سبتمبر نت/ مقال – صلاح القميري
تمثل جرائم الإخلال بمقتضيات النظام العسكري الركن الرادع في القانون العسكري اليمني، حيث تتكامل فيها أحكام قانونين رئيسين:
1- قانون الخدمة في القوات المسلحة والأمن رقم (67) لسنة 1991م يحدد الواجبات والأعمال المحرمة والعقوبات الانضباطية.
2- قانون الجرائم والعقوبات العسكرية رقم (21) لسنة 1998م يحول المخالفات الجسيمة إلى جرائم يعاقب عليها بالطرد أو الحبس.
أولاً: أحكام الباب التاسع من قانون الخدمة في القوات المسلحة
الفصل الأول: واجبات العسكريين (المواد 54-57)
المادة (54): اليمين العسكرية
النص: يقسم العسكري عند بدء خدمته: “أقسم بالله العظيم … أن أحافظ مخلصاً على النظام الجمهوري وأن أنفذ أوامر رؤسائي الحقة وأن أقوم بجميع واجباتي بشرف وأمانة وإخلاص”.
اليمين هو عقد الثقة بين العسكري ووطنه، فمن نقضه فقد خان الأمانة التي منحته إياها الدولة.
المادة (55): الطاعة والتبليغ
النص: يلزم العسكري بطاعة رؤسائه وتنفيذ أوامرهم الحقة، ويبلغ فوراً عن أي معلومات تتصل بأمن البلد َ.
فالطاعة تخلق الانضباط، والتبليغ يحمي الأمن. والعسكري عين المؤسسة وأذنها قبل أن يكون منفذاً.
المادة (56): السلوك العام
النص يلزم على العسكري أن يحافظ على الشرف والسمعة، ويتصرف بأدب مع الجميع، ويحافظ على المظهر اللائق، ولا يستخدم صفته العسكرية في منفعة شخصية.
لأن العسكري هو وجه الدولة، فسلوكه يعكس هيبتها، وسوء سلوكه يسيء إلى المؤسسة بأكملها.
المادة (57): السلطات والمسؤوليات فهذه النصوص تحدد القوانين سلطات ومسؤوليات العسكريين في شؤون الخدمة والقيادة والعقوبات.
ويقوم الضبط العسكري وعلى حدود واضحة، لا على سلطة مطلقة أو فوضى.
الفصل الثاني: الأعمال المحرمة على العسكري (المواد 58-62)
المادة (58): هذه النصوص حظر الانتماء السياسي وتحرم على العسكري الانتماء إلى أي حزب أو هيئة سياسية مهما كان نوعها أو اتجاهها. كون القوات المسلحة فوق الأحزاب، وولاؤه للدولة وحدها، لا لفصيل سياسي. الحزبية تفرق والجيش يوحد.
المادة (59): يحظر النص إفشاء الأسرار ولا يجوز للعسكري إفشاء معلومات سرية، ويبقى ملتزماً بالكتمان حتى بعد ترك الخدمة. فالسر العسكري أبدي لا يسقط بالتقاعد، فمن عرف سراً ظل أميناً عليه مدى الحياة.
المادة (60): حظر الاحتفاظ بالوثائق السرية هذا النص: يلزم للعسكري الاحتفاظ بأي وثائق سرية لنفسه، حتى لو كانت خاصة بعمله. الأسرار ليست ملكاً للفرد، بل للمؤسسة، والاحتفاظ بها خارج الضوابط خطر على المؤسسة العسكرية .
المادة (61): حظر مزاولة الأعمال التجارية وهذا النص: يحظر على العسكري مزاولة أي عمل تجاري بالذات أو بالواسطة، خاصة ما يتصل بعمله.ويمنع تضارب المصالح يحمي العسكري من الابتزاز، ويحافظ على نزاهة قراره.
المادة (62): حظر الزواج من غير يمنية النص لا يجوز للعسكري الزواج من غير يمنية. وحماية لأمن القوات المسلحة من أي اختراق محتمل عبر العلاقات بالزواج من أجنبية.
الفصل الثالث :العقوبات الانضباطية (المادة 63)
العقوبات الانضباطية تشمل: اللوم، الإنذار الشفوي أو الكتابي ، منع الخروج من المعسكر ، زيادة الخدمات حتى خمس مرات علي ان لا تكون متوالية، التوقيف في مقر المعسكر حتى30يوما ، الخصم من الراتب حتي30يوما بحيث لايزيد الخصم عن15يوما في الشهر ، تأخير الأقدمية لمدة لا تزيد عن سته أشهر . ويحرم التعذيب الجسدي والألفاظ البذيئة التي تمس بكرامة العسكري . تدرج في العقاب يبدأ بالتنبيه وينتهي بالحبس، فلا يُعاقب العسكري بشدة إلا إذا استنفدت الحلول .
ثانياً: أحكام الفصل الثالث عشر من قانون الجرائم والعقوبات العسكرية جاءت المادة (69) تحت عنوان “جرائم الإخلال بمقتضيات النظام العسكري”، ونصها:”يعاقب بالطرد أو بالحبس مدة لا تزيد على ثلاث سنوات أو بجزاء يتناسب مع نتائج الجريمة كل شخص ارتكب إحدى الجرائم الآتية:
أ- اتهم شخصاً آخر بتهمة لو صحت لأوجبت عقاب ذلك الشخص.
ب- ارتداؤه رتبة عسكرية بطريقة غير مشروعة.
ج- انتماؤه إلى أي حزب أو هيئة سياسية أو الترويج لها في أماكن القوات المسلحة.
د- إفشاؤه معلومات سرية أو عدم التزامه بالكتمان، أثناء الخدمة أو بعد تركها.”
ثالثاً: التطابق بين القانونين
الجريمة في قانون الخدمة العقوبة الانضباطية العقوبة الجنائية
البلاغ الكاذب المادتان (55) و(56) لوم، إنذار، خصم، توقيف طرد، حبس 3 سنوات
ارتداء رتبة بغير حق
المادة (56) لوم، إنذار، خصم، توقيف طرد، حبس 3 سنوات
الانتماء السياسي المادة (58) عقوبات انضباطية طرد، حبس 3 سنوات
إفشاء الأسرار المادتان (59) و(60) عقوبات انضباطية طرد، حبس 3 سنوات
رابعاً: الدلالات من التطابق
1_ التدرج في العقاب يبدأ خفيفاً (لوم، إنذار) ثم يتصاعد (خصم، توقيف) ثم يصل إلى الجانب الجنائي (حبس، طرد). العسكري يُمنح فرصاً للإصلاح قبل الردع .
2- القانون لا يعاقب على تأخير موعد فقط، بل على ما يمس جوهر المؤسسة: الثقة (البلاغ الكاذب)، والولاء (السياسة)، والأمن (الأسرار).
3-ممارسة التجارة أو الزواج من أجنبية (المادتان 61، 62) مخالفات انضباطية ولم تتحولا إلى جريمة، لأن أثرهما أقل خطراً على النسيج المعنوي للمؤسسة.
4-كتمان الأسرار واجب حتى بعد التقاعد، بينما تسقط باقي الواجبات بانتهاء الخدمة. فالسر العسكري لا يموت بصاحبه.
4- الضرر عقوبة “جزاء يتناسب مع نتائج الجريمة” تعني أن القاضي يقدر العقاب بحسب حجم الضرر الفعلي، لا بحسب الفعل المجرد.
5-المادة (55) توجب التبليغ، والمادة (69/أ) تجرّم البلاغ الكاذب. فالعسكري مطالب بالإبلاغ الصادق، ومُحرَّم عليه الاتهام الكيدي.
خلاصة:
أولا قانون الخدمة في القوات المسلحة يضع القواعد الأخلاقية والسلوكية ويوقع عقوبات انضباطية للمخالفات البسيطة
ثانيا :: قانون الجرائم َوالعقوبات العسكرية يحول المخالفات الجسيمة إلى جرائم يعاقب عليها بالطرد أو الحبس.
وبالتالي ما هو محرم في قانون الخدمة قد يصبح جريمة في قانون الجرائم والعقوبات إذا بلغت خطورتها حد الإخلال الجسيم بمقتضيات النظام العسكري.وبهذا التدرج، يحمي المشرع اليمني القوات المسلحة من التفكك، ويحفظ للعسكري كرامته، فلا يُعاقب عقاباً جنائياً على هفوة عابرة، بل على ما يهدد وجود المؤسسة ذاتها.