تطرح جريمة اغتيال القيادي في حزب التجمع اليمني للإصلاح، الدكتور عبدالرحمن الشاعر، على يد مسلحين مجهولين في محافظة عدن يوم السبت 25 أبريل 2026، تساؤلات واسعة حول ما إذا كانت الأجهزة الأمنية في المحافظة قادرة على القيام بدورها، والوصول إلى المنفذين وتسليمهم إلى القضاء، أم أن سياسة الإفلات من العقاب ستستمر، بما يشجع الجهات التي تقف خلف أعمال العنف والإرهاب على العودة إلى هذا النهج كما حدث في السنوات الماضية.
وقد أثارت هذه الجريمة صدى واسعا وتعاطفا كبيرا مع أسرة الضحية، ومع حزب الإصلاح الذي ينتمي إليه، باعتباره من أكثر الأطراف تعرضا لعمليات الاغتيال والإرهاب الممنهج.
وأكدت الحكومة، على لسان وزير الإعلام معمر الإرياني، وكذلك السلطة المحلية في المحافظة، أن هذه الجريمة لن تمر دون عقاب، وأن الأجهزة المعنية ستتولى تعقب الفاعلين وضبطهم والتحقيق معهم للوصول إلى الجهات التي تقف خلفهم، وإحالتهم إلى القضاء لينالوا جزاءهم الرادع.
تصريحات رسمية مقابل اختبار القدرة الفعلية
وعلى الرغم من أن هذه المواقف تعكس استشعارًا بالمسؤولية، إلا أن السؤال لا يتعلق بالتصريحات الرسمية أو التوجيهات للأجهزة الأمنية بالقيام بواجبها، بل بما هو أهم، وهو القدرة الفعلية على الوصول إلى المتهمين، وتقديمهم إلى القضاء لمحاكمتهم، وإطلاع الرأي العام على نتائج التحقيق، أو أن يتم تحديد سقف محدود للقضية وتنتهي دون نتائج واضحة.
وفي هذا السياق، فإن اعتراف الحكومة بخطورة هذه الجريمة، وتجاوزها لشخص الضحية والجهة التي ينتمي إليها إلى مسؤولية الدولة والقانون وهيبتهما في حماية المواطنين، كما جاء في تصريح الإرياني، يعني أن المطلوب هو تسريع الجهود الأمنية، وكشف كافة خيوط الجريمة، بما في ذلك الجهات التي تقف خلفها تخطيطًا وتمويلًا ودعمًا، والأهداف التي تسعى لتحقيقها، لإيصال رسالة واضحة بأن الدولة لن تسمح بتكرار نموذج سنوات العنف والإرهاب، ولن تقبل باستمرار الإفلات من العقاب، وأن إنصاف الضحايا قد بدأ ولن يتوقف.
وفي هذا الإطار، تؤكد المحامية هدى الصراري أن اغتيال عبدالرحمن الشاعر "ليس حادثة عابرة يمكن تجاوزها أو التعامل معها كخبر يومي"، بل جريمة تعيد فتح ملف الاغتيالات بكل ما يحمله من أسئلة مقلقة حول الجهات التي تعبث بأمن عدن، وأسباب استمرار الإفلات من العقاب حتى اليوم.
الإفلات من العقاب يعمق الأزمة
وتشير الصراري في تصريح عبر حسابها على منصة تويتر إلى أن هذا الانفلات كان يُعزى في السابق إلى سوء الوضع الأمني وهيمنة أطراف بعينها على الأجهزة الأمنية، مع اتهامات طالت جهات يفترض بها مكافحة الإرهاب، لكنها ارتبطت في الوعي العام بوقائع اغتيال لم يتم التحقيق الجاد فيها، رغم وضوح نمطها وتكراره، بل ووصول بعض الجرائم إلى حد التوثيق دون أن يؤدي ذلك إلى محاسبة الجناة.
وتطرح الناشطة الحقوقية "تساؤلات مباشرة: ما الذي يبرر استمرار هذا السيناريو حتى اليوم رغم الحديث عن تغيّر الظروف؟ ولماذا لا يتم الوصول إلى الجناة؟ وأين تقف المؤسسات الأمنية من مسؤوليتها في حماية المدنيين، خصوصا الكوادر التعليمية والإنسانية؟".
وتشدد على أن الاكتفاء ببيانات الإدانة لم يعد مقبولا، وأن المطلوب تحقيق شفاف وجاد يكشف المنفذين والجهات التي تقف وراءهم، ويضع حدًا لدوامة الإفلات من العقاب التي شجعت على تكرار هذه الجرائم، محذرة من أن استمرار هذا الوضع يبعث برسالة خطيرة مفادها أن المنظومة القائمة عاجزة أو غير راغبة في فرض القانون.
العدالة مفتاح استعادة ثقة المواطنين
وبقدر ما تمثل هذه الحادثة اختبارا حقيقيا وعمليا لقدرة الدولة على التعامل معها بجدية وحزم وفقا للقانون، فإنها في الوقت ذاته تمثل اختبارا مماثلا للسلطة المحلية في المحافظة في التعامل الصارم مع أولئك الذين يستهدفون الأمن والاستقرار، ويسعون لإعادة المحافظة إلى زمن الفوضى، وتقويض جهود تطبيع الحياة التي تحققت خلال الفترة الماضية.
وفي هذا السياق، يتطلع المواطنون بفارغ الصبر إلى نتائج جهود الأجهزة الأمنية في الوصول إلى منفذي هذه الجريمة، وإحالتهم إلى القضاء، ومحاكمتهم، وصدور الأحكام المناسبة بحقهم، فهذه الخطوة وحدها كفيلة بطمأنتهم، وإشعارهم بأن الحكومة معنية بحماية أمنهم واستقرارهم، وأن يد الغدر والإرهاب لن تطالهم مجددا.
كما أن هذه الجهود يُفترض أن تراعي تصحيح المسار الأمني، واستيعاب أخطاء الماضي، ومعالجة الثغرات التي أعاقت الأجهزة عن القيام بواجبها على أكمل وجه. وبالتوازي مع ذلك، تفرض هذه الواقعة على الحكومة ومجلس القيادة الرئاسي مراجعة شاملة للملف الأمني والاستخباراتي، باعتباره مفتاح الاستقرار والأمن، على أن يبدأ هذا التصحيح من إعادة النظر في التعيينات داخل الوحدات الأمنية والاستخباراتية المعنية بمكافحة الإرهاب، خاصة تلك التي ثبت ارتباطها أو تقصيرها أو تواطؤها خلال السنوات الماضية في قضايا اغتيالات، بحيث تُسند قيادة هذه الأجهزة إلى شخصيات كفؤة تتحلى بالنزاهة والالتزام بالقانون والنظام والدستور.
وعلى ضوء النتائج التي سيتم التوصل إليها في حادثة اغتيال الشاعر، سيتضح ما إذا كانت التغييرات التي حدثت منذ يناير بما في ذلك تشكيل الحكومة الجديدة، تسير في اتجاه تعزيز الأمن والاستقرار وترسيخ سلطة الدولة، أم أن هذا المسار لا يزال هشا ويتطلب إعادة النظر في الجهات التي تضطلع بمهام أمنية واستخباراتية، ومحاسبتها، واتخاذ القرارات المناسبة بشأنها.
ولا شك أن النجاح في ضبط المتهمين باغتيال الشاعر، وإحالتهم إلى القضاء، سيحمل رسالة مزدوجة؛ رسالة للضحايا بأن بإمكانهم التعويل على القانون لإنصافهم، ورسالة للجهات التي تراهن على العنف والإرهاب لتحقيق أجنداتها السياسية بأن هذا النهج لم يعد مجديًا، وأن الظروف التي سمحت به في السنوات الماضية قد انتهت، وأن الدولة لن تتسامح مع أي محاولات للعبث بالأمن والاستقرار.
كما أن استهداف شخصية مدنية وتربوية بارزة تركت بصمتها في مجال التعليم لعقود، ومشهود لها بالنزاهة والكفاءة، لا يضرب فقط القطاع التعليمي، بل يمتد أثره إلى الجوانب الاقتصادية والاستثمارية والأمنية، ويقوض جهود الحكومة في ترسيخ سيادة القانون بعد سنوات من الفوضى وسيطرة المليشيات المدعومة من الخارج.
وفي المحصلة، تبقى الأنظار موجهة إلى الأجهزة الأمنية، وما ستسفر عنه جهودها في كشف خيوط الجريمة، وإعلان نتائج التحقيق بشفافية، والأهم من ذلك إحالة المسؤولين عنها إلى القضاء، ليقول كلمته، وعندها فقط، يمكن للمواطن أن يشعر بالاطمئنان على حياته ومستقبله أو يزداد قلقه.