عربي
في الآونة الأخيرة، بدأ عدد من النجوم في العالم العربي دخول مجال الإنتاج الفني بعد سنوات من الاكتفاء بالأدوار التمثيلية أو الغنائية. من أحدث هذه التجارب، تجربة الفنانة منى زكي التي دخلت عالم الإنتاج بشركتها "هير ستوري" (Her Story) من خلال فيلمها القصير "وحيداً"، الذي تناول قصة سيدة مسنّة تعاني من مرض الخرف.
هذا التحول يطرح تساؤلات عديدة عن دوافع الفنانين للإنتاج: هل هي رغبة في التحكم بالمحتوى الفني وامتلاك أدوات السرد والتأثير؟ أم سعي إلى تحقيق أرباح مادية أكبر في ظل تحولات الصناعة؟ ويثار سؤال موازٍ لا يقل أهمية عن تأثير هذا الاتجاه بنوعية المحتوى: هل قدم الفنانون أعمالاً مبتكرة تضيف إلى المشهد الفني، أم أعادوا إنتاج الأشكال السائدة بوجوه جديدة، من دون تجاوز حقيقي للمألوف؟
إلى جانب ذلك، لا يمكن إغفال الأبعاد الاقتصادية لتجربة الإنتاج الفني لجهة التكاليف المرتفعة والمخاطر المالية الكبيرة، مقابل الأرباح المحتملة إذا نجحت الأعمال وحققت انتشاراً جماهيرياً أو تسويقياً واسعاً. فالإنتاج يمثّل قراراً استثمارياً معقّداً يتطلب موازنة دقيقة بين الطموح الإبداعي والحسابات التجارية.
من الفنانين الذين خاضوا تجربة الإنتاج ولم يحققوا مكاسب تذكر، الفنانة إلهام شاهين، التي أنتجت ثلاثة أفلام، أولها "خلطة فوزية"، ثم "هز وسط البلد"، وآخر تجاربها الإنتاجية كان "يوم للستات"، الذي قدمته عام 2016، وقد شاركت في هذه التجارب الثلاث ممثلةً أيضاً، في محاولة للجمع بين الحضور الفني والإشراف الإنتاجي.
حول هذه التجارب، تقول إلهام شاهين في تصريحات خاصة لـ"العربي الجديد"، إن كثيرين يظنون أنها حققت مكاسب من وراء هذه الأعمال التي أنتجتها، لكن الحقيقة أن العكس هو الصحيح تماماً، فقد خسرت مبالغ كبيرة من المال، حتى إنها عانت بسبب هذه الأفلام من أزمات مالية حادة في تلك الفترة. يكشف هذا التصريح عن فجوة بين التصور العام لنجاح الفنان المنتج، والواقع الاقتصادي الذي قد يكون أقسى وأعقد.
وعن سبب تحمسها لخوض تجربة الإنتاج، أوضحت أن حبها العميق للسينما كان الدافع الأساسي لاتخاذ هذه الخطوة، مشيرة إلى أن الأفلام التي قدمتها كانت تعاني من غياب المنتج الذي يتبناها، ما دفعها إلى عدم الوقوف صامتة، وقرّرت أن تتولى بنفسها مسؤولية إنتاج هذه الأعمال، في موقف يعكس إيماناً بالدور الثقافي للفن، وليس بوظيفته التجارية فقط.
تشير إلهام شاهين إلى أن خطوة الإنتاج الفني ليست جديدة، إذ اتبعها نجوم مصريون كبار منذ عقود، فخاض التجربة عدد كبير من الفنانين مثل شادية، وفريد شوقي، ومديحة يسري، وماجدة، ويسرا، ومحمود ياسين، ونجلاء فتحي. وأوضحت أن بعض هؤلاء الفنانين لم يكتفوا بالإنتاج لأنفسهم فقط، بل أنتجوا أعمالاً لم يشاركوا فيها ممثلين، ما يشير إلى وعي مبكر بأهمية دور المنتج فاعلاً مستقلاً داخل الصناعة.
أكدت شاهين أنها لا تنكر أن الإنتاج مخاطرة كبيرة، خصوصاً في الوقت الحالي، في ظل تغيرات السوق وتعدد منصات العرض، مشددة على أنها لا تبحث عن الربح المادي بقدر ما تسعى لعدم تكبد خسائر فادحة، في محاولة لتحقيق توازن صعب بين الشغف والاستدامة المالية.
سبق أن أنتجت الممثلة يسرا فيلماً فقط في فترة التسعينيات، وهو "ضحك ولعب وجد وحب"، ولم تكرر التجربة بعد ذلك. توضح لـ"العربي الجديد" هذا القرار بقولها إنها شعرت آنذاك بضغط كبير، دفعها إلى عدم إعادة التجربة، مؤكدة أن ما تتحمله من ضغوط بوصفها ممثلةً يكفيها.
