في عزلة العزاعز بمديرية الشمايتين جنوبي محافظة تعز، حيث تُعد تربية الأبقار مصدر العيش، لم يعد الحليب مجرد منتج منزلي محدود الاستهلاك، بل تحول إلى رافد حقيقي لتمكين النساء اقتصادياً، عبر تجربة تنموية نسوية أعادت تنظيم القطاع، وربطته بالسوق المحلية.
تبرز مبادرة حقين الحجرية، التي يديرها مركز إنتاج وتسويق الألبان التابع لجمعية الريف والجمعية النسوية التنموية، إذ يقدم المركز نموذجاً تطبيقياً ملهماً للاقتصاد الريفي المستدام، القائم على استثمار الموارد المتاحة وتعزيز ثقافة العمل الجماعي في الأرياف.
تروي تقية سعيد (43 عاماً)، وهي إحدى المستفيدات من عزلة الأصابح، ملامح التغيير لـ “ريف اليمن” قائلة: “كنا في السابق نبيع الحليب بشكل فردي وبأسعار زهيدة، وكثيراً ما كان يفسد جزء كبير منه لعدم توفر المشترين أو وسائل الحفظ”.
مواضيع مقترحة
- الأمن الغذائي الريفي: 600 ألف أسرة زراعية بحاجة دعم
- من الأمية للتمكين.. كيف غيّر التعليم حياة نساء شبوة؟
- نساء اليمن: عطاء وتحدي
وتضيف: “اليوم تغير الوضع حيث أصبح لدينا دخل منتظم وبشكل شبه يومي، مكننا من تغطية الاحتياجات الأساسية للمنزل، واستطعنا توفير جزء من العائدات لتأمين تعليم أطفالنا، مشيرةً إلى أن المبادرة لم تمنحهن العائد المادي فحسب، بل وفرت لهن مظلة آمنة لتسويق إنتاجهن وحمايته من التلف.
تنظيم الإنتاج
يعمل مركز إنتاج وتسويق الألبان كمنظومة إنتاجية متكاملة تخدم أكثر من 840 أسرة من مربيات الأبقار، ينتظمن ضمن 26 مجموعة إنتاجية موزعة على مختلف القرى الريفية.
وتستذكر إطلاق محمد، رئيسة المشروع، جذور المبادرة قائلة: “انبثقت الفكرة من الواقع المعيشي الصعب، حيث كانت النساء في عزل العزاعز، الأصابح، وبني شيبة يُنتجن الحليب بوفرة، لكن غياب منافذ التسويق والبيع بأسعار زهيدة كان يؤدي إلى هدر الموارد، لذا، أسسنا مركزاً يجمع الإنتاج وينظمه، ليتحول إلى منتجات بلدية ذات قيمة تنافسية.
وأوضحت لـ “ريف اليمن” أن المشروع انطلق بمقر بسيط في عزلة العزاعز، ليكون حلقة وصل استراتيجية بين المربيات والسوق المحلية، بالتنسيق مع الجمعيات النسوية في العزل المستهدفة.
ويعتمد المشروع هيكلية إدارية دقيقة، حيث تشرف منسقة ميدانية على كل منطقة جغرافية لتولي فحص الحليب طازجاً، وتسجيل الكميات، وضمان معايير النظافة قبل شحنه عبر الدراجات النارية.
في السياق تؤكد المنسقة سمية جميل أن وضوح الآلية شجع النساء على الاستمرار، كون قيمة كل لتر حليب باتت موثقة ومضمونة.

ورغم النجاح، يواجه المركز تحديات ميدانية جسيمة، أبرزها ارتفاع درجات الحرارة التي تهدد سلامة المنتج، ووعورة الطرق الجبلية التي تعيق سرعة النقل، فضلاً عن محدودية وسائل التبريد وارتفاع تكاليف الصيانة.
وأكدت إطلاق أن الحفاظ على الجودة يمثل سباقاً يومياً مع الزمن، داعيةً المنظمات التنموية إلى دعم المشروع وتوفير ثلاجات تبريد حديثة لضمان استمرارية هذا المورد الاقتصادي الحيوي.
