الشرق الأوسط الجديد... بين أوهام الهيمنة وبسالة المقاومة
عربي
منذ 5 أيام
مشاركة
في كل مرة تتصاعد فيها التصريحات الإسرائيلية حول "إعادة رسم ملامح الشرق الأوسط"، يعود إلى الذاكرة ذلك التعبير الذي استخدمته وزيرة الخارجية الأميركية السابقة كونداليزا رايس حين تحدثت عن "الشرق الأوسط الجديد"، في خضم حرب يوليو/تموز 2006. يومها، قُدم المفهوم بوصفه تحولاً تاريخياً ناتجاً عن “مخاض عسير”، في محاولة لإضفاء طابع حتمي على عملية إعادة تشكيل المنطقة سياسياً وأمنياً. واليوم، تعود اللغة ذاتها تقريباً على لسان رئيس الوزراء الإسرائيلي، ولكن في سياق أكثر دموية واتساعاً، إذ تُطرح هذه الرؤية على وقع حرب مفتوحة على قطاع غزة وتصعيد إقليمي غير مسبوق. غير أن الربط بين هذه التصريحات لا ينبغي أن يُختزل في سرديات تبسيطية، أو نظريات مؤامرة جاهزة، كما هو شائع في الخطاب السياسي العربي. فليست فكرة "إعادة ترتيب الشرق الأوسط" خطة سرية محكمة بقدر ما هي تعبير عن مصالح متغيرة لقوى دولية وإقليمية، تسعى إلى إعادة ترتيب موازين القوى بما يخدم هيمنتها. هذا لا ينفي وجود مشاريع سياسية واضحة، لكنه يضعها في سياقها الواقعي: صراع على النفوذ، وليس سيناريو مغلقًا يُدار من غرفة واحدة. ضمن هذا الإطار، من الضروري أيضًا تفنيد الربط التعسفي بين هذه المشاريع وبين ثورات الربيع العربي. فقد جرى، على مدى سنوات، تحميل تلك الثورات مسؤولية "تفكيك الدول" أو "تمهيد الطريق" لمخططات خارجية، في قراءة تتجاهل جذورها الاجتماعية والسياسية العميقة. لم يكن الربيع العربي نتاج إرادة خارجية، بل انفجاراً تاريخياً لتناقضات داخلية تراكمت لعقود: استبداد سياسي، فساد اقتصادي، وتهميش اجتماعي. صحيح أن هذه الثورات تعرضت لاحقاً للاحتواء والتشويه، وتداخلت معها تدخلات إقليمية ودولية، لكن ذلك لا يلغي طبيعتها الأصلية حراكاً شعبياً مشروعاً. إن الحديث عن "شرق أوسط جديد" يبقى، حتى الآن، أقرب إلى مشروع قيد الاختبار منه إلى واقع محسوم. فلا تزال هذه المنطقة، التي فشلت القوى الكبرى مراراً في إخضاعها الكامل، تنتج أنماطاً متعددةً من المقاومة والرفض في المقابل، تؤكد التصريحات الإسرائيلية الحالية أن ما يُطرح ليس مجرد خطاب إعلامي، بل رؤية استراتيجية تسعى إلى فرض وقائع جديدة على الأرض. إذ يتجسد الحديث عن "إعادة رسم المنطقة" عملياً، في محاولات كسر الإرادة الفلسطينية، وإعادة ترتيب العلاقة مع الدول العربية على قاعدة التطبيع القسري، وتكريس تفوق عسكري وسياسي طويل الأمد. غير أن هذه الرؤية تصطدم بواقع أكثر تعقيداً مما تفترضه الحسابات الإسرائيلية. يثبت التاريخ القريب أن مشاريع الهيمنة، مهما بدت قوية، تصطدم دائمًا بعوامل مقاومة لا يمكن تجاهلها، من لبنان إلى العراق، ومن قطاع غزة إلى الضفة الغربية، تتكرر معادلة أساسية: القوة العسكرية لا تكفي لحسم الصراع، والإرادة الشعبية قادرة على إعادة تكوين المعادلات. في الحالة الفلسطينية تحديداً، أظهرت المقاومة، رغم الفارق الهائل في الإمكانيات، قدرةً لافتةً على الصمود والمبادرة، ما جعلها لاعباً لا يمكن تجاوزه في أي رؤية لمستقبل المنطقة. وعليه، فإن الحديث عن "شرق أوسط جديد" يبقى، حتى الآن، أقرب إلى مشروع قيد الاختبار منه إلى واقع محسوم. فلا تزال هذه المنطقة، التي فشلت القوى الكبرى مراراً في إخضاعها الكامل، تنتج أنماطاً متعددةً من المقاومة والرفض، وتعيد خلط الأوراق في كل مرحلة. بينما تحاول إسرائيل فرض رؤيتها بالقوة، يظل العامل الحاسم هو قدرة الشعوب، وفي مقدمتها الشعب الفلسطيني، على الصمود وإفشال هذه المشاريع. في النهاية، قد تكون الخرائط قابلة لإعادة الرسم على الورق، لكن الوقائع على الأرض تُكتب بتوازنات أكثر تعقيداً. وفي هذا التوازن، لا تبدو المقاومة الفلسطينية مجرد ردة فعل، بل إنها عنصر فاعل قادر على تعطيل مشروع يسعى إلى إعادة ترتيب المنطقة وفق منطق الهيمنة، بل وهزيمته. ذلك أن التاريخ، في هذه البقعة من العالم، لا يُكتب بقرارات فوقية، بل بصراع مفتوح لم تُحسم نتائجه بعد.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية