عربي
على مدى عقود بعد الحرب العالمية الثانية، قامت شرعية النظام الليبرالي الغربي على وعد مزدوج: حلم أميركي يتبنى حجة أن الفقير ومحدود الدخل المجتهد يستطيع أن يصعد سلم الطبقات بجهده، في ما يوصف بالحراك الاجتماعي، ودول رفاه أوروبية تعد المواطن بمنظومة اجتماعية ستحميه مع التقدم في العمر. ومع تطورات السنوات الأخيرة وحروبها، يتآكل الوعدان تحت عبء متغيراتٍ ديمغرافية وسياسية، إذ يزداد توزيع الدخل سوءا وتتراجع المظلة الاجتماعية التي تشكل العقد الاجتماعي على حساب المواطن "الناخب".
في الولايات المتحدة تكشف البيانات الإحصائية أن الـ1% الأكثر ثراءً في الولايات المتحدة باتوا يملكون نحو 32% من إجمالي الثروة الصافية بنهاية 2025، وهو رقم قياسي تاريخي يعكس تركز الثروة، في المقابل يحوز الـ50% الأدنى دخلاً مجتمعين على 2.5% فقط من الثروة الكلية، وهذا يكشف عن خلل عميق يتفاقم مع مرور الأيام ويؤشر بوضوح إلى تضاؤل الفرص في "أرض الفرص" كما وصفت دائماً.
ضمن هذا السياق تراجعت حصّة العمل من الناتج المحلي - أي ما يعود إلى الموظفين بصفة أجورٍ من إجمالي الاقتصاد - إلى أدنى مستوياتها في تاريخ قياس هذا المؤشر حسب بيانات المؤسسات الرسمية الأميركية الذي يمتدّ لأكثر من 75 عاماً.
وهذا يعني تلقائياً أن حصة الأرباح ترتفع على حساب العاملين بأجر، ويصف الاقتصاديون هذا الوضع "الاقتصاد على شكل حرف K": مسار صاعد لمن يملكون الأصول والأسهم والعقارات، ومسار تنازلي لمن يعتمدون على الراتب الشهري وحده، فالواحد بالمئة في القمّة يكسبون نحو 40 ضعف ما يكسبه الـ90% في القاعدة. على الضفة الأخرى من الأطلسي، تواجه دول الرفاه الأوروبية ضغوطاً غير مسبوقة تفاقمت بعد ارتفاع تكاليف الدفاع مع استمرار الحرب الأوكرانية، وفي ظل التغيرات الديموغرافية تزداد فاتورة الشيخوخة مع تراجع نسبة الشباب في الهرم السكاني، وتتراكم الديون السيادية، والنتيجة هي بروز الحاجة إلى "إصلاح جذري" لنموذج الرفاه الأوروبي.
وعلى سبيل المثال في ألمانيا، أعلنت حكومة المستشار الألماني فريدريش ميرز عن خفض كبير في النفقات الاجتماعية والمعاشات والرعاية الصحية اعتباراً من منتصف عام 2025، وارتفع عجز التأمين الصحي القانوني على سبيل المثال من 1.9 مليار يورو في 2023 إلى 6.2 مليارات يورو في 2024، ويُتوقع أن يستمر في الارتفاع في 2025 ليقترب من عشر مليارات يورو. وهذه الأرقام تعني تقشفاً في النفقات وانتظاراً أطول للوصول الى المستشفيات، وأدوية تحذف من قائمة التغطية، وهذا يعني التراجع في أسس دولة الرفاه التي تقوم على توفير خدمات الصحة والتعليم ومرافق الخدمات الأساسية بسوية جيدة لكافة المواطنين.
في فرنسا، بلغ الدين العام 3.35 تريليونات يورو، أي ما يعادل 114% من الناتج المحلي بحلول العام 2025، فيما يُعاني نظام التقاعد من عجزٍ يقارب 23 مليار يورو، ولأن الإنفاق الدفاعي وأمن الطاقة وفاتورة الصحة سترتفع بنحو 4.5% إلى 5.5% من الناتج المحلي بحلول العام 2040، فإن الدول الأوروبية مطالبة بتوفير ما بين 3.5% و5% من ناتجها الإجمالي كل عام لتحقيق الاستقرار في ميزانياتها والحد من العجز وتراكم المديونية، وخلاصة هذه الديناميكية التأثير السلبي على قطاعُ الرعاية والتعليم والمعاشات، ولعلنا نذكر جيداً التظاهرات التي شهدتها عدة مدن فرنسية احتجاجاً على تعديل قانون المعاشات ورفع سن التقاعد.
