شاهدتان كويتيتان على زمنٍ واعد
عربي
منذ ساعة
مشاركة
سيدتان كويتيتان رحلتا أخيراً قد لا يجمع بينهما الكثير في الاهتمامات والميول، ولكنهما تُعدّان، في تقدير كاتب هذه المقالة، شاهدتيْن على زمنٍ كان واعداً، لا في الكويت وحدها، وإنّما أيضاً في منطقة الخليج العربي عامة. هما الفنانة حياة الفهد التي رحلت عن عمر ناهز 78 عاماً بعد مسيرة عطاء حافلة في الدراما المسرحية والتلفزيونية امتدّت أكثر من نصف قرن. وعواطف القناعي التي شاءت الأقدار أن تكون صورتها على غلاف العدد الأول من مجلة العربي، واحدة من أهم الدوريات الثقافية العربية وأعرقها وأكثرها انتشاراً، نشأت أجيالٌ من العرب في مختلف بلداننا على قراءتها. قد لا تصحّ المقارنة بين السيدتين، فلم يكن لعواطف القناعي دور مؤثر كالذي كان لحياة الفهد، ولم يتحقّق لها من الشهرة الكثير، على خلاف الفهد التي ارتبطت مسيرتها بأهمّ روّاد الدراما في الكويت التي ظلّت عقوداً الدراما الأهمّ في بلدان الخليج، سواء على المسرح أو على الشاشة. ولكنّ في سيرة عواطف أوجهاً تتقاطع في دلالتها مع سيرة حياة الفهد في التعبير عن بواكير النهضة الثقافيّة والفنيّة في المنطقة. نشأت حياة أحمد يوسف الفهد المولودة في 15 إبريل/ نيسان 1948 في بيئة اجتماعية متواضعة، وبدأت مسيرتها مذيعةً في إذاعة الكويت بين 1965 و1968، قبل أن تتحوّل نحو التمثيل من خلال دورها في مسلسل "عايلة بو جسوم" عام 1962، رغم ما واجهته، في البداية، من معارضة شديدة من أسرتها. وتدريجياً أخذ حضورها يتسع في التلفزيون والمسرح، كما شاركت في فيلم "بس يا بحر" (1971)، أحد أبرز المحطات المبكّرة في تاريخ السينما الكويتية، وبرزت من خلالها ثنائياتها مع الفنانين سعاد عبد الله وغانم الصالح، في أعمال مثل "خالتي قماشة" و"رقية وسبيكة" و"على الدنيا السلام". مثلما واجهت حياة الفهد معارضة من عائلتها لانخراطها في التمثيل، واجهت عواطف محمد عيسى القناعي التي كانت يومها في حوالي الثانية عشرة من عمرها، معارضة من قسمٍ في العائلة في أن تكون صورتها على غلاف عدد مجلةٍ في ذلك الزمن المبكر (1958)، ولكن عميد العائلة الشيخ يوسف بن عيسى القناعي الشخصية الدينية والثقافية المهمّة في تاريخ الكويت لم يجد في الأمر ما يسيء، ويقال إنّ من التقط لها تلك الصورة المصوّر المصري أوسكار متري من أوائل مصوّري مجلة العربي وأكثرهم شهرة، حيث أحضروا لها عنقوداً من التمر لتبدو كمن تقدّمه. منذ عددها الأول، كانت "العربي" منصّة تعارف عربي واسع، دخلت البيوت من المحيط إلى الخليج، فاتحةً النوافذ على العالم، وباختيارها عواطف القناعي لتكون صورة غلاف عددها الأول بدت كأنها تريد تقديم استعارة بصرية: وجهٌ يختصر بلداً وهو يقدّم نفسه إلى قرّاء عرب، ويقول لهم، من دون خطابٍ مباشر، إنّ هذه البلاد الجديدة تدخل زمن الثقافة من بابه الواسع، ومعها يدخل حضورٌ نسائي غير معزول عن هذا المشروع. من دون أن تلتقي الفتاتان، عواطف وحياة، في سيرة مباشرة، اشتركتا في أنهما ابنتا مرحلة واحدة: مرحلة الانتقال من مجتمع تقليدي إلى مجتمع حديث، حيث لم تكن الثقافة تُنتج في الكتب فقط، بل أيضاً في الصورة، والصوت، والحضور النسائي نفسه، كأنّ القناعي قدّمت الصورة الأولى، بينما فكّكت الفهد تلك الصورة وأعادت تركيبها عبر الفن. وفي التوازي بين رحيل المرأتين ما يدعو إلى التأمل؛ فهما من جيل واحد تمثلان مستويين من الذاكرة الثقافية: ذاكرتي الصورة والحكاية... الأولى صامتة، ثابتة، لا تقول شيئاً لكنها تُرى، والثانية ناطقة، متحرّكة، تقول كل شيء. صحيحٌ أنّه لن يُكتب اسم عواطف القناعي في كتب الفن، كما يُكتب اسم حياة الفهد، لكن يبقى أنّهما قدّمتا جانباً من صورة الكويت الثقافية. هما لا تنتميان إلى الحقل نفسه، لكنهما تنتميان إلى زمنٍ واحد. إنّه التوازي الصامت بين رحيل عواطف القناعي، الوجه الذي افتتح الذاكرة البصرية لمجلة شهيرة بأهمية مجلة العربي، ورحيل حياة الفهد، الوجه الذي ملأ الشاشات الخليجية عقوداً... لسنا، إذن، إزاء سيرتين فقط، وإنّما إزاء طبقتين من الذاكرة: صورة تقول: "نحن هنا"، وحكاية تضيف: "وهكذا نعيش".

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية