اعتقال أمجد يوسف... مأساة الضحايا وملهاة الواقع
عربي
منذ يومين
مشاركة
للقارئ العربي الذي لا يعرف. كان أمجد يوسف ضابط صفّ (مساعد) في الفرع 227 التابع للمخابرات العسكرية السورية المعروف بفرع المنطقة، مسؤولاً عن عمليات المداهمة والاعتقال في حيّ التضامن بدمشق خلال ذروة أحداث الثورة السورية ضدّ نظام الأسد. اعتقلته قوات الأمن العام السورية في 24 إبريل/ نيسان الجاري في إحدى قرى سهل الغاب التابع لمحافظة حماة، للتحقيق في تهم ارتكابه، ومجموعته، جرائم في حقّ المواطنين المدنيين السوريين، كانت أشهرها مجزرة 16 إبريل 2013، حين أعدم ورفاقه مدنيين عديدين عزّلاً من الرجال والنساء ميدانياً، وظهر ذلك في فيديو مسرّب، وهو يقتاد الرجال معصوبي الأعين، مقيَّدي الأيدي، نحو حفرة كبيرة أُعدّت مسبقاً في أحد شوارع حيّ التضامن. ثم أطلق النار عليهم واحداً تلو الآخر ليسقطوا في الحفرة. بعد ملء الحفرة بـ41 ضحية، سكب يوسف ورفاقه البنزين على الجثث، وأضرم النار فيها بعد إلقاء إطارات السيارات فوقها لإخفاء معالم الجريمة، أو للتشفي والانتقام، لا غير. ساهمت الباحثة السورية أنصار شحّود والبروفيسور الهولندي أوغور أومت أنغور في كشف هذه الجريمة وإظهارها للعالم. انتحلت أنصار شخصية وهمية مؤيّدة للأسد باسم "آنا"، وتواصلت مع يوسف عبر منصّة فيسبوك عامين، واستدرجته إلى الاعتراف بجرائمه التي ظهر طرف خيطها لأنصار وأوغور جرّاء حصولهما على فيديو مسرّب من جهة مجهولة (ظهرت منشورات لاحقاً تشير إلى الشخص الذي حصل على التسجيلات المأخوذة من حاسوب أمجد يوسف نفسه من دون التأكّد من صحّتها). لم يعتقل نظام الأسد المجرم أمجد رغم افتضاح جرائمه عالميّاً، وظلّ يمارس عمله، كما أوضحت ذلك الشبكة السورية لحقوق الإنسان وصحيفة الغارديان، وكما اعترف هو شخصياً في أثناء التحقيق الأولي معه، الذي بثّت القنوات السورية جزءاً منه. حسب الروايات المتداولة، كان المجرم مختبئاً في منزل والديه، وصار الاعتقال حدثاً عظيماً تفاعل معه السوريون والسوريات في بقاع الأرض كلّها، وليس في سورية فقط. تنوّعت ردّات الفعل ما بين الفرح والحزن والغضب والشماتة والتشكيك بالتوقيت والنقد للأسلوب... إلخ، وهو ما اعتاده السوريون في هذه الحالات. نشرت بعض الصفحات أيضاً تسجيلاً مصوّراً لمقابلة مع سيّدتَين، إحداهما شقيقة أمجد يوسف التي أظهرت استغرابها من اعتقاله، في مفارقة عجيبة لهذا التبسيط المخلّ الذي لا يُحتمل للمأساة والفاجعة التي حلّت بعشرات، إن لم تكن بمئات الأُسر، على يد شقيقهما. وأظهر الحدث راهنية الجرح السوري الذي لا يمكن أن يندمل أو أن يُشفى بمرور الزمن؛ جرح الضحايا الذين سقطوا في درب الآلام التي ساروا فيها للخلاص من الاستبداد. هل هي مجرّد مصادفة أن تكون محطّات الدرب الذي سار فيه المسيح عليه السلام من قلعة أنطونيا، حيث حُكم عليه بالصلب، إلى صخرة الجمجمة (جولجوتا بالآرامية السريانية)، وحيث أقيمت لاحقاً كنيسة القيامة، وحيث نُفّذ فيه الحكم؟ 14 محطّة يقابلها في سورية 14 محافظة جابها الخراب والدمار والقتل والتشريد على مدار 14 سنة عجافاً؟ فرحة النصر والخلاص من الأسد وأعوانه استنفدت أقصى حدودها كرّس النظام البائد سرديةً واضحةً منذ اللحظة الأولى لاندلاع الثورة في وجهه، تختصر نظرته إلى الأمور بين شطرَين لا ثالث لهما: إمّا معي أو ضدّي. معي باعتباري الدولة والشعب والحقّ والحقيقة والمطلق، وضدّي باعتبار المختلف عنّي غير مرئي في ساحة البشر، بل مكانه في ساحة الجراثيم والحيوانات، وفي أحسن الأحوال في ساحة الخونة أعداء الوطن، أو الوحوش الإرهابيين أعداء الإنسانية. هذا ما ترسّخ في ذهن شقيقة أمجد يوسف، وفي أذهان فئات واسعة من السوريين والسوريات الذين غيّبهم جحيم الصراع عن لحظة التفكير أو لحظة التعاطف الإنساني أو الشعور الأخلاقي بالآخرين من أبناء جلدتهم. ولا ينطبق هذا على فئة واحدة فقط، مع الأسف الشديد، بل ينطبق بدرجة أو بأخرى على بقية الفئات السورية التي كانت محسوبة على هذا الطرف أو ذاك في دوّامة الصراع المرير. تبدو تمثّلات ذلك الآن في خطاب الكراهية المنتشر بشكل لا يُوصف، وفي خطاب التحريض الذي لم يوفّر أحداً كالنار تلتهم الأخضر واليابس، ولا يقف في طريقها شيء، لا بشر ولا حجر. على الرغم من رمزية اعتقال الوجه الأبرز لسفّاحي مجزرة التضامن، وما يعنيه هذا من سلسلة طويلة قد تصل بنا إلى اعتقال شخصيات إجرامية من مستويات أعلى في التسلسل القيادي، إلا أنّ الغصّة بقيت في حلوق كثيرين من السوريين والسوريات؛ غصّة أهالي حي التضامن أنفسهم، حيث لا تزال جثث ذويهم مدفونة تحت الركام. ففي يوم إعلان اعتقال أمجد يوسف، ظهرت تسجيلات مصوّرة لجثث كشفتها عمليات حفر لإعادة بناء أحد العقارات المهدّمة. ستستمرّ هذه الغصّة طويلاً، لأنّ الأهالي لم يشاهدوا جهوداً حقيقية للتعامل مع هذا الملفّ الخطير. هل ستترك أرواح أحبابهم هائمةً تبحث عن السكينة بعد أكثر من سنة ونصف السنة مرّت على سقوط النظام؟ هل ستُسحق عظامهم ثانيةً تحت جنازير وعجلات آليات رفع الأنقاض العشوائية للمستثمرين الباحثين عن فرصة للربح، كما سُحقت تحت أنقاض الدمار الذي طمرهم فيه أمجد ونظام الأسد؟ ناهيك أيضاً عن الغصّة في قلوب سوريين وسوريات كثيرين فقدوا أقارب لهم في ظلّ الفوضى التي أعقبت محاولات الفلول في الساحل إثارة الفتن، أو التي أعقبت الصراع الدموي في السويداء، الذي نتج منه، بإقرار لجنة التحقيق الرسمية السورية وبحسب تقرير اللجنة الدولية الخاصّة، حرق نحو 35 قرية في المحافظة وتدميرها، ومقتل مئات من أهلها المدنيين، وتشريد عشرات الآلاف منهم، وتغيير ديمغرافي واضح طاول السكّان البدو. الاستثمار ليس في حال أفضل من حال العدالة المؤجّلة وحال غيرها من الملفّات العالقة في هذه الظروف الحزينة كلّها، يبدو التعامل مع الأحداث وكأنّه في وادٍ آخر. نحن في حالة من الاستعراض ستودي بسردية الألم الوطني السوري إن استمرّت بهذه الطريقة. منذ سقوط النظام ونحن نعيش في دوّامة من "الترندات" التشويقية: احتفالية هنا بهُويّة بصرية، واحتفاء هناك بمعرض كتاب، وتهليل لنجاح في القبض على خلية تخريبية في يوم آخر... إلخ، بينما حال عموم الناس اقتصادياً لم يتقدّم إلى الأمام خطوة واحدة، بل تراجع عشرات الخطوات إلى الوراء. حال الاستثمار ليس أفضل من حال العدالة المؤجّلة ولا أفضل من حال غيرها من الملفّات العالقة. فرحة النصر والخلاص من الأسد وأعوانه استنفدت اقصى حدودها، ولم يعد ثمّة ما يتّكئ عليه الناس في حياتهم سوى أمل بات يخبو مع كلّ فاتورة كهرباء، أو قرار إداري ارتجالي يتدخّل في حياتهم وطريقة معاشهم ولبسهم وتفكيرهم. ما الذي تخبّئه الأيام لنا؟ وهل سيكون التغيير الحكومي المرتقب قادراً على انتشال البلاد من حفرة الضياع الراهنة؟ وهل يمكن لمجلس الشعب العتيد أن يغيّر شيئاً نحو الأفضل؟ هل ثمّة أمل في الأفق؟ هذا ما سنعرفه قريباً. وإلى ذلك الحين سنبقى نستمع إلى سيمفونية الصراع بين مأساتنا، بوصفنا جميعاً ضحايا، وملهاة الواقع.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية