عربي
دخل وقف إطلاق النار في لبنان (بين إسرائيل وحزب الله) الذي أعلنه الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، مساره التدريجي، والهشّ، مع استمرار الخروق والاعتداءات الإسرائيلية اليومية، والقلق من الفشل السياسي في التعامل مع ملفّ سلاح الحزب، الملفّ الذي تحاول الدولة اللبنانية أن تجد له حلاً في ظرف حرب وحشية، إذ تواصل إسرائيل ضرباتها، وتحتل الأراضي، وتقتل مئات المدنيين والصحافيين، وتهجّر أكثر من مليون شخص، وتدمّر (وتخرّب) المدن والقرى والمنازل وراء الليطاني، وسط تفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وتزايد صدمات السكّان الذين طُردوا من ديارهم وتُركوا بلا مأوى. ناهيك عمّا يتهدد لبنان من اضطرابات داخلية (أصوات ومواقف متباعدة من الدستور والسلم الأهلي)، في انقسام عميق بين اللبنانيين في خضمّ مصائبهم قد يكون الأسوأ منذ الحرب الأهلية عام 1975.
لبنان في جدل بشأن جدّية المفاوضات فرصة تحت المظلّة الأميركية، وحول القدرة على الحفاظ على التماسك الداخلي وانتظام عمل المؤسّسات، وصولاً إلى استكمال تطبيق اتفاق الطائف من دون أي تعديل. وفي حين لا بديل للحرب إلا التفاوض لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، وسط وضع إقليمي وعربي جيوسياسي غير مستقرّ وغير متجانس، تحاول إسرائيل السيطرة عليه بعدوانية الحرب الحاضرة في كلّ مكان وعنفها. والسلام الذي تحاول فرضه بالقوة على اللبنانيين، على غرار اتفاقات أبراهام، لا يزال بعيد المنال، فيما يتركّز الهدف الأدنى في تقليص نفوذ الحرس الثوري في لبنان، لذلك لا ضمانات لنجاح التفاوض لأنّ الحزب يرفض نزع سلاحه، وإسرائيل تشنّ هجمات عنيفة، لذلك تعود الحرب التي ما عاد لبنان قادراً على تحمّلها، ما يهدّد قدرته على النهوض، كما يهدّد صيغته في العمق. ولا يشعر اللبنانيون، وآخرون، بأنّ إسرائيل جدّية في المسار السلمي، فهي خضعت له بضغط الرئيس الأميركي.
لبنان الرسمي في مأزق إزاء ما يمكن فعله لوقف الاحتلال والتهجير والانقسام، وسط سيطرة اللاعقلاني والأيديولوجية في قتال يستمرّ من دون هوادة، في وقت يسود قلق وتضارب في المعلومات حول إمكانية عقد لقاء ثنائي بين رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو، وحول ما يمكن أن يفعله الرئيس ترامب المتعجّل للغاية عندما يعد بمساعدة لبنان في حماية نفسه ضدّ حزب الله، وعمّا إذا كان درس ملفّ القضية اللبنانية المشبع بالتعقيدات، ليضع الصراع اللبناني في خزانة جوائزه في المكتب البيضاوي، وليعيد له صورته صانعاً للسلام في خطوات متسرّعة لا تستند إلى أرضية صلبة تضمن استمرارها. وهو يخاطر بلبنان الحلقة الأضعف في السلسلة التفاوضية، التي لا يمكن النظر إليها إلا إذا ظهرت فيها مقدّمات ملموسة تجسّد مضمون اللقاءات في واشنطن.
لا تتغيّر لغة حزب الله التعبوية وشعاراته، أكان الجنوب محتلّاً أم لا
تحاول حكومة نوّاف سلام صياغة رؤية دبلوماسية تتلمّس الخروج من مأزق الحلّ العسكري بربط الحزب بإيران، وبما ألحقه بالجنوب ومناطق لبنانية أخرى من كوارث على جميع المستويات، بشرية كانت أو مادّية. في هذا الوقت، تسعى السلطة إلى كسب الوقت بالالتفاف حول الدولة وحيادها الملتزم، ومنحها الفرصة في تأمين غطاء دولي أوسع، من خلال مشاورات أوسع مع السعودية وقطر ومصر وفرنسا والفاتيكان، بما قد يؤدّي إلى وقف الحرب، وعودة الدولة إلى الجنوب، وطمأنة أهلها بعودتهم الآمنة وإعادة إعمار بلداتهم المدمرة، وإلى تأجيل أي خطوات حسّاسة في مفاوضات تستدعي توحيد الموقف تمهيداً لعودة الاستقرار وانسحاب إسرائيل إلى الحدود الدولية. والهدف من المفاوضات تقديم لبنان أوراق اعتماده للعالم بصورة مرئية حيوية، وتعزيز السيادة الوطنية، وضمان استمرار الحياة الوطنية في جميع الظروف، وتأمين دعم قوي للجيش لبسط سلطة الدولة على أراضيها كاملة.
يستعيد لبنان إرثاً كان قد أطلقه الزعيم الماروني الراحل بيّار الجميل، "قوة لبنان في ضعفه". فهو ليس قادراً على التعامل بنفسه مع الاعتداءات الإسرائيلية، فيما يواجه ضغوط المجتمع الدولي للتحرّك ضدّ حزب الله. وتمارس واشنطن ضغوطاً لرحيل رودولف هيكل من قيادة الجيش، وإلغاء القانون الذي يمنع المواطنين من التواصل مع العدو، في التزام قديم بمقاطعة اقتصادية فرضتها الجامعة العربية، ما يوفّر أوراق قوة للحزب إزاء منطق "تخويني" يرفعه بوجه الدولة في منطق غير متّسق، من عدم الاتساق مع موازين قوى ليست لصالحه تماماً. وقد أدّت مغامرته في اعتبار نفسه العمود الفقري في المواجهة الإيرانية للحرب الأميركية الإسرائيلية إلى توسيع دائرة الانخراط في حرب كبرى في سياق داخلي يشهد تدهوراً على جميع المستويات، منذ استئناف القتال مطلع الشهر الماضي (مارس/ آذار) بعد الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران.
لا تتغيّر لغة الحزب التعبوية وشعاراته، أكان الجنوب محتلّاً أم لا. يدين الضغوط التي تمارس عليه لنزع سلاحه، ويعلن رفضه مفاوضات "الاستسلام"، ويجرّم المتحدّثين عن مآسي الناس، معتبراً المعركة مع العدو حرب وجود لا حرب جغرافيا وحدود، ويعلن استعداده لفرض قواعد اشتباك جديدة، كما كان الحال قبل عام 2000. هذا في وقت تعمل فيه دولة الاحتلال على تدمير القرى الحدودية، وخلف الخطّ الأصفر الذي أقامته، كما في غزّة، وتتقدّم في ظلّ الهدنة لتمشيط وتدمير المنازل بالمتفجّرات، وتخطّط لأعمال عدوانية وشيكة أو جارية. يقف لبنان الرسمي مكتوف اليدين بين القوَّتَين المتحاربتَين، ومعه قوات حفظ السلام الدولية التابعة للأمم المتحدة (اليونيفيل) التي تدفع بدورها ثمن هذا الوقف المتفجّر والمتقلب.
لبنان الرسمي في مأزق تداعيات الحرب وسط سيطرة اللاعقلاني والأيديولوجية في قتال مستمرّ
يحاول الرئيس عون فرض حضور الدولة في مقابل ما يعتبره الرئيس ترامب نهاية حرب أخرى في الشرق الأوسط، ولو بشكل غير دقيق ومنظّم. وهذا مرهون بأن يكون حزب الله "معقولاً ومسؤولاً خلال هذه الفترة الحرجة"، لكنّ المقاومة الإسلامية، التي انبثقت منذ إنشائها في بداية الثمانينيّات، تتّبع سياسة خارجية منفصلة عن لبنان، ولا يعنيها كثيراً حصر السلاح (حدث ذلك في الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000). يقف الطموح الحكومي هنا (ليس أكثر من حدّه الأدنى، في إطار اتفاقية الهدنة لعام 1949) أداة قانونية ملزمة لطرفيها تنفيذاً لقرار صادر عن مجلس الأمن الدولي تحت الفصل السابع، وهذه الأداة هي المنطلق والهدف حين تمهّد للانتقال من الهدنة إلى سلم دائم.
مع ذلك، تتشارك الدولة اللبنانية وأميركا وإسرائيل والمجتمع الدولي الرغبة في نزع سلاح الحزب، وهو الشاغل الرئيس الآن، لكنّه الغائب عن المفاوضات، ومن الإطار الذي يشكّل نجاحاً رمزياً للسلطة، لكن لم تُحدّد صورته الدقيقة، وسط حضور ما حدث في غزّة، لا سيّما أنّ إيران تضع ثقلها أيضاً في الميزان لربط مسرح العمليات خلال عمليات التفاوض مع الجانب الأميركي. والمسألة عالقة هناك عند الرئيس نبيه برّي وحكمته في تدوير الزوايا، وفي استيعابه الحزب لتأمين الغطاء السياسي لاستمرار الحكومة، ورفضه استخدام الشارع لإسقاطها.
يفتح التحرّك الدبلوماسي المجال على هدنة حيوية لشعب منهك ومسار سياسي جديد في فصل المسارات والساحات، لكنّه لا يزال يعتمد على ديناميكية التسوية الإقليمية القائمة على الخطط الأميركية والإسرائيلية في المنطقة، وسط تردّدات مشاريع نتنياهو التي تشمل ما بعد إيران. على الرغم من أنّ الدور الأميركي هو الحاسم، لأنّ ترامب يريد إنهاء حرب يكسبها، والهدنة تمنحه فرصة لالتقاط الصورة التاريخية في البيت الأبيض، والتسريع في ممارسة الضغط الأميركي على إيران لوقف تمويل الحزب، في موازاة دعم خليجي ومصري للمسار الدبلوماسي، لذلك المعركة بعيدة عن نهاياتها، ولبنان أمام ثلاثة سيناريوهات، فإمّا تقدّمٌ تدريجي في المسار، أو استمرار حزب الله في التمسّك بنفوذه، أو تصعيد جديد يهدّد الاستقرار.
