عربي
تحوّلت الكثير من السدود والأودية والشواطئ غير المحروسة ومنشآت الري إلى أماكن للاستجمام، يجد فيها أطفال وشباب المغرب ضالتهم للهروب من الحر. بينما تكرّرت حوادث غرق أليمة، لتحول لحظات الاستجمام إلى فواجع، بالتزامن مع انعدام إجراءات السلامة العامة، وغياب الرقابة.
في 22 إبريل/ نيسان الحالي، شهد دوار أحمد بن سالم التابع لإقليم جرسيف (شرق) غرق شاب داخل حوض مائي مخصص للسقي الفلاحي. وقبلها بيوم واحد، تحولت لحظات استجمام شابين إلى فاجعة بعدما عجزا عن مقاومة تيارات المياه في وادٍ يقع بمدشر أزنات، بجماعة بني أحمد بإقليم شفشاون (شمال)، ما أدى إلى غرقهما، وفي الرابع من إبريل، انتشلت عناصر الوقاية المدنية بمدينة مشرع بلقصيري (غرب)، جثة تلميذ لقي مصرعه غرقاً بوادٍ أثناء السباحة رفقة مجموعة من رفاقه، وتكرر الأمر في 21 مارس/آذار الماضي، حين غرق طفل (13 سنة) في تعاونية العلوية بالقرب من ضفاف "وادي اللبن".
ويؤكد المختص في البيئة مصطفى عيسات، أنّ "حوادث الغرق في الأودية والسدود والأماكن غير المحروسة باتت ظاهرة متكرّرة ومقلقة في المغرب، إذ سُجّلت 151 وفاة نتيجة الغرق في السدود والوديان بين عامَي 2023 و2025". ويوضح لـ"العربي الجديد"، أنه "مع ارتفاع درجات الحرارة، تتحول السدود والأودية والشواطئ غير المحروسة إلى مقاصد للاستجمام، خاصة في البوادي والمدن الصغيرة التي تفتقر إلى البدائل الآمنة".
ويعزو عيسات أسباب تكرار حوادث الغرق إلى غياب البنية التحتية، إذ يدفع نقص المسابح العمومية والفضاءات الترفيهية الآمنة الشباب والأطفال نحو الأودية والسدود الخطرة، فضلاً عن قلة الوعي بالمخاطر، إذ لا يدرك كثيرون أن بحيرات السدود تحتوي على أوحال وتيارات خفية تهدد بالغرق فيها، إضافة إلى ضعف المراقبة وغياب التحذيرات، إذ يسجل غياب فرق الإنقاذ والعلامات التحذيرية في العديد من المواقع.
ويوضح أن "موجات الحر المبكرة تدفع أعداداً كبيرة من الأشخاص نحو المياه من دون استعداد، وأحياناً من دون معرفة بمهارات السباحة، ومكافحة تكرار حوادث الغرق يقتضي تعزيز حملات التوعية، كما فعلت وكالة الحوض المائي في ملوية (حكومية)، والتي أطلقت حملة (ما تغامروش بحياتكم)، للتحذير من مخاطر السباحة في مياه السدود، ونشرها علامات تحذيرية في أماكن واضحة، وفرق إنقاذ مدربة في المناطق الخطرة، فضلاً عن تسريع بناء المسابح العمومية، والفضاءات الترفيهية الآمنة، خاصة في المناطق القروية والمدن الصغيرة، وتفعيل برامج تعليم السباحة في المدارس، كما تفعل دول أخرى في إطار الاستراتيجيات الوقائية".
ويؤكد عيسات: "على مستوى المجتمع المدني والأسر، ينبغي نشر ثقافة الوقاية من خلال توعية الأطفال والشباب بمخاطر السباحة في أماكن غير مهيأة، وتعزيز مهارات الإسعافات الأولية، ومراقبة الأبناء خلال العطل، وتجنب تركهم يسبحون من دون إشراف، فضلاً عن التعاون مع السلطات للإبلاغ عن النقاط الخطرة، والمطالبة باتخاذ إجراءات وقائية، وكل ذلك لا ينفي أهمية تفعيل القوانين التي تحظر السباحة في السدود والأودية، مع فرض غرامات رادعة، وإلزام الجماعات المحلية بوضع خطط وقائية موسمية".
ويلفت إلى النماذج الإيجابية الملهمة التي تمثلت في إطلاق وكالة الحوض المائي لأبي رقراق والشاوية، حملة متنقلة تحت شعار "العطلة للراحة وليس للمآسي"، والتي ساهمت في عدم تسجيل أي حالة غرق في السدَّين المستهدفَين خلال سنة كاملة، بفضل التوعية المباشرة، وتوزيع المنشورات، ويرى أن "حوادث الغرق ليست قدراً محتوماً، بل نتيجة تراكمات يمكن تفكيكها بجهود مشتركة، فحماية أطفالنا وشبابنا تتطلب استثماراً في الوقاية قبل التدخل في الإنقاذ، لأن كل حياة تُفقد هي خسارة لا تُعوّض".
واعتادت العديد من وكالات الحوض المائي الحكومية إطلاق حملات توعية سنوية في مختلف مناطق المغرب بهدف الحدّ من مخاطر السباحة في السدود والأودية، وتقليص حالات الغرق الناتجة عنها طيلة فصل الصيف، خصوصاً بين الأطفال والشباب.
وتكمن خطورة الأحواض في احتوائها على كميات كبيرة من الأوحال التي تُعَدّ السبب الرئيسي في غرق قاصديها، مهما كانت مهارتهم في السباحة، وتعرف بعض الأحواض بكثافة المياه، إضافة إلى عمق بعضها، والتي يمكن أن يتجاوز عمقها 100 متر، إلى جانب ضفافها غير المؤهلة، والتي لا تسمح بسهولة الوصول إلى المياه، وصعوبة المراقبة.