وأوضحت أن الإنتاج الفني عملية معقدة تقوم على حسابات دقيقة ولغة أرقام واتفاقات متعددة، وهي أمور لا تميل إليها، رغم إدراكها أن هناك تجارب إنتاجية ناجحة لفنانين آخرين، لكنها في النهاية قدرات تختلف من شخص لآخر، وهي لم تجد نفسها قادرة على الاستمرار فيها.
من ناحيتها، تقول الناقدة الفنية خيرية البشلاوي لـ"العربي الجديد"، إن دخول الممثلين مجال الإنتاج الفني يعود إلى سنوات طويلة، وليس ظاهرة حديثة، مؤكدة أن بعض المنتجين من الفنانين لا يكتفون بإنتاج أعمال لأنفسهم، بل يوسعون نشاطهم ليشمل إنتاج أعمال لغيرهم أيضاً، وقد لا يشاركون في التمثيل في تلك الأعمال من الأساس، ما يعكس تطوّراً في فهم دور الفنان داخل الصناعة.
تشير إلى أن هناك أمثلة عديدة لفنانين اكتفوا في بعض تجاربهم بالحضور منتجين فقط، مثل مديحة يسري، وشادية، وأنور وجدي، ما يعكس تنوع أشكال الحضور الفني بين الأداء والإدارة والإنتاج.
تقول البشلاوي إن دخول الفنان مجال الإنتاج أمر يتطلب امتلاك "عقلية تجارية" تدرك جيداً لغة السوق وآليات الربح والخسارة، مشيرة إلى أن كثيراً من الفنانين يستعينون بخبرات متخصصة لتجنب الوقوع في مخاطر غير محسوبة، ويلجأ بعضهم إلى الدخول في شراكات إنتاجية بنسب محددة، لتقليل حجم المجازفة وتوزيع المسؤوليات.
وقد سبق أن أكد الفنان محمد هنيدي، الذي خاض تجربة الإنتاج من خلال فيلمه "نبيل الجميل أخصائي تجميل"، أنه فضل دخول هذا المجال من بوابة الكوميديا، نظراً إلى خبرته فيها، معترفاً بتخوفه من خوض تجربة الإنتاج في أنواع فنية أخرى لا يمتلك فيها الثقة أو الخبرة نفسها.
بدورها، أكدت الفنانة هند صبري، في بيان صحافي سابق يتعلق بشركة الإنتاج التي دشنتها وتحمل اسم Salma brd، أن شركتها لن تلتزم بإنتاج أعمال سنوياً بانتظام، ولن تشارك في التمثيل في الأعمال التي ستتولى إنتاجها، موضحة في الوقت نفسه أنها لا تسعى للتحول إلى منتجة، لأنها في الأساس ممثلة، في إشارة إلى رغبتها في الحفاظ على هويتها الفنية الأساسية.
سبق أن خاضت الفنانة نجوى فؤاد أيضاً تجربة الإنتاج. وفي تصريحات لـ"العربي الجديد"، توضح أنها أنتجت عدة أفلام، ولم تكن تفكر في العائد المادي بقدر ما كان حبها للفن دافعاً إلى خوض كل ما يتعلق به. تقول إنها خسرت تقريباً معظم ثروتها في الإنتاج، لكنها لم تشعر بالندم، لإيمانها بأن المال زائل، وأن الشغف الفني هو الباقي.
تشير إلى أنها، رغم خسائرها، تدرك أن هناك ممثلين آخرين خاضوا تجربة الإنتاج الفني وحققوا أرباحاً كبيرة، معتبرة أن الأمر في النهاية يخضع لعوامل الحظ والظروف، قائلة إنه لو عاد بها الزمن لكررت التجربة مرة أخرى، في تعبير واضح عن إيمانها بقيمة التجربة نفسها، بغض النظر عن نتائجها المادية.
أما عن مصادر الأرباح التي يحصل عليها المنتج، فأكد مصدر في غرفة صناعة السينما المصرية في تصريحات لـ"العربي الجديد" أن ربح منتج الفيلم يعتمد على مجموعة متنوعة من مصادر الإيرادات، أبرزها شباك التذاكر، فيوزَّع الدخل بين دور العرض وشركة التوزيع والمنتج بنسب متفاوتة.
تشمل الإيرادات بيع حقوق البث للمنصات الرقمية أو القنوات الفضائية، وهو ما أصبح من أهم مصادر الدخل في السنوات الأخيرة، إضافة إلى التوزيع الدولي، والبيع الرقمي عبر خدمات المشاهدة المدفوعة، فضلاً عن عوائد الإعلانات داخل الفيلم.
يوضح المصدر أنه لا توجد نسب ثابتة موحدة للأرباح، إذ تختلف وفقاً لطبيعة العقود وحجم المشروع، إلا أن القاعدة العامة تشير إلى أن المنتج لا يبدأ في تحقيق أرباح فعلية إلا بعد استرداد تكاليف الإنتاج والتسويق، ما يجعل الربحية مرهونة بحجم الإيرادات الإجمالية وكفاءة إدارة عملية التوزيع، وهو جانب يتطلب خبرة احترافية لا تقل أهمية عن الرؤية الفنية نفسها.
