هذا الحضور الباكستاني عربياً وإقليمياً
عربي
منذ 4 أيام
مشاركة
بات الحضور الباكستاني لافتاً جدّاً في القضايا العربية والإقليمية، مع الانخراط الجدّي ضمن الإطار الثماني العربي – الإسلامي لوقف إطلاق النار والحرب على غزّة، وصفقات أسلحة في ليبيا والسودان، واتفاقية الدفاع المشترك مع السعودية، والعلاقات التاريخية، والراسخة الاستراتيجية، مع تركيا، ثم الانخراط في الجهود العربية والإسلامية للتوصّل إلى اتفاق لوقف الحرب الإسرائيلية – الأميركية ضدّ إيران، والاستعداد لسيناريوهات اليوم التالي لها، إن لجهة تنفيذ الاتفاق المحتمل بوصفها ضامناً أو لجهة الترتيبات الإقليمية مع الدول العربية، تحديداً الخليجية وتركيا، لاستخلاص العبر وسدّ الثغرات التي كشفتها الحرب. يعود هذا الحضور الباكستاني عربياً وإسلامياً وإقليمياً إلى عدّة معطيات داخلية وخارجية، منها الاستقرار الداخلي في السنوات الماضية، وتصاعد قوة البلاد وخروجها منتصرةً أو بيد عليا من معركتها وصدامها العسكري أخيراً مع الهند، والانسحاب الأميركي من أفغانستان رغم العلاقات المتوتّرة مع نظام حركة طالبان الجديد، بالإضافة إلى علاقاتها التاريخية والعريقة والاستراتيجية مع السعودية ودول الخليج العربي وتركيا، ثم تزايد الأزمات والتحدّيات في منطقة الحوض العربي – الإسلامي (الشرق الأوسط)، إذ لا يمكن لباكستان النأي بنفسها عن جهود حلّها، وبالطبع لملء الفراغ الناجم عن الانكفاء الأميركي، وتشجيع الدول متوسّطة القوة على أخذ زمام الأمور بنفسها، والدفاع عن أمنها واستقرارها ومصالحها وفق ما يوصف هنا في تركيا بالمُلكية الإقليمية. إذن، بات الحضور الباكستاني لافتاً في القضايا العربية والإسلامية والإقليمية خلال العام الماضي، مع الانخراط في جهود وقف الحرب في غزّة ضمن الإطار الثماني "العربي – الإسلامي" (باكستان والسعودية وقطر ومصر والأردن والإمارات وتركيا وإندونيسيا)، الذي لا يزال نشطاً، بل جرت مأسسته لمواكبة الأحداث في غزّة وفلسطين بشكل عام، مع بيانات ومواقف مستمرّة، آخرها يوم الخميس الماضي، رفضاً لاقتحامات الحرم القدسي الشريف والتضييق على حرّية العبادة للمسلمين والمسيحيين في المدينة المحتلّة. إلى ذلك، رسّخت باكستان حضورها بتنسيق تركي – سعودي عبر صفقة سلاح ضخمة (أربعة مليارات دولار) مع سلطة الشرق الليبي بقيادة خليفة حفتر، إذ تكفّلت الرياض بالتمويل، وأنقرة بترتيب زيارة "ولي العهد" صدّام حفتر إلى باكستان للمرّة الأولى في يوليو/ تموز الماضي، جرى التوافق على الصفقة خلالها، وكان لافتاً بالطبع هبوطه في إسطنبول في طريق عودته من إسلام أباد إلى بنغازي، قبل أن يحلّ هناك في ديسمبر/ كانون الأول رئيس الأركان القوي والمتنفّذ، الجنرال عاصم منير. وجاءت الصفقة ضمن مساعي احتواء حفتر ومنعه من المضي في كسر القواعد والخروج عن الترتيبات والتفاهمات المحلّية والإقليمية التركية– السعودية– الباكستانية، خصوصاً في السودان. وفي السياق السوداني، يجري التحضير كذلك لصفقة باكستانية مماثلة، بالحيثيات نفسها تقريباً، أي بتفاهم وترتيب تركي، وبتمويل سعودي، وهي صفقة معتبرة بحدود مليار ونصف مليار دولار، وتتضمّن حزمة أسلحة متنوّعة لترجيح الكفّة لمصلحة السلطة الشرعية هناك. نشرت باكستان قواتٍ وطائراتٍ وأسلحةً متطوّرةً في شرقي السعودية، في تجسيد لاتفاقية الدفاع المشترك كان الدور الباكستاني في المرحلة الراهنة قد تصاعد (وارتقى) درجةً عبر اتفاقية دفاع مشتركة مع السعودية في سبتمبر/ أيلول 2025. وهذا قد يكون أحد أسباب تضاؤل حجم الهجمات الإيرانية (ولو نسبياً) ضدّ أهداف سعودية، وطاولت كذلك دول الخليج، حتى الوسيطين، قطر وعمان، في أمر لا يمكن تبريره أو الدفاع عنه. وفي منتصف إبريل/ نيسان الحالي، ومع نجاح وساطتها في التوصّل إلى هدنة الأسبوعَين بين أميركا وإيران، نشرت باكستان قواتٍ وطائراتٍ وأسلحةً متطوّرةً في شرقي السعودية، في تجسيد لاتفاقية الدفاع المشترك، كما قدّمت الرياض، بصورة مشتركة مع الدوحة، وديعةً ماليةً ضخمةً (نحو خمسة مليارات دولار) إلى إسلام أباد في سياق دعم احتياطاتها واستقرار العملة المحلّية والاقتصاد بشكل عام، بعدما سحبت الإمارات وديعةً ضخمةً برقم مماثل تقريباً، مع الانتباه إلى علاقات جيّدة مع دول الخليج مجتمعة، خاصّة في وجود جاليات باكستانية كبيرة فيها. إلى ذلك، تملك باكستان علاقاتٍ سياسيةً واقتصاديةً ودفاعيةً راسخةً وعريقةً مع تركيا، علماً أنّها الوحيدة إلى جانب هذه الأخيرة التي تعترف بجمهورية قبرص التركية الشمالية. وفي السياق، تحسّنت العلاقات الباكستانية مع مصر، فزار وزير الخارجية بدر عبد العاطي إسلام أباد الخريف الماضي في خطوة لافتة، واتُّفق على حزمة تعاون منتظم، يمكن من خلالها فهم إجراء مناورات عسكرية مشتركة بين البلدَين. وتتناسب هذه العلاقات المتطورة عكسياً مع ابتعاد مصر والعرب عموماً من الهند ورئيس وزرائها ناريندرا مودي، الذي نأى ببلاده عن القضايا العربية والإسلامية وانحاز إلى إسرائيل– نتنياهو، والحكومة اليمينية الأكثر تطرّفاً في تاريخ الدولة العبرية، مع خطط استراتيجية مشتركة للهيمنة على المنطقة. وفي أسباب هذا الحضور الباكستاني عربياً وإسلامياً وإقليمياً، إضافة إلى العوامل السابقة، يمكن الحديث عن حزمة أسباب داخلية أخرى، منها الاستقرار السياسي والأمني، وتجاوز الأزمة الاقتصادية بنسبة كبيرة، وهي أصلاً قوة عسكرية نووية كبرى خرجت منتصرةً أو بيد عليا من الصدام العسكري الأخير مع الهند. داخلياً، يمكن الإشارة كذلك إلى صعود رئيس الأركان، قائد الجيش الجنرال عاصم منير، الذي يتمتّع بدعم واسع سياسياً وشعبياً، خاصّةً بعد المعركة مع الهند، إضافة إلى علاقاته الوثيقة مع الرئيس دونالد ترامب وإدارته. ورغم الخلافات مع نظام "طالبان"، بدت إسلام أباد مستفيدةً من الانسحاب الأميركي من أفغانستان الذي مثّل بحدّ ذاته خطوةً باتجاه تهدئة العلاقات مع واشنطن. لا تطبيع مع إسرائيل في ظلّ موقف باكستاني رسمي وشعبي رافض، مدعوم عربياً وإسلامياً إلى ما سبق، هناك تصاعد الأزمات في المنطقة والمحيط الجيوسياسي، فلم يعد بالإمكان البقاء بعيداً في ظلّ تأثر إسلام أباد المباشر بتلك الأزمات. تفاعلت المعطيات السابقة وأدّت مجتمعة إلى تصاعد الحضور الباكستاني، كما تبدّى في قيادة الجهود لوقف الحرب الإسرائيلية – الأميركية ضدّ إيران ضمن مظلّة عمل جماعية تضمّ الإطار الرباعي (تركيا والسعودية ومصر)، وانخراط جدّي من قطر ودول الخليج، مع مأسسة الإطار الثماني العربي – الإسلامي وتوسيعه ليصبح إطاراً اثني عشرياً يضمّ سورية ولبنان والبحرين وأذربيجان، كما جرى في اجتماع في الرياض في الشهر الماضي (مارس/ آذار) لمناقشة إيقاف الحرب واليوم التالي لها. من هذه الزاوية، يبدو الإطار الرباعي تعبيراً عن مأسسة اللقاء الموسّع، وبمثابة مكتب تنفيذي له، كما رأينا في الاجتماع الرابع (عُقد لقاء ثالث على مستوى الخبراء بعد لقاءَين على مستوى الوزراء في الرياض وإسلام أباد) منتصف إبريل/ نيسان الجاري على هامش منتدى أنطاليا الدبلوماسي الخامس. إذن، بعلاقات وقنوات مفتوحة مع طهران وواشنطن على حدّ سواء، تقود إسلام أباد وساطة إنهاء الحرب ضمن إطار رباعي يعمل مكتباً تنفيذياً لتجمّع عربي – إسلامي موسّع يضمّ 12 دولة. ولا يقتصر العمل على إنهاء الحرب، وإنما يشمل تفاهمات وترتيبات سياسية واقتصادية ودفاعية لأمن المنطقة واستقرارها. وللأسف، لا يمكن استبعاد أميركا تماماً، التي ستظلّ حاضرةً، ولو في المدى المنظور. ولكن، لا مكان لإسرائيل، فلا تطبيع معها في ظلّ موقف باكستاني رسمي وشعبي رافض، مدعومٌ عربياً وإسلامياً، مع التذكير بتصريح وزير الدفاع خواجة محمّد آصف المنتقد للممارسات الإسرائيلية والاعتماد على حدّ السيف واستغلال الحرب ضدّ إيران للتصعيد العسكري في المنطقة. ولا مكان كذلك لإيران في تراجع علاقاتها مع الدول الخليجية والعربية، ولكن مع استمرار العلاقات معها بمستويات مختلفة بوصفها دولةً جارةً ستنشغل بنفسها وبأزماتها الداخلية سنواتٍ، وربّما عقوداً، بعد الضربات المدمّرة التي تلقتها خلال الحرب.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية