عربي
كتب الصحافي الأميركي تيموثي نواه في موقع ذا نيو ريبابليك مقالاً تحليلياً لم يكتف فيه بنقد شركات التكنولوجيا الأميركية، بل فكك الرواية المؤسسة له من أسطورة "التكنولوجيا كتحرّر" إلى واقعها كمنظومة احتكارية مهووسة بالسلطة والربح.
تتبع نواه انقلاب نخبة التكنولوجيا من طليعة ثقافية تدّعي تمكين الأفراد إلى طبقة أوليغارشية تعيد إنتاج علاقات الهيمنة نفسها التي وعدت بتقويضها، بل وتذهب أبعد من ذلك عبر خطاب شبه ديني يقدّم الذكاء الاصطناعي كخلاص كوني، ويصوّر أي محاولة لتنظيمه عدواناً على "المستقبل" نفسه. النتيجة، كما جادل الكاتب، ليست مجرد انحراف أخلاقي، بل تحوّل بنيوي يجعل من هذه الشركات قوى سياسية واقتصادية تنازع الدولة سلطتها، وتتعامل مع الديمقراطية كعائق يجب تجاوزه.
هراء "المسيح الدجّال"
رأى الصحافي أن مؤرخي القرن الثاني والعشرين، في تتبعهم "صعود التكنوقراطية الأميركية من هواة غريبي الأطوار إلى أوليغارشيين مثيرين للقلق يحققون نبوءات فيليب كاي. ديك" (كاتب خيال علمي أميركي)، قد يحدّدون ذروة هذا المسار في أربع محاضرات ألقاها رئيس شركة بالانتير وأحد مؤسسي "باي بال"، بيتر ثيل (صافي ثروته: 29 مليار دولار)، في نادي الكومنولث في سان فرانسيسكو خلال سبتمبر/أيلول وأكتوبر/تشرين الأول 2025، وكان موضوعها: المسيح الدجّال.
في محاضرته قال ثيل: "في القرن السابع عشر والثامن عشر، كان المسيح الدجّال سيكون شخصية أشبه بعالم يقوم بكل أنواع العلوم الشريرة المجنونة". وأضاف: "في القرن الحادي والعشرين، المسيح الدجّال هو لودّي (أي معادٍ للتكنولوجيا) يريد إيقاف كل العلوم. إنه شخص مثل غريتا أو إليعازر". وغريتا هي غريتا تونبرغ الناشطة السويدية في قضايا تغيّر المناخ، فيما إليعازر هو إليعازر يودكوفسكي ناقد الذكاء الاصطناعي.
وبينما كان يتحدث، سار عشرات المحتجّين خارج القاعة، بعضهم مرتدياً أزياء تنكرية شيطانية، رافعين لافتات كُتب عليها: "النهاية قريبة / بالانتير هي الطريق / ثيل يقود المسار".
وعلّق نواه بأن الصراع الطبقي "نادراً ما يبلغ هذا القدر من الاختلال؛ إذ إن البلوتوقراطية (نظام حكم تسيطر فيه الطبقة الثرية على السلطة السياسية والقرارات) الأميركية، رغم كل شيء، لا تميل عادة إلى تأطير مصالحها الاقتصادية كضرورة دينية. غير أن وادي السيليكون، حتى في أكثر مراحله براءة، كان ميّالاً إلى تضخيم ذاته، مبشّراً ليس فقط بتكنولوجيا جديدة، بل بقفزة في الوعي الإنساني. أما اليوم، فيصوغ أحد أبرز وجوه النخبة التكنوقراطية ازدهار التكنولوجيا المستقبلية كمعركة حرفية ضد عملاء الشيطان".
وبحسب الكاتب، فإن تصريحات ثيل لا تمثّل سوى التعبير الأكثر صراحة عن نزعة خلاصية تجاه الذكاء الاصطناعي باتت شائعة بين أباطرة التكنولوجيا. وأشار إلى أن "خطأ" ثيل تمثّل في إبقاء خطابه ضمن إطار ديني صريح، في حين عمد قادة آخرون إلى "علمنة" الرواية نفسها. تقوم هذه الرواية على تصور حرب قادمة بين "الخير" (الذكاء الاصطناعي) و"الشر" (التنظيم الحكومي). فإذا انتصر الذكاء الاصطناعي، سيشرق فجر "أورشليم جديدة" تُستبدل فيها القدرات البشرية بحواسيب متفوّقة تمثّل، مجازياً إن لم يكن حرفياً، عودة المسيح. ويُطلق التقنيون على هذه اللحظة اسم "التفرّد" singularity.
واستشهد نواه بقول عالم الرياضيات البريطاني إيرفينغ جون غود، في مقالة نشرت عام 1965، إن "أول آلة فائقة الذكاء ستكون آخر اختراع يحتاج الإنسان إلى صنعه"، وهو طرح يقود إلى اعتبار أي محاولة لإبطاء تطوير الذكاء الاصطناعي أو تنظيمه بمثابة اصطفاف مع "الوحش ذي الرؤوس السبعة"، أي تدخّل الدولة، أو حتى الديمقراطية نفسها في بعض الروايات الأكثر تطرفاً، ما يستدعي، ضمن هذا المنطق، إيقاف "المتدخلين" بأي ثمن.
وفي السياق نفسه، أشار الكاتب إلى "بيان التفاؤل التكنولوجي" الذي نشره المستثمر المغامر وأحد مؤسسي "نتسكيب"، مارك أندريسن (صافي ثروته: 1.9 مليار دولار)، في أكتوبر/تشرين الأول 2023، حين كتب: "نؤمن بأن الذكاء الاصطناعي هو خيمياؤنا، حجر الفلاسفة الخاص بنا"، مستحضراً فكرة تحويل الرصاص إلى ذهب وإكسير الحياة الأبدية، قبل أن يضيف: "نؤمن بأن أي تباطؤ في الذكاء الاصطناعي سيكلف أرواحاً. الموت الذي كان يمكن منعه بواسطة الذكاء الاصطناعي الذي أعيق هو شكل من أشكال القتل". وأعلن أندريسن حرباً صريحة على مفاهيم مثل الاستدامة والمسؤولية الاجتماعية وإدارة المخاطر وأخلاقيات التكنولوجيا، واعتبرها جزءاً من "حملة إحباط جماعية… ضد التكنولوجيا وضد الحياة".
تجدر الإشارة إلى أن شركة أندريسن هورويتز تدير أصولاً تُقدَّر بنحو 90 مليار دولار. وبعد أن كان جامع تبرعات بارزاً للحزب الديمقراطي، أنفق عام 2024 نحو 5.5 ملايين دولار لدعم انتخاب دونالد ترامب، كما ساعد إيلون ماسك في تجنيد موظفين لإدارة "كفاءة الحكومة" (DOGE).
حين كانت الحواسيب مرادفاً للحرية
كتب تيموثي نواه أن فكرة "تحرير البشر عبر التكنولوجيا" لم تكن يوماً بعيدة عن الخيال الطوباوي الذي رافق بدايات الحاسوب الشخصي. فعام 1972 بشّر الكاتب ستيوارت براند، في مجلة رولينغ ستون، بوصول الحواسيب إلى الناس، ووصف ذلك بأنه "أفضل خبر منذ المخدرات المهلوسة"، في وقت كانت فيه الحواسيب لا تزال حكراً على الحكومات والشركات الكبرى.
أوضح نواه أن هذه الرؤية خرجت من قلب الثقافة المضادّة في الولايات المتحدة. إذ كان ستيوارت براند جزءاً من الدائرة المحيطة بالروائي كين كيسي، قبل أن يؤسّس Whole Earth Catalog، وهو دليل واسع الانتشار للحياة البديلة. ووصفه لاحقاً ستيف جوبز بأنه "نسخة ورقية من غوغل قبل ظهوره بعقود". في تلك المرحلة، كان يُنظر إلى الحاسوب الشخصي بوصفه أداةً لتحرير الفرد وتعزيز استقلاله، لا وسيلة للسيطرة عليه.
لكن هذه الرواية، كما أوضح نواه، متناقضة منذ البداية؛ إذ نشأت داخل مؤسسات رسمية، في مختبرات ممولة من وكالة ARPA التابعة للبنتاغون، في وقت كانت فيه الثقافة المضادّة تعادي الدولة. ومع ذلك، استمر الاعتقاد بأن التكنولوجيا يمكن أن تكون قوة ديمقراطية، وهو ما عزّزته لاحقاً نماذج مثل "ويكيبيديا" والبرمجيات مفتوحة المصدر. في المقابل، نقل نواه رؤية أكثر تشاؤماً عن مخترع شبكة الويب العالمية تيم بيرنرز-لي الذي يرى أن الإنترنت انزلق نحو تركّز السلطة في عدد محدود من المنصات التي تجمع البيانات وتخدم مصالح تجارية، وأحياناً سلطوية، على حساب المستخدمين. وتذهب الصحافية الأميركية كارا سويشر أبعد من ذلك، فبالنسبة إليها لم يكن هذا المشروع يوماً ليبرالياً بقدر ما كان، في جوهره، تعبيراً عن منطق رأسمالي.
وخلص نواه إلى أن ما بدأ كمشروع تحرّري خرج من رحم ثقافة التمرّد، سرعان ما اندمج في منطق السوق، بل وتواطأ معه منذ البداية، لتتحول التكنولوجيا من وعد بتفكيك السلطة إلى أداة لإعادة إنتاجها، وإن بصيغ أكثر حداثة.
نحو الاحتكار
صعود شركات التكنولوجيا إلى موقع الاحتكار لم يواجه رقابة جدية من واشنطن، ومرد ذلك جزئياً إلى ضعف فهم السياسيين لهذا القطاع، باستثناء محدود تمثّل في قضية مكافحة الاحتكار ضد "مايكروسوفت". لكن التحوّل الأهم جاء مع القسم 230 من قانون آداب الاتصالات عام 1996، الذي منح المنصات حصانة قانونية وأسهم في فتح الباب أمام انتشار واسع للمعلومات المضللة.
قال نواه إن هذه "التجربة"، أي منح مليارات المستخدمين منصة للنشر، انتهت عملياً بالفشل، مشيراً إلى أن إلغاء هذا القانون قد يقوّض وسائل التواصل الاجتماعي بصيغتها الحالية، لكنه احتمال ضعيف في ظل نفوذ شخصيات مثل إيلون ماسك ومارك زوكربيرغ.
وعرض مثالاً على ذلك من شركة ميتا، حيث قدّم زوكربيرغ خطاباً يروّج لفكرة "لا مركزية السلطة"، بينما تُظهر الوقائع، من انتشار حسابات المستخدمين القاصرين إلى تجاهل أضرار "فلاتر الجمال"، تناقضاً واضحاً بين الخطاب والممارسة. فجزء من إيرادات الشركة يأتي من إعلانات احتيالية، في نموذج يوازن بين الربح وضبط الانتهاكات بدل منعها بالكامل.
وفي السياق نفسه، أشار نواه إلى أن منصات أخرى، مثل "إكس"، فتحت المجال أمام محتوى مزيّف وخطر. وأوضح أن شركات التكنولوجيا تسعى إلى جعل خدماتها سهلة وسريعة الاستخدام قدر الإمكان، حتى لو أدى ذلك إلى تقليل الرقابة وفتح الباب أمام الإساءة والاستغلال. وأبرز مثال "آبل" التي تتهمها دعوى قضائية بأن نظامها يمنح مستوى عالياً جداً من الخصوصية، ما قد يجعله بيئة مناسبة لاستخدامات غير قانونية.
واستعان الصحافي بمفهوم "التدهور القذر" (enshittification) الذي صاغه الكاتب والصحافي الكندي كوري دوكتورو، لوصف مسار المنصات؛ تبدأ بخدمة المستخدم بكفاءة، ثم تتحوّل تدريجياً إلى استغلاله لمصلحة المعلنين، قبل أن تنتهي إلى استغلال الجميع من أجل تعظيم أرباحها. هكذا، تحولت التكنولوجيا، التي انطلقت بوصفها أداة لتمكين الأفراد، تدريجياً إلى منظومة تُمكّن أشكالاً جديدة من "الافتراس"، بل وتمارسها بنفسها.
شركات التكنولوجيا من كراهية الحكومة إلى أن تصبح الحكومة
لفت تيموثي نواه أن تحوّل شركات التكنولوجيا لم يكن فجائياً، بل جاء تدريجياً مع تضخّم ثرواتها ونفوذها. النجاح المستمر جعل أصحاب هذه الشركات يعتقدون أن كل ما يحدث لهم هو نتيجة عبقريتهم. وعبّر بيتر ثيل مبكراً عن هذا المنطق حين قال إن الحرية والديمقراطية قد لا تكونان متوافقتين، واعتبر لاحقاً أن الاحتكار هو الحالة الطبيعية لأي عمل ناجح.
العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين شكّل نقطة التحول، إذ انتقلت شركات مثل "أمازون" و"غوغل" من خطاب "الخدمة العامة" إلى التركيز الصريح على أرباح المساهمين، بما في ذلك التهرّب الضريبي وتفكيك الشعارات الأخلاقية مثل "لا تكن شريراً" الذي رفعته في بداياتها.
ومع هذا التحول، راكمت هذه الشركات نفوذاً هائلاً جعلها تؤثر في كيفية التسوّق والمعرفة والتواصل، ما جعلها "سلطة حكم فعلية". ولم يعد الأمر مقتصراً على التأثير، بل امتد إلى علاقات مالية مباشرة مع الدولة عبر عقود بمليارات الدولارات، من "بالانتير" إلى "مايكروسوفت"، وصولاً إلى خدمات "أمازون ويب سيرفيسز".
وأبرز "بالانتير" بوصفها المثال الأكثر إثارة للقلق، إذ تُستخدم تقنياتها في مجالات المراقبة والترحيل، ما أثار تحذيرات من منظمة العفو الدولية. ورغم نفي الشركة، فإن تصريحات مديرها التنفيذي أليكس كارب، حول "إخافة الأعداء، وأحياناً قتلهم"، تكشف طبيعة الدور الذي باتت تلعبه.
ورأى نواه أن هذا الانزلاق تسارع بفعل ثلاثة عوامل خلال رئاسة جو بايدن: صعود لينا خان كمحاولة لضبط الاحتكار، وإطلاق "تشات جي بي تي" الذي استهل سباقاً محموماً في قطاع الذكاء الاصطناعي، ثم عودة دونالد ترامب الذي خفّف القيود التنظيمية إلى البيت الأبيض.
في هذا السياق، لفت نواه إلى غياب إطار قانوني أميركي شامل ينظم الذكاء الاصطناعي، مقابل تقدّم أوروبي في هذا المجال، وحذر من مخاطر عدة تشمل الخصوصية، والأضرار القانونية، والحروب المؤتمتة، وفقدان الوظائف... ونبّه إلى أن تنظيم هذا القطاع لن يكون مهمة تقنية فحسب، بل مواجهة مباشرة مع طبقة من الأثرياء أقل التزاماً بالديمقراطية من أسلافها.

أخبار ذات صلة.
مسلسل "العقيلات"... تعثر منذ البداية
العربي الجديد
منذ 38 دقيقة