وحتى الدول التي لا تواجه تحديات اقتصادية حرجة، مثل الدول الاسكندنافية كفنلندا والسويد والتي اضطرت لتخصيص اقتطاعات لصالح المجهود العسكري في أوكرانيا، تجد نفسها مضطرة إلى إعادة النظر في معادلتها التقليدية في الحماية الاجتماعية.
وحين تتراجع الدولة عن دورها الاجتماعي، يبحث الناخب عمّن يُعيد إليه تلك المظلة الاجتماعية التي تتراجع، وفي السياسة يقدم اليمين المتطرّف نفسه كأسهل إجابة؛ فهو يعد بإغلاق الحدود لتقليل المنافسة على الوظائف والخدمات، ويلوم المهاجرين و"الإسلام السياسي" بدلاً من السياسات العامة التي خفضت الضرائب على الأثرياء طوال ثلاثة عقود، إلى جانب ارتفاع نفقات التسليح والدفاع الهائلة على حساب النفقات الاجتماعية على ضفتي الأطلسي.
وللمرّة الأولى في التاريخ الحديث، تتصدّر الأحزاب اليمينية الشعبوية استطلاعاتِ الرأي في الاقتصادات الثلاثة الكبرى للقارة - ألمانيا وفرنسا وبريطانيا – خلال الفترة نفسها. كما باتت سبع دول في الاتحاد الأوروبي – كرواتيا، التشيك، فنلندا، المجر، إيطاليا، هولندا، وسلوفاكيا – تضم أحزاباً يمينية متطرفة داخل حكوماتها. لم يعد اليمين المتطرف ظاهرة هامشية يقتصر تأثيرها على الاحتجاج، بل صار شريكاً في صياغة السياسات.
الأحزاب اليمينية التي يُصوت لها الناخب الغاضب من تراجع الدولة الاجتماعية، تتبنى في أغلبها برامج اقتصادية ليبرالية تقتضي تخفيض الضرائب على الشركات، تقليص الإنفاق الحكومي، إضعاف النقابات، تخفيف القيود البيئية، وهو ما يتناقض مع مطالب الناخبين الحقيقية، وحين تفشل الوعود في تحسين الحياة اليومية، تستبدل الأحزاب اليمينية الإنجاز الاقتصادي المفقود بإنجازات وهمية، مثل قانون هجرة أكثر صرامة، حظر الحجاب، وحملة تمجيد للرموز القومية وخطاب ثقافي استعلائي.
وفي قراءة انعكاسات تفكك هذا النموذج التقليدي الذي ساد لعقود، فإن كثيراً من الدول العربية التي تنفذ برامج اصلاح اقتصادي تمر بالتحولات نفسها في مجال الحماية الاجتماعية وتقليصها لصالح نفقات الدفاع والمؤسسات الأمنية التي لا يتم الاقتراب من موازناتها، ولكن صناديق الاقتراع لا تحمل الرسائل ذاتها بسبب اختلاف الواقع السياسي، وهناك حاجة ماسة لإصلاح ديمغرافي ومالي ومؤسساتي يمكنه تعزيز الثقة ببرامج الحكومات التي تتآكل بسرعة قد تقود الى حالة من الفوضى.
كذلك تبرز الحاجة الى تمكين الطبقة الوسطى التي تهتز تحت ضربات التضخم ومحدودية فرص صعود السلم الاجتماعي، فأي نموذج يمكن اجتراحه، وهل يعاد الاعتبار إلى التعليم والصحة بوصفهما مدخلين لتحقيق توازن اجتماعي تتراجع مؤشراته في معظم الدول العربية؟

أخبار ذات صلة.
مسلسل "اللعبة"... الكوميديا في فخ التكرار
العربي الجديد
منذ 15 دقيقة
ستون مجلة "أفكار" الأردنية
العربي الجديد
منذ 51 دقيقة