد يُتَّخذ قرارُ شنّها بين عشية وضحاها، إن لم تذعن هذه الدولة أو تلك لما تطلبه منها شبكاتُ القوّة والنفوذ العابرة للحدود. أنهت حربُ غزّة عملياً منظومةَ الأمم المتحدة، وما يرتبط بها من منظّمات قطاعية ووكالات وبرامج وغيرها، وأفسحت المجالَ للاستعمار الجديد المتحصّن بفائض القوّة؛ باتت الدولة التي تملك التكنولوجيا المتطوّرة، والذكاء الاصطناعي، والقدرة العسكرية المتطوّرة، والسلاح النووي، والاقتصاد القوي، والإعلام القادر على تشكيل الوعي والرأي العام، وغيرها، هي الأقدر على إحداث توازن في العلاقات الدولية. أسقطت حرب غزّة أكاذيب الديمقراطية وحقوق الإنسان والحرّية والتعدّدية السياسية، بعد أن وفّرت الولايات المتحدة غطاءً عسكرياً وسياسياً لدولة الاحتلال، وعطّلت مساعي الأمم المتحدة لأجل وقف إطلاق النار، وحالت دون تطبيق القانون الدولي الإنساني حتى تبقى المقتلة مفتوحةً لأكثر من سنتَين، ما سمح للكيان الغاصب بمواصلة حربه القذرة على الشعب الفلسطيني.
أزاحت حرب غزّة الستار عن الحقيقة المجرّدة: "القوة والبقاء للأقوى". ولعلّ ذلك ما جعل الإيرانيين يستوعبون دروس ما حدث في أفغانستان والعراق وغيرهما، وألا ينجرّوا إلى خيارات بلا أفق تحت أوهام الديمقراطية الموعودة، وإن كان ذلك لا يُسقط، بالطبع، شرعيةَ تطلّعات فئات واسعة من الإيرانيين نحو الحرّية والديمقراطية التي يرفض نظام الملالي في طهران الاستجابة لها، ولا ينفي أيضاً واقع استهدافه السلمَ والاستقرارَ والتوازن المذهبي والطائفي في غير بلد عربي.
نجاح إيران في الاستخلاص الجيّد لعائدات تحالفاتها مع الصين وروسيا، ومن ثمّ، الحفاظ على هامش المناورة العسكرية والدبلوماسية في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل، يُرجّح أكثر احتمال إعادة بناء المشهد الجيوسياسي في الإقليم والعالم. هناك بوادر تحوّل مفصلي في العالم. وتدرك القوى الدولية التي تقف في الجانب الآخر من معادلة الهيمنة والنفوذ أنّ الأزمة الإيرانية سيكون لها ما بعدها على صعيد إعادة صياغة علاقات القوّة، ذلك أنّ أيّ تدخّلٍ عسكريٍّ في هذه الأزمة أو تلك يقترن بأثمان باهظة، يُفترض أن تُقتطع من موارد الدول والقوى المتدخّلة. صحيح أنّ ديناميات التفاعل الدولي لا تزال تُغذّي نظام الأحادية القطبية، إلا أنّ الصين وروسيا نجحتا في إشاعة شعور عامّ في العالم بأنّ هذا النظام قد استنفد مبرّرات استمراره، وبقاؤه تحت وصاية الولايات المتحدة يعني أنّ العالم على حافَة الفوضى الشاملة.
بالطبع، من السابق لأوانه الحديث عن هيمنة صينية أو روسية في الأمد القريب. لكن المؤكّد أنّ هناك تحوّلاً في ديناميات القوة الدولية قد يجعل من استمرار مساعي إدامة القطب الواحد خياراً مكلفاً للجميع.
