عربي
دوّت أصواتُ طلقات مفاجئة داخل قاعة عشاء "جمعية مراسلي البيت الأبيض في واشنطن" (The White House Correspondents’ Dinner)، مساء السبت، ما أثار حالةً من الذعر بين مئات الحضور، ودفعهم إلى الارتماء أرضاً وسط مخاوف من إطلاق نار، في حادثةٍ قطعت واحدةً من أبرز المناسبات السنوية التي تجمع الصحافة والسياسة في الولايات المتحدة.
وكان دونالد ترامب حاضراً على المنصة لحظة وقوع الحادث، في عودته الأولى إلى العشاء بصفته رئيساً، بعدما قاطع هذا الحدث طوال ولايته الأولى. في خطوةٍ لافتة تعيد إحياء تقليدٍ دأب عليه معظم الرؤساء الأميركيين، يقوم على الظهور في هذه الأمسية التي تمزج بين السياسة والإعلام والسخرية.
ويُعدّ هذا العشاء المناسبة السنوية الأبرز لـ"جمعية مراسلي البيت الأبيض"، وهي منظمةٌ غير ربحية تضمّ صحافيي البيت الأبيض. نظّمت أول عشاء لها في عام 1920، ثم أصبح كالفن كوليدج أول رئيسٍ أميركي يحضره عام 1924.
وأُقيم عشاء 1924 في فندق "أولد أرلينغتون" (Old Arlington Hotel) بحضور نحو 50 ضيفاً فقط، في فعاليةٍ متواضعة مقارنةً بما تحوّل إليه الحدث لاحقاً، إذ بات يجمع نحو 3 آلاف من السياسيين والصحافيين والمشاهير في قاعة "فندق واشنطن هيلتون" (Washington Hilton).
في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، لم يكن الحضور يشاهدون نجوماً مثل تشارلي شابلن أو غروتشو ماركس يسخرون من كوليدج، المعروف بهدوئه، لكن الأمسيات كانت تتضمن الغناء بين الوجبات وعروضاً سينمائية وبرامج ترفيهية متزايدة الفخامة.
وخلال الحرب العالمية الثانية، اكتسب العشاء طابعاً أكثر جدية، إذ أدّت التقنينات إلى تبسيط الوجبات، واستُبدلت البدلات الرسمية بملابس أقل رسمية. وفي السنوات اللاحقة، ازدادت قيمة العروض الفنية، مع صعود نجوم مثل فرانك سيناترا وديوك إلينغتون وباربرا سترايسند إلى المسرح. ومع ذلك، لم تصبح العروض الكوميدية الارتجالية جزءاً ثابتاً من العشاء إلا عام 1983، خلال عهد رونالد ريغان.
وبينما تمرّ بعض دورات العشاء بهدوء وتُحفظ في أرشيف قناة C-SPAN، تتحوّل أخرى إلى لحظاتٍ فارقة تنتشر على نطاق واسع، سواء بسبب طرافتها أو حدّتها أو حتى الإحراج الذي تسبّبه.
ومن أبرز التحوّلات في تاريخ العشاء، ما حدث عام 1962، حين كان حضور العشاء سابقاً مقتصراً على الرجال فقط، رغم وجود عضوات في الرابطة يدفعن الاشتراكات نفسها. واحتجاجاً على ذلك، نظّم دان كيمبال، مساعد وزير البحرية الأميركية، عام 1950 فعاليةً خاصة للصحافيات المستبعدات. وفي عام 1962، وبضغط من الصحافية هيلين توماس، رفض الرئيس جون كينيدي حضور العشاء ما لم يُرفع الحظر عن النساء، وهو ما حصل لاحقاً. وفي عام 1975، أصبحت توماس أول امرأة تتولى رئاسة الرابطة.
وفي عام 1983، اختار رونالد ريغان التخلي عن الردّ الساخر على الكوميدي مارك راسل، رغم خفّة ظله المعروفة. يومها، قدّم راسل فقرةً معتدلة، لكن ريغان فاجأ الحضور حين رفض مجاراة الأجواء، موضحاً أنه عاد في اليوم نفسه من مراسم استقبال جثامين أميركيين قُتلوا في تفجير السفارة الأميركية في لبنان، معتبراً أن اللحظة لا تحتمل المزاح.
وفي محطةٍ أخرى، نشأت علاقةٌ لافتة بين الرئيس جورج بوش الأب والكوميدي دانا كارفي، الذي اشتهر بتقليده له في برنامج "ساترداي نايت لايف" (Saturday Night Live). ولم يكتفِ بوش بتقبّل السخرية، بل جلس إلى جانب كارفي في آخر عشاء له كرئيس عام 1992، قبل أن تتطوّر العلاقة بينهما إلى صداقة استمرّت حتى بعد خروجه من البيت الأبيض.
أما في عام 2004، فقد تحوّل العشاء إلى مساحة جدل حين سخر جورج بوش الابن من قضية أسلحة الدمار الشامل في العراق، عبر عرض صورٍ له وهو يبحث عنها داخل المكتب البيضاوي. ورغم ضحك الحضور، أثارت النكات استياء بعض الشخصيات، بينهم جون كيري، الذي كان منافسه في الانتخابات الرئاسية آنذاك.
وفي عام 2006، قدّم ستيفن كولبير واحدةً من أكثر الفقرات جرأة في تاريخ العشاء، موجّهاً انتقاداتٍ لاذعة للرئيس ووسائل الإعلام معاً، في خطابٍ ساخر كسر تقاليد المجاملة المعتادة، وترك بوش في موقفٍ بدا فيه غير مرتاح.
ومن اللحظات التي بقيت في الذاكرة، ما جرى عام 2011، حين استخدم باراك أوباما المنصة للسخرية مباشرةً من ترامب، الذي كان آنذاك شخصيةً إعلامية يقود حملة التشكيك بمكان ولادة أوباما. وقد عرض أوباما مقطعاً ساخراً من فيلم "ذا لايون كينغ" (The Lion King)، قبل أن يوجّه سلسلة نكات مباشرة لترامب الموجود في الحفل، في مشهدٍ التقطت فيه الكاميرات تعابير وجهه المتجهمة.
وخلال الولاية الأولى لترامب، كسر الأخير تقليد الحضور، لكنه ظلّ حاضراً في النكات. ففي عام 2018، قدّمت الكوميدية ميشيل وولف فقرةً هجومية استهدفته رغم غيابه، كما وجّهت انتقاداتٍ حادة للمتحدثة باسمه آنذاك سارة هاكابي ساندرز، ما أثار جدلاً واسعاً ودفع الجمعية إلى إصدار بيانٍ يذكّر بأن هدف العشاء هو الاحتفاء بحرية الصحافة بروحٍ من اللباقة، كما تَوقّف العشاء في عامي 2020 و2021 بسبب جائحة كورونا (COVID-19).
ويُظهر الموقع الرسمي لـ"جمعية مراسلي البيت الأبيض في واشنطن" أن العشاء هو المصدر المالي الرئيسي لتمويل عمل الجمعية والمنح الدراسية والجوائز الصحافية. وتُباع التذاكر رسمياً للمؤسسات الإعلامية التي لديها أعضاء في الجمعية، كما تُرسل التفاصيل للأعضاء قبل أشهر. ويُدعَى أيضاً الطلبة المستفيدون من المنح الدراسية إلى العشاء، إضافةً إلى غداءٍ خاص يُقام في اليوم السابق، فيما يجمع الحدث عملياً صحافيين ومسؤولين سياسيين ومساعدين في الإدارة ومشاهير ورجال أعمال. ويُقام العشاء في الربيع، غالباً في أواخر إبريل/نيسان، وهو توقيتٌ بات مرتبطاً بهذا الحدث عبر السنوات.

أخبار ذات صلة.
ورطة هرمز: كيف لدول الخليج أن تفك الخناق؟
france24
منذ 7 دقائق