لا يمثلُ اغتيالُ الدُّكتور عبدالرَّحمن الشَّاعر في عدن حدثاً عارضاً أو مجرَّد فعلٍ جنائيٍّ، بل يعدُّ محاولةً لإعادة إنتاج مرحلةٍ سابقة سادتها جرائم الاغتيالات السِّاسيَّة الموجَّهة ضدَّ قيادات وفاعلي الإصلاح في عدن، وهي مرحلةٌ اتَّسمت بالسُّوداويَّة، وقدمَّت خدمةً مجَّانيَّةً ومدفوعة لمشاريع التَّمزيق والتَّشظِّي بمختلف لافتاتها ومبرِّراتها، والتي تصبُّ في النِّهاية في مشروع تخريبيٍّ يستهدف اليمن ككل، ويسعى لزعزعة استقراره وتحويله لمنطقة فوضى تتيح التَّواجد والعمل لمشاريع وأجندة مشبوهة يتعدَّى ضررها اليمن إلى شقيقتها السُّعوديَّة وبقية دول الإقليم.
إنَّ وجود دولةٍ شرعيَّةٍ تبسط هيمنتها على الأرض وتمارس دورها الكامل يعدُّ كابوساً مرعباً للمشاريع الدَّخيلة التي تنبت وتطول في ظلِّ الأوضاع غير المستقرَّة، ومن هنا كانت قيادات الإصلاح في صفِّ الاستهداف الأوَّل، فهو حزب سياسيّ يمتلك موقفاً واضحاً في مسألة تفعيل مؤسَّسات الدَّولة، ويمثِّل قوَّة وازنة في كفَّة الشَّرعيَّة، وفي صفِّ الوطن الجامع البعيد عن الكانتونات التي تفرِّق وتمزِّق وتفشِّل، ولأجل هذا الموقف الصَّريح دفع الحزب ضريبةً ثقيلةً سواءً في صنعاء أو عدن، وإن بدأ ظاهراً أنَّ المنفِّذين مختلفون فالمشروع الهدَّام واحد، والمستفيدون يتخادمون ويتنادمون، وإن أظهروا غير ذلك.
من يتم اغتيالهم وآخرهم الدُّكتور عبدالرَّحمن الشَّاعر -رحمه الله- ليسوا قياداتٍ سياسيَّةً في الإصلاح وفقط، بل هم شخصيات أكاديميَّة واجتماعيَّة وتربويَّة يعملون في مؤسَّساتٍ خدميَّة وقطاعات متنوِّعة، وهو ما يعني أنَّ المتضرِّر ليس الحزب وأسر الضَّحايا فقط، لكنَّ الوطن ومؤسَّساته المختلفة تفقد هذه القدرات التي تعدُّ من روافع عمليَّة البناء والتَّنمية في مجالات عملها، والخسارة تمتدُّ لتشمل المجتمع ككل، والجرمُ أكبرُ وأشملُ وأخطرُ من مجرَّد اغتيالٍ سياسيٍّ وإزهاق روحٍ بريئةٍ، والاستهداف يشمل الوطن وقدراته البشريَّة.
هذا الاستنزاف الذي يوقظ مضاجعنا كيمنيِّين يحتمُّ على الحكومة الشَّرعيَّة وبما تحظى به من دعمٍ ومساندةٍ من الأشقَّاء في السُّعوديَّة استكمال عمليَّة بسط هيبة الدَّولة، والبعد عن سياسة المراضاة لأيِّ طرفٍ أو مكوِّن، وضبط المشهد الأمنيِّ وخاصَّةً في العاصمة المؤقَّتة عدن عبر إحداث تغييرات حقيقيَّة وفاعلة لا تشمل إعادة التَّدوير، ولا غضَّ الطَّرف عن مرتكبي الانتهاكات، بالإضافة إلى تفعيل المحاسبة لمن سبق تورُّطهم في جرائم أو انتهاكات سابقة، مالم يحدث ذلك ستظلُّ المأساة مفتوحةً والوجع يتجدَّد.
الخلود والرَّحمة لروح الدُّكتور عبدالرَّحمن الشَّاعر وكلِّ شهداء الوطن، وتعازينا لأسرته ومحبِّيه وزملائه داخل الإصلاح وخارجه.
دمتم سالمين.