عربي
في ظل الأزمة المالية المتفاقمة التي تواجه وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، أعلنت الوكالة عن تقليص أيام الدوام المدرسي إلى أربعة أيام أسبوعياً في مدارسها في الأقاليم الخمسة (غزة، الضفة الغربية، الأردن، لبنان، سورية)، في خطوة تُعد امتداداً لإجراءات تقشفية واسعة طاولت مختلف القطاعات التعليمية والصحية والإغاثية، ما ينذر بتداعيات خطيرة على مئات آلاف اللاجئين الفلسطينيين.
يأتي هذا القرار -الذي اتخد أول أمس الاثنين، دون تنسيقٍ مع وزارة التربية والتعليم الفلسطينية- في وقت يعتمد عشرات آلاف الطلبة اللاجئين على خدمات "أونروا" التعليمية، ما يطرح تساؤلات جدية حول تأثيراته المباشرة على جودة التعليم، ومستقبل العملية التعليمية، إضافة إلى تداعياته الاجتماعية والنفسية على الطلبة وأسرهم. ويقول مدير مدرسة تابعة للوكالة في مخيم بلاطة للاجئين الفلسطينيين بنابلس لـ"العربي الجديد": "إن تقليص أيام الدوام لن يكون مجرد إجراء إداري، بل سيؤثر بشكل مباشر على التحصيل العلمي للطلبة، خاصة في ظل اكتظاظ الصفوف أساساً، وقلة الموارد التعليمية".
المدير -الذي طلب عدم ذكر اسمه خوفاً من تعرضه للمساءلة من إدارة الوكالة التي اعتذرت عن الحديث للإعلام- يوضح أن عدد أيام التعليم الأقل يعني ساعات تدريس أقل، ما قد ينعكس سلباً على استيعاب الطلبة للمناهج، ويزيد من الفجوة التعليمية بينهم وبين أقرانهم في المدارس الحكومية أو الخاصة، مؤكدا أن القرار يضع الإدارات المدرسية أمام تحدٍ كبير في إعادة تنظيم الجداول الدراسية، قائلاً: "نحاول قدر الإمكان ضغط المواد الدراسية ضمن أربعة أيام، لكن هذا يأتي على حساب العمق في الشرح والتفاعل داخل الصف، التعليم ليس فقط إنهاء المنهاج، بل بناء فهم حقيقي لدى الطالب، وهذا يتضرر في مثل هذه الظروف". مضيفا أن الطواقم التعليمية تشعر بضغط مضاعف، حيث يُطلب منها تحقيق النتائج نفسها في وقت أقل، وهو أمر "غير واقعي"، بحسب وصفه.
بدوره؛ يعبّر الطالب في الصف العاشر في مدرسة ذكور مخيم عسكر بنابلس شاهر مسيمي عن قلقه، قائلاً لـ"العربي الجديد": "نحن أصلاً نعاني من ضغط المواد وصعوبة بعض الدروس، وإذا تم تقليص أيام الدوام، فسنجد صعوبة أكبر في الفهم والتحضير للامتحانات، خاصة التوجيهي".
تعاني "أونروا" من أزمة مالية غير مسبوقة نتيجة تراجع التمويل الدولي
وتقول ختام عايدي ولية أمر إحدى الطالبات في حديث مع "العربي الجديد"، "إن القرار يضع العائلات أمام تحديات جديدة، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة". مضيفة: "تقليص الدوام يعني أن أبناءنا سيبقون في البيت يوماً إضافياً، وهذا يتطلب متابعة أكبر، وقد يفتح الباب أمام ضياع الوقت أو الانشغال بأمور غير مفيدة، خصوصاً في المخيمات حيث المساحات والأنشطة محدودة"، مشيرة إلى أن أسراً لا تملك الإمكانات لتعويض هذا النقص من خلال الدروس الخصوصية أو البرامج التعليمية البديلة، ما يزيد من الفجوة التعليمية بين الطلبة.
الناطق باسم وزارة التربية والتعليم الفلسطينية صادق الخضور، يؤكد في تصريح مقتضب لـ"العربي الجديد"، أن هناك تنسيقاً بالشأن التعليمي مع إدارة الوكالة عادة، لكن قرار تقليص الدوام هو شأن داخلي خاص بأونروا. وأعرب عن أمله في عودة المسيرة التعليمية في الحكومة والوكالة إلى طبيعتها، مؤكداً أن هذه مصلحة للجميع.
أزمة مالية تتفاقم في أونروا
يأتي هذا القرار في ظل أزمة مالية غير مسبوقة تعاني منها "أونروا"، نتيجة تراجع التمويل الدولي، وتأخر أو تعليق مساهمات عدد من الدول المانحة. وتشير التقديرات إلى أن الوكالة تواجه عجزاً مالياً بمئات ملايين الدولارات، ما يهدد قدرتها على الاستمرار في تقديم خدماتها الأساسية، وعلى رأسها التعليم والصحة والإغاثة.
وفي هذا السياق، يوضح مدير دائرة شؤون اللاجئين في منظمة التحرير الفلسطينية، كنعان الجمل، في حديث مع "العربي الجديد"، أن ما يجري "ليس مجرد أزمة مالية عابرة، بل هو جزء من مسار سياسي يستهدف تقويض دور وكالة أونروا". مضيفا أن "القرار يأتي في ظل عجز مالي يُقدّر بنحو 200 مليون دولار، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على قدرة الوكالة في الاستمرار بتقديم خدماتها الأساسية". ويشير إلى أن تقليص الدوام يشكل عقبة أمام تطوير العملية التعليمية، ويقوّض الخطط والاستراتيجيات الهادفة لتحسين جودة التعليم، خاصة في ظل التنسيق القائم مع وزارة التربية والتعليم الفلسطينية، موضحا أن الإجراءات التقشفية لم تقتصر على الطلبة، بل شملت أيضاً الموظفين، حيث تم تقليص دوامهم ورواتبهم بنسبة تصل إلى 20%، ما أثر على استقرارهم المعيشي في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة.
ويؤكد الجمل أن هذا الواقع سينعكس على الطلبة من خلال فاقد تعليمي واضح نتيجة تقليص أيام الدراسة، ما يهدد بتراجع مستوى التحصيل العلمي وخلق فجوة تعليمية يصعب تعويضها، خاصة مع وجود نحو 550 ألف طالب في مدارس أونروا. مشيرا إلى أن "أي تراجع في خدمات أونروا يعني عملياً دفع اللاجئين نحو مزيد من الفقر والهشاشة، في ظل غياب بدائل حقيقية قادرة على تعويض هذا الدور"، لافتا إلى أن الأزمة المالية لا تنفصل عن ضغوط سياسية متصاعدة، إضافة إلى استهداف منشآت أونروا في قطاع غزة، حيث دُمّر جزء كبير من مرافقها، ما أدى إلى حرمان مئات آلاف الطلبة من التعليم.
ويشير الجمل إلى إغلاق مدارس ومرافق صحية في الضفة الغربية، ومنع الوكالة من أداء مهامها في بعض المخيمات، في سياق ضغط متزايد يهدف إلى تقليص دورها، محذرا من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى "تجهيل ممنهج" يطاول مئات آلاف الطلبة في مناطق عمليات أونروا، سواء في الضفة الغربية أو قطاع غزة أو مخيمات الشتات، في ظل غياب بدائل قادرة على استيعاب هذا العدد من الطلبة.
أبرز الدول التي أوقفت دعم أونروا
ومن أبرز الدول التي أوقفت دعمها للوكالة الولايات المتحدة الأميركية إذ كان يُقدّر بـ365 مليون دولار، إلى جانب تقليص أو إعادة توجيه الدعم من دول مثل ألمانيا والسويد، ما فاقم من حدة الأزمة المالية التي تعانيها الوكالة. ولم يعد يقتصر تأثير الأزمة على القطاع التعليمي فقط، بل يمتد ليشمل مختلف الخدمات التي تقدمها الوكالة، بما في ذلك الرعاية الصحية، والمساعدات الغذائية، وبرامج الدعم الاجتماعي. وكان النصيب الأكبر في التقليص من نصيب القطاع الصحي، حيث تم إغلاق أقسام أساسية في بعض المستشفيات التابعة للأونروا، مثل أقسام الولادة والباطني، ما زاد الضغط على المستشفيات الحكومية التي تعاني أصلاً من نقص في الإمكانات. كما تراجعت البرامج الإغاثية، بما في ذلك المساعدات الغذائية والأدوية للأمراض المزمنة، الأمر الذي أثر بشكل مباشر على الأسر الأكثر فقراً.
ويقول المختص بشؤون اللاجئين ياسر أبو كشك لـ"العربي الجديد"، "إن قرار تقليص الدوام المدرسي يتجاوز أبعاده التعليمية والاقتصادية، ليأخذ طابعاً سياسياً أكثر عمقاً؛ فالوكالة تُعد شاهداً دولياً على قضية اللاجئين الفلسطينيين، ووجودها واستمرار خدماتها يشكلان اعترافاً عملياً بهذه القضية". ويرى أبو كشك أن الضغوط المالية التي تتعرض لها الوكالة، خاصة من الولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي، تأتي في سياق محاولات أوسع لإنهاء ملف اللاجئين، أو إعادة تعريفه بما يتماشى مع مشاريع سياسية تسعى لتصفية القضية، محذرا من أن إضعاف "أونروا" تدريجياً قد يؤدي إلى تقليص دورها، ومن ثم استبدالها بآليات أخرى لا تحمل البعدين السياسي والقانوني المرتبطين بحق العودة.
في ظل هذه التطورات، يواجه اللاجئون الفلسطينيون حالة من القلق المتزايد بشأن مستقبل الخدمات التي يعتمدون عليها منذ عقود. ويبدو أن الأزمة الحالية مرشحة للاستمرار، ما لم يتم التوصل إلى حلول جذرية تعيد الاستقرار المالي للوكالة. وبينما تحاول "أونروا" التكيف مع الواقع الجديد عبر إجراءات تقشفية، يبقى السؤال الأهم: إلى أي مدى يمكن لهذه الإجراءات أن تستمر دون أن تؤدي إلى تآكل جوهري في مستوى الخدمات، وخاصة التعليم، الذي يشكل ركيزة أساسية في حياة اللاجئين ومستقبلهم؟
ولا يُنظر إلى تقليص الدوام المدرسي باعتباره إجراءً مؤقتاً فحسب، بل مؤشراً خطيراً على مرحلة جديدة من التحديات التي تواجه وكالة الغوث، بما يحمله ذلك من انعكاسات مباشرة على مئات آلاف الطلبة اللاجئين، وعلى قضية اللاجئين الفلسطينيين برمتها.

أخبار ذات صلة.
ورطة هرمز: كيف لدول الخليج أن تفك الخناق؟
france24
منذ 13 دقيقة