خفض رواتب صحافيي "إيجبتك" يكشف الارتباك في إدارة الإعلام المصري
عربي
منذ يومين
مشاركة
تلقّى عشرات الصحافيين والعاملين في موقع "إيجبتك" الإخباري إخطاراً داخلياً، خلال الأسبوع الحالي، بخفض رواتبهم بنسب تفوق 50%، بينما أنهت إدارة الموقع عمل عشرات آخرين من الصحافيين الشباب غير المعيّنين، في خطوة فجّرت غضباً داخل المؤسسة، وأعادت تسليط الضوء على أزمة أوسع تضرب قطاع الإعلام الخاص في مصر، الذي يشهد تغيّرات متسارعة في طريقة إدارة الملف الإعلامي وتعدّد مراكز صناعته. وبحسب ثلاثة مصادر في الموقع المملوك لأسرة المذيعة في التلفزيون المصري وقناة "سي بي سي" التابعة لمجموعة المتحدة قصواء الخلالي، شملت تخفيضات الرواتب نحو 150 صحافياً و60 عاملاً، والاستغناء عن عشرات من الصحافيين المتدربين، الذين لم يحصلوا على عقود عمل، ووصلت في بعض الحالات إلى ما يقارب 60% من الأجر الشهري، بينما قالت مصادر أخرى إن النسب "تختلف من قطاع لآخر" وتعكس "إعادة هيكلة مالية اضطرارية" في ظل تراجع الإيرادات. وفي حين لم تصدر إدارة الموقع تعليقاً رسمياً مفصلاً، أبلغ مسؤولٌ طلب عدم نشر اسمه نقابة الصحافيين المصريين بأن القرار "مؤقت ويهدف إلى الحفاظ على استمرارية المؤسسة"، مضيفاً أن البديل المطروح كان "تسريحات جماعية واسعة". وتأتي هذه التطورات بعد نحو ثلاثة أشهر من أزمة أمنية وقانونية أربكت مسار الموقع، الذي ارتبط رئيس تحريره أحمد رفعت بعلاقات وثيقة مع مجموعة "المتحدة" المملوكة للأجهزة السيادية. وبدأت الأزمة بالقبض على رفعت من منزله فجر الأحد السابع من ديسمبر/ كانون الأول 2025، على خلفية بلاغ ضد الموقع، قبل أن تمتد الملاحقات إلى منذر الخلالي، المدير المسؤول وشقيق المذيعة قصواء الخلالي. وانتهت الإجراءات بتوقيف رفعت ورئيس مجلس الإدارة، بصفتهما مسؤولين عن النشر، ثم إخلاء سبيلهما لاحقا بكفالة مالية قدرها 20 ألف جنيه. وبرّرت وزارة الداخلية قرار التوقيف المفاجئ لرئيس التحرير بتقدّم غرفة صناعة الدواجن ببلاغ للنيابة العامة ضد الموقع لنشره تقريراً حول بيع لحوم دجاج نافقة للجمهور بما يخالف الضوابط الطبية. وقالت مصادر قريبة من الإدارة، لـ"العربي الجديد"، إن تلك الواقعة مثّلت نقطة تحوّل في مسار الموقع الذي نشأ بمباركة من الجهات الأمنية والسيادية التي منحته رخصة التشغيل مع عددٍ من المواقع الأخرى في منتصف العام 2024. وأشارت المصادر إلى أنّ حادث القبض على رئيس التحرير الذي يذيع على الهواء مباشرةً عدّة برامج في الإذاعة المصرية، أدخلت "إيجبتك" في حالة "عدم يقين قانوني ومالي"، وانعكست سريعاً على علاقاتها مع المعلنين وشركائها في مصر ودولة الإمارات التي ساعدت على انطلاق الموقع بإمكانات مالية ضخمة، سمحت بتشغيله أكثر من 400 صحافي وفني خلال فترة وجيزة، تمهيداً لتحويله إلى منصة إخبارية رقمية واسعة الانتشار. وبيّنت مراجعة أجراها "العربي الجديد" لمحتوى الموقع عن تراجع معدّل النشر خلال فترات متقطعة منذ بداية العام، كما سُجلت صعوبات في الوصول إليه، حيث جرى حجبه من الظهور في مصر بتعليمات من وزارة الاتصالات، من دون تفسير رسمي لأسبابه. وأشار عاملون في الموقع إلى أن "إيجبتك" يعتمد بدرجة رئيسية على الإعلانات الرقمية، وهو نموذج هشّ أمام أي ضغوط تنظيمية أو