عربي
تواصل إسرائيل خروقاتها اليومية لاتفاق وقف إطلاق مع لبنان منذ دخوله حيز التنفيذ منتصف ليل 16 – 17 إبريل/ نيسان الجاري، رافعة من مستوى عملياتها العسكرية على صعيد جنوب نهر الليطاني وشماله إضافة إلى استهدافها منطقة البقاع شرقاً، ما يوقع عشرات الشهداء والجرحى، إلى جانب توسعة رقعة الدمار وتكرار إنذارات الإخلاء لتكريس تهجير طويل للسكان، وتحقيق الأهداف المتصلة بإقامة منطقة عازلة.
وشهد الميدان اللبناني في الساعات الماضية تصعيداً إسرائيلياً بعد توجيه الاحتلال إنذاراً إلى سكان 14 بلدة جنوبية، وتنفيذه تهديداته بشنّه سلسلة غارات لم تقتصر على القرى التي ذكرها، وكان أعنفها الغارة التي استهدفت بلدة مجدل زون، في أثناء تنفيذ عناصر الدفاع المدني مهمة إنقاذ وإسعاف مصابين، ما أدى إلى استشهاد 3 عناصر، بعدما احتُجزوا تحت الأنقاض، واصابة عسكريَّين بجروح.
من جهته، واصل حزب الله ضرباته العسكرية ضد تجمّعات جيش الاحتلال، معلناً أمس الثلاثاء تنفيذ 6 عمليات في المناطق المحتلة بالجنوب اللبناني، مدخلاً كذلك أسلحة نوعية إلى الميدان، كان أبرزها في الأيام الماضية المسيّرات الانقضاضية الموجّهة عبر الألياف الضوئية، مؤكداً حقه بالدفاع في ظلّ خرق إسرائيل الهدنة، وذلك في مشهد يعكس هشاشة وقف النار، الذي يبقى مهدداً بالانهيار بأي لحظة، خصوصاً في ظلّ تصاعد التهديدات الإسرائيلية بأن الاتفاق لن يستمرّ طويلاً في ظلّ تواصل هجمات حزب الله وعدم اتخاذ الحكومة اللبنانية أي خطوة في هذه الفترة، لمنع الضربات التي يشنها الحزب أو سحب سلاحه أو توقيف أي من مسؤوليه.
يأتي ذلك في وقتٍ لا يزال فيه الأفق الداخلي في لبنان مسدوداً أمام أي توافق أو تقارب، خصوصاً أن التباينات لا تزال موجودة، وهو ما يعرقل حتى هذه اللحظة حصول اللقاء المرتقب بين رؤساء الجمهورية جوزاف عون والحكومة نواف سلام والبرلمان نبيه بري، وسط تمسّك بري بالتفاوض غير المباشر مع إسرائيل وأولوية وقف إطلاق النار والاعتداءات على الجنوب اللبناني، في حين أن الهوّة تزيد أكثر بين حزب الله وعون، خصوصاً بعد الاتهامات الأخيرة المتبادلة بالخيانة.
وفي إحاطة تحليلية، يقول الباحث في الشؤون العسكرية والعلاقات الاستراتيجية بهاء حلال لـ"العربي الجديد"، إن "هناك ثلاث طبقات مترابطة: الميدان، وقواعد الاشتباك، والأثر الاجتماعي"، مشيراً إلى أن "إسرائيل تعتمد في الميدان نمطاً مركّباً في العمليات العسكرية، أولاً، بتنفيذ ضربات موضعية، مثل اغتيالات واستهدافات، لما تزعم أنه بنى عسكرية، علماً أنها مدنية، بحيث إن الهدم كبير بشكل يجعل القرى مهجورة من سكانها وحجارتها، وثانياً، ضغط ناري متقطع لإبقاء البيئة الحدودية غير مستقرّة، وثالثاً، استخدام الجوّ لاستطلاع دائم من أجل فرض تفوّق استخباري، هو أصلاً محسوم لمصلحة العدو".
ويردف حلال: "في المقابل، يبقي حزب الله ردوده لتثبيت أنه يردّ على خرق إسرائيل لوقف إطلاق النار، ويبقي ردوده محسوبة من حيث تثبيت معادلة الردع من دون الانجرار إلى حرب واسعة، فهو يختار الأهداف ذات طابع عسكري، ما يجعل بالتالي من التوازن هشاً، والطرفان يديران الصراع على حافة الانفجار، لكن ضمن سقوف غير معلنة".
ويعتبر الباحث العسكري اللبناني أن "المنطقة الصفراء (تضم نحو 55 قرية حدودية) التي فرضها العدو هي الأخطر، علماً أنه للآن لم يسيطر على جميع القرى التي يتضمنها، فهذا الخط الأصفر خط تأثير ناري، وليس خط سيطرة، لكنه أخطر من الخط الأزرق (رسّمته الأمم المتحدة عام 2000 للفصل بين لبنان وإسرائيل)، لكونه غير معترف به دولياً أو قانوناً، ويُفرَض بالقوّة لا بالاتفاق، وقابل للتوسّع التدريجي، فقد يضمّ إليه مثلاً صور أو الزهراني أو النبطية، ليكون خط أصفر بلاس، وذلك كله ربطاً بأن إسرائيل تحاول خلق منطقة عازلة، مع تهديدات بتحويل أجزاء من الجنوب إلى مناطق غير قابلة للحياة حتى من دون احتلال مباشر".
ويشير حلال إلى أن الإنذارات تُستخدم ضمن إطار الحرب النفسية، وتهدف إلى تحقيق عدة أهداف، أبرزها تفريغ المناطق من سكانها دون الحاجة إلى اجتياح عسكري مباشر، وخلق ضغط داخلي على حزب الله عبر التأثير ببيئته الحاضنة، إضافة إلى إرباك الدولة اللبنانية وإظهار عجزها. ويرى أن هذه الممارسات تسعى لإضعاف موقع التفاوض لدى الجانب اللبناني، عبر تقويض عوامل القوة التي يستند إليها، فضلاً عن تعطيل الحياة الاقتصادية للسكان، وزيادة حالات النزوح الداخلي، بما يؤدي إلى تغييرات ديمغرافية داخلية تؤثر بالتماسك الاجتماعي في القرى الحدودية.
وتبعاً لذلك، يرى حلال أن "الهدنة المخترقة شكل جديد من أشكال الصراع، وإسرائيل تتعامل معها كحق لها في الضرب الاستباقي، فيما يعتبر حزب الله أن أي خرق يستوجب رداً للحفاظ على ما يسمّى ردع، وبالتالي، نحن أمام هدنة شكلية، وصراع منخفض الوتيرة في الميدان، ونموذج المنطقة الرمادية بين الحرب والسلم".
ويضيف: "إذا استمرّ هذا النمط، فإن هناك مخاطر أساسية، فالإسرائيلي يحاول التحكّم عن بعد عبر النار والإنذارات، وهذا يبقي احتمال الانزلاق إلى مواجهة واسعة قائماً خصوصاً إذا ما حصل خطأ بالحسابات". واختتم حلال بالقول: "إننا أمام وضع يُدار سياسياً وعسكرياً كحالة مفتوحة وليس كأزمة لها نهاية قريبة، علماً أن الحاسم الحقيقي يبقى في البيئة الإقليمية وليس في الجنوب، والنهاية مرتبطة بقرار سياسي كبير".

أخبار ذات صلة.
تصريحات للبرهان تثير مخاوف أطباء السودان
الشرق الأوسط
منذ 5 دقائق
قتيلان وجرحى في حادث دهس شرقي ألمانيا
العربي الجديد
منذ 27 دقيقة