الجودة والتسويق
وسط التضاريس الجبلية القاسية، تبرز الدراجات النارية كشريان حياة يضمن الحفاظ على جودة المنتج وسرعة وصوله، إذ يقول أحمد الأصبحي (36 عاماً)، وهو أحد السائقين: “تتحمل كل دراجة مسؤولية تغطية عزلة كاملة، حيث ننطلق منذ الفجر لجمع الكميات من المنسقات وإيصالها مباشرة إلى المعمل”.
ويضيف الأصبحي لـ “ريف اليمن”: “نحن في سباق حقيقي مع الزمن، فأي تأخير قد يعرض الحليب للتلف، لذا نضع السرعة والالتزام بمعايير النقل في مقدمة أولوياتنا”.
وأشار إلى أن هذا العمل لم يمنحه مصدر دخل ثابت فحسب، بل جعله جزءاً فاعلاً في منظومة تنموية تخدم المجتمع المحلي وتعزز استقراره.
بمجرد وصول الشحنات الطازجة إلى مركز الإنتاج، تبدأ المرحلة الأكثر دقة، وهي عملية التحويل الصناعي من الحليب الخام إلى مشتقات بلدية عالية الجودة.
وتوضح غدير عبدالله، العاملة في وحدة الإنتاج، قائلة: “نخضع الحليب للفحص الدقيق فور استلامه للتأكد من سلامته، ثم تبدأ مراحل التصنيع لإنتاج الحقين، الزبدة، والسمن البلدي ضمن معايير صحية صارمة”.
يعمل مركز الانتاج كمنظومة متكاملة ويخدم أكثر من 840 أسرة من مربيات الأبقار، ينتظمن ضمن 26 مجموعة انتاجية
وتؤكد غدير حرص الفريق على تحقيق معادلة صعبة، وهي الحفاظ على النكهة البلدية الأصيلة مع تقديم منتج مغلف بطريقة عصرية تليق بالأسواق الحديثة، وقد نجح حقين الحجرية في فترة وجيزة في غزو أسواق التربة، المركز، السمسرة، الصافية، والنشمة، وصولاً إلى أحياء مدينة تعز.
يؤكد وهيب مهيوب صاحب بقالة في مدينة التربة أن المنتج يحظى بإقبال واسع، قائلاً لـ “ريف اليمن”: “يفضل الزبائن المنتج لكونه طازجاً وطبيعياً تماماً مقارنة بالبدائل الصناعية، ونحن بدورنا نشجع المبادرات النسوية التي أثبتت كفاءة المنتج المحلي وقدرته على المنافسة”.
تأثير اجتماعي
لم يتوقف تأثير المشروع عند حدود العائد المادي، بل امتدت لتحدث تحولات اجتماعية ملموسة طالت بنية الأسرة والوعي المجتمعي إذ تقول أمينة الذي بدأت بيع الحليب عبر المشروع منذ سبتمبر 2025: “لقد منحنا المشروع استقراراً مديناً بفضل الدخل الثابت، فبعد سنوات من البيع بأسعار بخسة، أصبح لإنتاجنا قيمة سوقية عادلة، وهو ما جعلنا نشعر بتقدير حقيقي لجهدنا اليومي.
وأكدت لـ”ريف اليمن”، “إن الأثر الحقيقي يكمن في تحسين جودة حياة أسرنا، وتعزيز الثقة بدور المرأة كعنصر مُنتِج وفاعل، وليس مجرد مستهلك أو عامل في الظل”.
يقول الدكتور محمد قحطان، أستاذ الاقتصاد بجامعة تعز، إن تجربة حقين الحجرية تمثل نموذجاً ناجحاً وواعداً للتنمية الريفية، مؤكداً أنها حققت نتائج لافتة على مستوى تحسين دخل الأسر وتعزيز الإنتاج المحلي، الأمر الذي يجعلها جديرة بالتعميم على مختلف المحافظات والمديريات اليمنية.

وأوضح قحطان لـ “ريف اليمن” أن أهمية هذه التجربة لا تقتصر على بعدها الاقتصادي فحسب، بل تمتد إلى إحياء التراث التعاوني في الريف اليمني، بما يسهم في تأمين سبل عيش كريمة لشريحة واسعة من السكان، الذين يشكلون ما بين 40 إلى 70% من إجمالي سكان اليمن وفقاً للإحصاءات السكانية.