تقنية، خصوصاً في حال تعرّض الموقع للحجب أو تراجع ظهوره أمام الجمهور. ويقول هؤلاء إن أي إشارات سلبية بشأن علاقة الموقع بالسلطات أو بمراكز إدارة المشهد الإعلامي المحلي تنعكس سريعاً على ثقة المعلنين. وقال مسؤول في وكالة إعلانات إقليمية إن أي مشكلات قانونية أو ضغوط تنظيمية تدفع الشركات فوراً إلى إعادة تقييم إنفاقها الإعلاني، موضحاً أن العلامات التجارية تتجنب الارتباط بكيانات قد تصبح محل جدل. كما يؤدي تراجع الظهور على محركات البحث ومنصات الإعلان، وعدم احتساب المشاهدات الفعلية للقراء بصورة دقيقة، إلى إضعاف ترتيب الموقع وفقدانه موقعه بين المنصات الإخبارية المؤثرة. على مواقع التواصل، عبّر صحافيون بشكل غير مباشر عن استيائهم، متحدثين عن "ضغوط غير مسبوقة" عند ممارستهم للعمل، مع "غياب وضوح الرؤية" لدى الإدارة حول مستقبل المؤسسة الإعلامية الحاضنة له برمته، مشيرين إلى أن الصحافيين والعاملين "يتحمّلون كلفة أزمة لم يكونوا طرفاً فيها"، فيما دعا آخرون إلى حوار داخلي حول خطة الإنقاذ. في المقابل، دافع بعض العاملين عن الإدارة، معتبرين أن الإجراءات التي اتخذتها "محاولة لتجنب الانهيار الكامل". من جهته، قال وكيل نقابة الصحافيين ورئيس لجنة الحريات محمود كامل، لـ"العربي الجديد"، إن النقابة ساندت إدارة موقع "إيجبتك" خلال أزمتها في ديسمبر/ كانون الأول الماضي، عقب القبض على رئيس التحرير أحمد رفعت، عضو النقابة، إلى أن جرى إخلاء سبيله بعد أقل من يومين. وأضاف كامل أن النقابة لم تتلق حتى الآن شكاوى رسمية من الصحافيين المتضررين من القرارات الأخيرة، مؤكداً أنها ستتحرّك فور تلقي أي طلب للمساعدة، للمطالبة بحقوق العاملين، حتى لو لم يكونوا أعضاء في النقابة، وأشار إلى أن هذا الموقف ينسجم مع تعامل النقابة مع أزمات مماثلة شهدتها مواقع إخبارية أخرى، وفي مقدمتها أزمة صحافيي "البوابة نيوز"، الذين يواصلون اعتصامهم داخل مقر النقابة منذ العام الماضي احتجاجاً على تسريحهم من العمل. بدوره، رأى الأمين العام لتحالف الأحزاب والقوى المدنية المهندس أحمد شعبان أن ما تعرض له موقع "إيجبتك" من حجب وتضييق مالي وأمني على العاملين به "يأتي ضمن مسار واحد تنفذه السلطات المستمرة في إدارة المشهد الإعلامي والسياسي بقبضة حديدية ومصادرة الرأي الآخر"، وقال لـ"العربي الجديد" إن "هذه السياسات هي التي دفعت التيار المدني إلى اطلاق تحذيرات عديدة للسلطة الحاكمة من خطورة غياب الحريات والديمقراطية التي تدفع عناصر أخرى للبحث عن وسائل غير سوية لفرض وجهة نظرها ولو بالقوة، بما يهدد سلامة المجتمع". وشدّد شعبان على ضرورة إطلاق حرية الرأي والتعبير، وضمان حرية إصدار الصحف، ووقف حجب المواقع وملاحقة العاملين فيها، معتبرا أن ذلك "يمثل مدخلا ضروريا لأي مسار نحو حياة أفضل"، وقال إن غياب هذه الضمانات يجعل من الصعب على الدولة جذب مستثمرين، سواء من الخارج أو الداخل، في ظل مخاوف من بيئة لا تحترم حرية تداول المعلومات ولا سيادة القانون، وتزجّ، بحسب تعبيره، بـ"آلاف الشباب في السجون لمجرد ممارستهم حقهم في التعبير عمّا يدور في عقولهم". وتقاطعت أزمة موقع "إيجبتك" خلال الأشهر الماضية مع اسم الإعلامية قصواء الخلالي، المالكة للمشروع مع شقيقها، بعدما وجّهت رسالة علنية إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي طالبت فيها بالإفراج عن قيادات الموقع. ولمّحت الخلالي في رسالتها إلى تعرضها لضغوط واضطهاد من شخصيات نافذة تدير المشهد الإعلامي، في أعقاب تغيّرات شهدها عام 2024، وتوزعت معها مهام إدارة الملف الإعلامي بين أكثر من مؤسسة سيادية. واستحضرت قصواء الخلالي، المنتمية إلى قبيلة بني حرب في محافظة مرسى مطروح، شمال غربي مصر، ما قالت إنها خدمات قدمتها خلال عملها في التلفزيون المصري وقناة "سي بي سي" ومؤسسات إماراتية شاركت في دعم النظام خلال السنوات الماضية. ولفتت مصادر إعلامية إلى أن "نداء قصواء" عكس حجم الضغوط التي تعرضت لها هي وشقيقها، ومثّل خروجاً عن الأسلوب التقليدي في إدارة الأزمات داخل دوائر السلطة. ورغم الإفراج لاحقاً عن قيادات الموقع، قالت مصادر إن الضرر كان قد وقع بالفعل، معنوياً ومادياً، بعدما توقّف الشركاء الإماراتيون عن العمل، وتراجعت مستويات الثقة والعلاقات التجارية مع كبار الداعمين والعملاء. ونبّه خبراء إعلاميون إلى أن أزمة "إيجبتك" لا يمكن فصلها عن تحولات أوسع في طريقة إدارة الإعلام في مصر. فبعد سنوات من الإدارة المركزية للملف الإعلامي، خصوصاً خلال فترة اللواء عباس كامل، مدير مكتب الرئيس ورئيس المخابرات العامة السابق، وبمشاركة شخصيات تنفيذية مؤثرة مثل العقيد أحمد شعبان، بدأ هذا النموذج يتراجع أخيراً مع تعدّد الجهات المؤثرة وغياب مركز واضح للقرار. وأشارت المصادر إلى أن عودة وزارة الإعلام وتعيين ضياء رشوان على رأسها أضافت بعداً جديداً إلى المشهد، لكنها لم تُنه حالة التداخل بين الجهات المعنية بالملف. وخلق ذلك، بحسب المصادر، "بيئة أقل استقراراً" بالنسبة إلى المؤسسات الإعلامية الخاصة. وتشهد شركة المتحدة للخدمات الإعلامية، التابعة للمخابرات واللاعب الأكبر في السوق، تغييرات لافتة، فقد أعلن خبير التسويق الإعلامي طارق نور اعتذاره عن رئاسة مجلس الإدارة بالشركة لأسباب صحية، الأسبوع الماضي، بعد فترة قصيرة قضاها في المنصب، لأقل من عام، ليتم تكليف نائبه محمد السعدي قائماً بالأعمال. ورأى إعلاميون أن تعيين نور استهدف إدخال مقاربة تجارية تركز على تعظيم الإيرادات وجذب الإعلانات، عقب تسريبات صحافية برزت عام 2024، تؤكد إهدار مليارات الجنيهات على تمويل مشروعات إعلامية وقنوات فضائية ومواقع مقربة من السلطات، لم تحقق السيادة الإعلامية للنظام، وهو ما منح الفرصة للقنوات الأجنبية للسيطرة على إيرادات الإعلانات والمشاهد المحلي. وأضافوا أن نور اصطدم بواقع أن الإعلام في مصر تحكمه اعتبارات سياسية وتنظيمية، ما حدّ من إمكانية تطبيق هذا النموذج الذي اعتاده خلال مسيرته في العمل الخاص الذي أتقنه على مدار 50 عاماً. بالتوازي، أظهرت أحكام قضائية في قضية فصل صحافيي "البوابة نيوز" وتخفيض رواتب المتبقين، بعد توقف الدعم الإماراتي، بُعداً آخر للأزمة داخل القطاع الإعلامي، حيث قضت المحاكم ببراءة عدد من الصحافيين وقيادات بمجلس نقابة الصحافيين من اتهامات جنائية مرتبطة بممارستهم احتجاجات على تردي أوضاع الصحافيين المالية والوظيفية، وفي الوقت نفسه ألزمت رئيس مجلس إدارة الموقع عبد الرحيم علي بغرامات مالية كبيرة لعدم تطبيقه الحد الأدنى للأجور.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية