عربي
بمجرّد طي صفحة الحرب الراهنة، سيقف لبنان أمام تداعياتها الاجتماعيّة والاقتصاديّة الشائكة، بما في ذلك حجم الأضرار الماديّة ومستوى الانكماش في النشاط الاقتصادي والتدهور الذي طرأ على البنية التحتيّة، كما سيشمل ذلك كلفة التعامل مع أزمة النازحين، من أصحاب البيوت المدمّرة، غير القادرين على العودة إلى مناطق سكنهم. وبعد انتهاء العدوان الإسرائيلي، من المفترض أن تباشر الدولة بوضع تصوّراتها لكيفيّة التعامل مع هذا الوضع، بالاعتماد على ما يمكن تحصيله من دعم مالي خارجي.
لكن على المدى الأبعد، ستبرز نتائج الحرب على مستوى آخر لا يقل حساسيّة، لجهة التعقيدات المُستجدّة التي ستحيط بمسار التعافي المالي. فمنذ العام 2025، كانت السلطات اللبنانيّة قد بدأت بوضع خطط ومشاريع قوانين، لمعالجة الانهيار الاقتصادي الذي عاشته البلاد على مدى السنوات الستّ الماضية، بأبعاده النقديّة والمصرفيّة والماليّة.
وكان من المفترض أن تمهّد هذه الخطوة لإعادة الانتظام لماليّة الدولة والقطاع المصرفي والسياسة النقديّة، غير أنّ الحرب التي داهمت البلاد من بداية شهر آذار/مارس، خلطت الأوراق وبدّلت المشهد. سريعاً ما ظهرت تداعيات الحرب، على جميع المؤشّرات النقديّة. فلغاية أواخر شهر آذار/مارس، كان مصرف لبنان المركزي قد خسر ما يقارب 538 مليون دولار، مقارنة بأرقام منتصف شهر شباط/فبراير.
وجاء هذا الاستنزاف بفعل ضغط الطلب على الدولار، لتمويل الزيادة في كلفة الاستيراد، بفعل ارتفاع أسعار النفط والشحن، فضلاً عن ارتفاع حجم الاستهلاك الداخلي للتموين. وكما هو معلوم، تمثّل احتياطات العملات الأجنبيّة في مصرف لبنان أهم مصادر السيولة المتبقية في النظام المصرفي اللبناني، التي سيجري استعمالها لضمان تسديد أقصى حدّ ممكن من كلّ وديعة، وفقاً لمشروع قانون الانتظام المالي الذي سيعيد هيكلة القطاع. وبهذا المعنى، فإنّ كل استنزاف في حجم هذه الاحتياطات سيؤثّر حتماً، وعلى نحوٍ سلبيّ، على الخطط الموضوعة سابقاً لمعالجة الأزمة المصرفيّة. ومن البديهي الإشارة إلى أنّ الحكومة ستحتاج إلى إعادة النظر في هذه الخطط خلال المرحلة المقبلة، لتأخذ ما استجدّ اليوم بالاعتبار.
إلّا أنّ التداعيات النقديّة لن تنتهي بانتهاء الحرب. فخلال الفترة المقبلة، سيعاني لبنان من تزايد العجز في ميزان المدفوعات، نتيجةً للضغوط التضخميّة الخارجيّة، كما سيعاني من تراجع التحويلات الواردة من المغتربين اللبنانيين في بعض دول الخليج، تماماً كما حصل سابقاً في فترة تفشّي وباء كورونا، بفعل تداعيات الحرب الإقليميّة على النشاط الاقتصادي في تلك الدول. مع الإشارة إلى أنّ البنك الدولي كان قد خفّض توقعاته لنمو دول مجلس التعاون الخليجي، بمقدار 3.1 نقاط مئويّة، بسبب آثار الحرب الإقليميّة.
وللحرب أيضاً تداعيات أخرى على أرقام مصرف لبنان. فالمصرف سجّل تراجعاً في قيمة احتياطات الذهب في ميزانيّته، بمقدار 5.63 مليارات دولار خلال شهر آذار/مارس، ما أفضى إلى زيادة حجم الفجوة في تلك الميزانيّة. وجاء هذا التراجع نتيجةً لانخفاض أسعار الذهب في الأسواق العالميّة، إذ أدّت صدمة أسعار النفط وارتفاع عوائد الأصول المدولرة إلى تراجع جاذبيّة الذهب بالنسبة للمستثمرين. وفي جميع الحالات، كانت النتيجة هنا المزيد من الانخفاض في ملاءة المصرف المركزي في لبنان.
وتراجع الملاءة يُفترض أن يخفّض حجم الالتزامات التي يمكن تحمّلها أو الإبقاء عليها في المستقبل، في ميزانيّة المصرف المركزي، ما سينعكس مجدداً على الخطط الموضوعة للتعامل مع الأزمة المصرفيّة. وفي الوقت الراهن، باتت قيمة احتياطات الذهب المسجّلة في ميزانيّة المصرف المركزي تقترب من 42.12 مليار دولار، كما في نهاية شهر آذار/مارس. قبل اندلاع الحرب الراهنة، كانت وزارة الماليّة تعمل على خطّة لخمس سنوات مقبلة، كإطار مالي متوسّط الأجل، لرصد وضبط الإيرادات والنفقات العامّة.
وكانت الوزارة تطمح للاستفادة من الزيادة التي جرى تحقيقها بنسبة 25 بالمئة، في الإيرادات العامّة عام 2025، لتحقيق التوازن المالي والتخلّص من العجز في الميزانيّة العامّة. وعلى هذا الأساس، كان من الممكن الانطلاق في المفاوضات مع حملة سندات اليوروبوند، لإعادة هيكلة الدين العام. لكنّ الأمور تغيّرت بفعل الحرب.
فتراجع حجم النشاط الاقتصادي أدّى تلقائياً إلى انكماش الإيرادات العامّة التي يجري تحصيلها، ما فرض انخفاضات غير متوقعة في السيولة الموجودة في حسابات القطاع العام. وخلال النصف الثاني من شهر آذار/مارس وحده، هبطت قيمة هذه الحسابات بنحو 75 مليون دولار، ما يشير إلى مستوى الضغوط التي تواجهها الماليّة العامّة حالياً.
حتّى بعد انتهاء الحرب، من المتوقّع أن يعاني لبنان هذه السنة من انكماش يتراوح ما بين 12 و16 بالمئة من الناتج المحلّي الإجمالي، وفقاً لتقديرات معهد التمويل الدولي، ما سيفرض تراجعاً في حجم الإيرادات العامّة بنسبة مشابهة. وفي المقابل، من المرتقب أن تتحمّل الدولة اللبنانيّة أعباءً متزايدة، للتعامل مع الأضرار التي ستخلّفها هذه الحرب.
وبهذا الشكل، ستواجه وزارة الماليّة تحديات كبيرة، عند محاولة الحفاظ على التوازن المالي المنشود في الميزانيّة العامّة، ما سيفرض إعادة النظر في الإطار المالي المتوسّط الأجل الذي عملت عليه الوزارة. في واقع الأمر، كانت الأسواق الماليّة قد قرأت هذه التطوّرات على نحوٍ دقيق، إذ تراجعت القيمة السوقيّة لسندات اليوروبوند بنسبة 23 بالمئة، منذ بداية الحرب.
وبحسب مصرف "غولدمان ساكس" الاستثماري الأميركي، ارتبط تراجع الأسعار بتوقّع المستثمرين المزيد من الصعوبات، على صعيد الإصلاحات الماليّة المطلوبة لإعادة هيكلة القطاع المصرفي، فضلاً عن ترقّبهم تأخيراً إضافياً في عمليّة التفاوض على إعادة هيكلة السندات السياديّة. أمّا بالنسبة إلى سعر الصرف، فالمصرف المركزي ما زال يحتفظ بالقدرة على حماية الاستقرار النقدي السائد حالياً، بالاستفادة من احتياطات العملات الأجنبيّة الموجودة لديه.
غير أنّ استمرار ضغط الطلب على الدولار قد يفرض على المصرف إعادة النظر في سياسة سعر الصرف الثابت، كي لا يضطر لتبديد المزيد من الاحتياطات في إطار الدفاع عن سعر الصرف. وهذا ما سيستلزم طبعاً وضع سياسة نقديّة جديدة، قائمة على سعر صرف مرن ومُدار بشكل مدروس. أخيراً، من المبكر الآن تحديد جميع التداعيات المتوقعة لهذه الحرب، على الصعيدَين الاقتصادي والمالي. إلا أنّ جميع المؤشّرات الأولويّة توحي بأنّ لبنان تلقّى صدمة ستؤخّر مسار التعافي المالي المُنتظر.
وأثر الحرب لا يُفترض أن يُقاس بالأضرار الماديّة وحدها، بل أيضاً بما ستحدثه من تآكل في الإيرادات وإضعاف لقدرة الدولة على تمويل الخدمات الأساسيّة والنهوض بالاقتصاد المحلّي. وسيكون علينا ترقّب أمد واتساع وحدّة الحرب خلال الفترة المقبلة، لتبيان كامل نتائجها على هذه الصعد.

أخبار ذات صلة.
دوغلاس لويز يتحول إلى صداع ليوفنتوس
الشرق الأوسط
منذ 9 دقائق
تضارب حول تخلي فصيلين عراقيين عن سلاحهما
الشرق الأوسط
منذ 10 دقائق