عربي
بوصفه الداعين إلى القطيعة مع الجزائر بـ"المجانين"، الاثنين الماضي، أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون فتح سجال سياسي حادّ في بلاده، فيما تتواصل ردات الفعل السياسية والتوضيحات الحكومية بعد يومين من التصريحات التي أدلى بها خلال زيارة إلى مستشفى في إقليم أرييج، جنوب غربي فرنسا.
وجاءت تصريحات الرئيس الفرنسي في سياق حديثه عن الأطباء الحاصلين على شهادات من خارج الاتحاد الأوروبي، وهم في فرنسا ركيزة ضرورية لسدّ العجز في بعض المناطق الطبية الريفية، حيث انتقد الذين يريدون "التخاصم مع الجزائر"، معتبراً أن هذا الموقف يضر بالمصالح الفرنسية أكثر مما يخدمها، وخصوصاً أن الأطباء الجزائريين يشكّلون النسبة الأكبر (36%) بين الأطباء القادمين من خارج الاتحاد الأوروبي.
غير أن كلامه هذا استُقبل بوصفه رسالة سياسية موجهة إلى اليمين المحافظ واليمين المتطرف، وتحوّل إلى مادة جديدة تغذّي ماكينة التجاذب السياسي والانتخابي في البلد، إذ تُوظف كل الملفات، بما فيها الملف الجزائري، لتعزيز المواقع ومهاجمة الخصوم، قبيل عام من الاستحقاق الرئاسي. ومع تصاعد انتقادات اليمين، اضطرت الحكومة إلى الخروج بتوضيحات ومحاولات تهدئة لتخفيف أثر تصريحات ماكرون واحتواء السجال.
وقالت الناطقة باسم الحكومة مود بروجون، عقب اجتماع مجلس الوزراء اليوم الأربعاء، إن فرنسا تستطيع "أن تفرض احترامها" على الجزائر من خلال "نهج حازم" ومن دون الاضطرار إلى تبني "سياسة عدم تواصل" كتلك التي تدعو إليها أحزاب مثل "الجمهوريون" اليميني و"التجمع الوطني" اليميني المتطرّف.
وأضافت، في ما بدا شرحاً وربما تخفيفاً من حدّة كلام ماكرون: "ما أراد الرئيس قوله هو أن سياسة القطيعة وعدم التواصل لم تؤتِ ثمارها في عدد من القضايا التي تمس العلاقة الفرنسية الجزائرية"، وأخذت على ذلك مثالَ التصاريح القنصلية "اللازمة لإعادة المهاجرين غير النظاميين"، إذ إن تعطيل الحوار بين البلدين لم يرفع عدد هذه التصاريح بل أدى إلى توقفها أشهراً عدّة، بحسب كلامها.
ومثلها، وجد وزير الخارجية جان نويل بارو نفسه مضطراً للدفاع عن كلام الرئيس الفرنسي، وذلك خلال جلسة للجمعية الوطنية عُقدت أمس وهاجمت فيها النائبة عن حزب "اتحاد اليمين" المتطرف حنان منصوري سياسات الحكومة الفرنسية في ملف الهجرة الاقتصادية وإعادة المهاجرين غير النظاميين، منتقدةً "قلة حزم" الحكومة أمام "الهجمات المتواصلة للدولة الجزائرية".
وردّ بارو عليها بالقول إن حكومته "لا تملك سوى بوصلة واحدة متمثلة بالدفاع عن مصلحة فرنسا والفرنسيين"، واعتبر أن المصالح الفرنسية في الجزائر، سواء كانت أمنية أو اقتصادية، "تمر بالضرورة عبر حوار شديد التطلُّب (مع الجزائر) للحصول على نتائج"، وذكّر بأن زيارة وزير الداخلية لوران نونيز، في فبراير/شباط الماضي، أثمرت إعادة التعاون بين البلدين في ملفي الأمن والهجرة، وذلك بعد عام من الجمود الكامل، منتقداً "عماء" و"ديماغوجية" "مَن يقولون للفرنسيين بأن القطيعة الكاملة للحوار مع البلاد التي تحيط بنا، والتهجّم عليها، قد تأتي بنتائج".
من جهته، دافع وزير الداخلية لوران نونيز عن النهج نفسه خلال جلسة في مجلس الشيوخ عُقدت اليوم الأربعاء، بعدما سأله السيناتور اليميني روجيه كاروتشي ساخراً عما إذا كان يستطيع تعريف كلمة "مجنون" أو "مهبول" (mabouls) التي استخدمها ماكرون في تصريحه. ورد نونيز بأن مصلحة فرنسا تقوم على "إعادة فتح النقاش" مع الجزائر في ملفات الأمن والهجرة، مؤكداً أن الحوار "صعب ومتطلّب، لكنه ضروري"، وأن الحكومة لا تخشى من اعتماده سياسةً لها مع الجزائر، كما أقر بوجود "أوضاع خاصة" تمثل خلافاً مع الجزائر، مثل قضية الصحافي الفرنسي المعتقل في الجزائر كريستوف غليز أو الكاتب الفرنسي الجزائري بوعلام صنصال، لكنه تمسّك بفكرة أن إدارة ملفات كهذه تتطلب قنوات مفتوحة لا قطعاً للعلاقات.
وكان رئيس حزب "الجمهوريون" اليميني برونو روتايو أول الأصوات المحافظة التي ردت على ماكرون بعد ساعات من تصريحه حول "المجانين"، إذ اعتبر روتايو كلام ماكرون استهدافاً مباشراً له وللخط الذي يدعو إلى تبنيه مع الجزائر، وقال في بيان أصدره الاثنين، إن الرئيس الفرنسي يستعمل "ذريعة زائفة" للتغطية على "المشكلات الحقيقية" التي تجمع فرنسا بالجزائر، وعلى رأسها، وفقا له، ملف ترحيل المهاجرين غير النظاميين، كما اتهم ماكرون بالضعف وبالارتهان للجزائر، معتبراً أن "سياسة النيات الحسنة" تجاه الجزائر قد فشلت.
وتعدّدت الأصوات المنتقدة لكلام ماكرون داخل التيارات المتشددة في البلد، وعلى رأسها المرشح السابق للرئاسة وأحد وجوه اليمين المتطرف إريك زمور، الذي كتب في منشور على منصة إكس: "الخضوع للجزائر له اسم: إيمانويل ماكرون"، في حين قال رئيس حزب "التجمع الوطني" اليميني المتطرف جوردان بارديلا، في تصريح لإذاعة "أوروبا 1"، أمس الثلاثاء، إن ماكرون "يشتم" بكلامه هذا "الغالبية العظمى من الفرنسيين الذين سئموا أن يكون بلدهم عرضة لإهانة مستمرة" من النظام الجزائري. وذهب الناطق باسم حزب "الجمهوريون" اليميني جوناس حدّاد إلى القول إن الرئيس الفرنسي "جبان مع الجزائر"، في لقاء عقده أمس مع قناة "بي إف إم".
غير أن الانتقادات لم تقتصر فقط على اليمين واليمين المتطرف، بل شملت تصريحات لسيغولين رويال، المرشحة اليسارية السابقة للرئاسة، ورئيسة "جمعية فرنسا ـ الجزائر". واتهمت رويال ماكرون بالتناقض، قائلة إنه يهاجم اليوم دعاة التشدد مع الجزائر "لكنّه هو الذي قام بهذا التشدّد"، مستعيدةً، في منشور على منصّة "إكس"، رسالة كان ماكرون قد أرسلها في مايو/أيار 2025 إلى رئيس وزرائه حينها فرنسوا بايرو، يطالبه فيها بتعليق اتفاق مع الجزائر يعود إلى عام 2013 ويسمح بتسهيلات لدخول فرنسا لحملة الجوازات الرسمية والدبلوماسية الجزائرية.
لكن رويال هاجمت أيضاً الخطّ الذي يدافع عنه روتايو، حيث قالت في منشور آخر على "إكس" إن "استراتيجية التوتّر مع الجزائر التي يدافع عنها روتايو تخالف مصالح فرنسا والفرنسيين"، وأنها استراتيجية "لحصد أصوات هؤلاء الذين يعيشون حنيناً" إلى فترة الاستعمار الفرنسي للجزائر، وأعطت عدداً من الأمثلة على فشل هذه الاستراتيجية، في مقدمتها فشل التقدم في ملف إعادة المهاجرين غير النظاميين، و"تراجع الشراكات في مجالي الطاقة (ولا سيما الغاز) والاقتصاد"، وهو فراغ تركته فرنسا لإيطاليا التي "باتت اليوم الشريك الأوروبي الأول للجزائر"، بحسبها.