ويرى الناشط المجتمعي عبدالله العزعزي أن حقين الحجرية يتجاوز كونه مجرد منتج محلي؛ فهو يمثل نموذجاً لـ “التنمية الدائرية” التي تبقي القيمة المضافة داخل المجتمع، بدءاً من الإنتاج ووصولاً إلى التصنيع والتسويق.
ويؤكد العزعزي لـ “ريف اليمن” أن النساء يمثلن اليوم المحرك الأساسي لهذا التحول الاقتصادي مشيراً إلى أن دعم المبادرات هو الحل الأمثل لخلق فرص عمل مستدامة تحد من نزيف الهجرة من الريف إلى المدينة، كما أنها تعيد الاعتبار للريف اليمني كفضاء حيوي مُنتِج، قادر على الصمود وتحقيق الاكتفاء الذاتي في أصعب الظروف.
نحو التمكين
تؤكد تقية سعيد أن التحول الذي شهدته لم يكن مادياً فحسب، بل انعكس إيجاباً على شعورها بالاستقلال، وعزز من دورها في صنع القرار داخل الأسرة. ويرى الخبير الاقتصادي قحطان أن النجاح يفرض على وزارة الزراعة ومكاتبها في المحافظات مسؤولية إيلاء هذه التجربة اهتماماً كبيراً، عبر تقديم الدعم الفني وتوجيه جهود المنظمات الدولية وفي مقدمتها منظمة الأغذية والزراعة الفاو نحو دعم وتوسيع المبادرات النوعية.
وأوضح قحطان أن تعزيز التجربة من شأنه إعادة الاعتبار للتنمية الريفية التي شهدت تراجعاً ملحوظاً خلال العقود الماضية، لافتاً إلى أن الريف اليمني كان يمثل ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني، حيث كان يلبي احتياجات السكان ويغذي الأسواق المحلية بمختلف المنتجات الزراعية والحيوانية والحرفية دون الحاجة للاستيراد.
محمد قحطان: حقين الحجرية تمثل نموذجاً ناجحاً وتعزيز التجربة من شأنه إعادة الاعتبار للتنمية الريفية التي شهدت تراجعاً ملحوظاً
كما بين أن التجربة أسهمت بفاعلية في تحويل العديد من الأسر من حالة الفقر إلى أسر منتجة ذات دخل مستقر، ووفرت منتجات غذائية طبيعية عالية الجودة لأسواق محافظة تعز، إلى جانب خلق فرص عمل جديدة.
وأضاف في حديثه لـ “ريف اليمن” أن توسيع نطاق هذه المبادرات لتشمل أنشطة زراعية وحيوانية متنوعة يمثل مدخلاً مهماً لإنعاش الريف، ومكافحة البطالة، والحد من الهجرة، بما يشجع الشباب على الاستقرار واستعادة دورهم التنموي.
وفي المقابل، حذر قحطان من أن غياب الدعم الحكومي قد يحد من نمو هذه التجربة، خاصة في ظل تحديات معقدة مثل ضعف إمكانات سكان الريف لا سيما النساء وعدم الاستقرار السياسي، ناهيك عن ندرة المياه الناتجة عن الاستنزاف وغياب مشاريع الحصاد المائي، والتصحر، وهجرة الأيدي العاملة.
ودعا الحكومة إلى تبني التجربة وتعميمها، مشدداً على ضرورة التدخل الفاعل عبر حزمة إجراءات تشمل: توجيه الموارد لبناء السدود، تقديم الدعم الفني والعيني للأسر المنتجة، تعزيز الأمن والاستقرار، منع الجبايات غير القانونية، وتطوير شبكة الطرق لتسهيل حركة الإنتاج والتسويق.
واختتم بالتأكيد على أهمية توجيه الدعم الإنساني نحو القطاع الزراعي وتشجيع الاستثمارات في الصناعات التحويلية، بما يضمن تحقيق الأمن الغذائي وتعزيز صمود الاقتصاد الوطني.