عربي
تصدّر مشهدان لافتان الساحة السياسية في لبنان في الساعات القليلة الماضية؛ الأول، تمثّل بترؤس الرئيس الأميركي دونالد ترامب ثاني اجتماع لبناني إسرائيلي في البيت الأبيض، والثاني، في الحراك السعودي على خطّ بيروت، بما يؤكد أن لبنان عاد ملفاً أساسياً على طاولة الدول الكبرى، ويحظى باهتمام استثنائي، وبنوعٍ من "التنافس" على قطف إنجاز استقراره ونهوضه الاقتصادي.
وقبيل ساعات من انعقاد الاجتماع في واشنطن، الخميس، تقرّر نقل المباحثات من مقرّ الخارجية الأميركية إلى البيت الأبيض، ليترأسه ترامب شخصياً، ويطلّ بعد انتهائه جامعاً المشاركين من مسؤولين لبنانيين وأميركيين وإسرائيليين، خلفه، معلناً تمديد الهدنة ثلاثة أسابيع، ومتحدثاً عن احتمال عقد لقاءٍ بين الرئيس اللبناني جوزاف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال هذه الفترة، علماً أن عون كان رفض حصول أي اجتماع في هذه المرحلة.
وتحدث ترامب بلسان جميع الحاضرين، بالإشارة إلى الالتقاء على "موجة القضاء على حزب الله"، و"تحقيق مصلحة الشعبين اللبناني والإسرائيلي الراغبين بالسلام"، قبل أن تتوالى المواقف التي تصبّ في الاتجاه نفسه حول "العداء لحزب الله"، والعمل على تحقيق سلام سريع بين لبنان وإسرائيل، في حين اكتفت ممثلة لبنان، السفيرة ندى حمادة معوض، بالإشادة بدور ترامب، "الذي يمكنه أن يجعل لبنان عظيماً مرة جديدة"، على حدّ تعبيرها.
وبينما كان المجتمعون على طاولة المباحثات يقرّرون تمديد هدنة لا تزال هشّة، كان الميدان يشهد تصعيداً هو الأعنف منذ منتصف ليل 16 - 17 إبريل/ نيسان الحالي، تاريخ دخول الهدنة حيز التنفيذ. فعبد اغتيال إسرائيل الصحافية آمال خليل في جنوب لبنان، كثف الاحتلال أيضاً اعتداءاته على القرى الجنوبية، رافعاً مستوى عمليات التفجير والنسف والتفخيخ، بينما ردّ حزب الله بستّ عمليات ضدّ تجمّعات وآليات جنود الاحتلال، منها وصلت إلى مستوطنة شتولا، مؤكداً أنه معنّي بالدفاع عن الأرض وشعبها، ولا سيما مع تجاوز الاحتلال الحدود بإجرامه.
ومنذ سريان الهدنة قبل أسبوع، وثقت جهات رسمية لبنانية أكثر من 480 خرقاً إسرائيلياً بأكثر من 29 نمطاً، باستثناء الخروقات الجوية، و3 اعتداءات مباشرة على الصحافيين، و6 اعتداءات مباشرة على المسعفين، وقد سقط 7 شهداء على الأقلّ، وما يزيد عن 20 جريحاً. في السياق، تقول مصادر رسمية لبنانية لـ"العربي الجديد"، اليوم الجمعة، إنّ "ترؤس ترامب الاجتماع أمس الخميس كان مفاجئاً، ولم نعلم به إلا قبل فترة قليلة من انعقاده، وهذا أمر مهم جداً، ويؤكد أهمية الملف اللبناني، وأن ترامب شخصياً يعطيه من وقته ويضعه في صلب أولوياته، وهذا مطلوب في هذه المرحلة، حيث الجدية أساس، والسرعة مطلوبة، والحراك على أعلى المستويات مؤثر طبعاً".
وتشير المصادر إلى أنّ "الاجتماع كان إيجابياً، ويمكن البناء عليه، والتطورات في تسارع كبير، والمباحثات ستبقى مكثفة على الخط اللبناني الأميركي تحضيراً للخطوة المقبلة، فهناك تصميم لبناني على ضرورة إبقاء ملف لبنان حاضراً"، لافتة إلى أن "الرئيس عون حتى الساعة لا يريد لقاء نتنياهو، والأولوية بالنسبة إليه هي تثبيت وقف إطلاق النار، بعدما حصل تمديد للهدنة، وهذا يجب أن يشمل كل الاعتداءات التي تطاول المدنيين والصحافيين والجسم الطبي والصحي".
وتلفت المصادر إلى أن "حلّ هذه المسائل الأساسية من وقف للاعتداءات وانسحاب إسرائيل من المناطق التي تحتلها وإطلاق سراح الأسرى، سيفتح الباب أمام التطرق لملفات عدة عالقة، ويمكن أن يُبحث بها لاحقاً، وفي إطار التفاوض المباشر، لكن حالياً الأساس تثبيت وقف النار، لأنه لا يزال هشاً ومعرّضاً للانهيار بأي وقتٍ".
على الخطّ الثاني، يبرز تكثيف اللقاءات والمباحثات اللبنانية السعودية، مع حديث عن طروحات سياسية لحلّ الأزمة الداخلية في لبنان بشأن سلاح حزب الله، منها العودة إلى تطبيق اتفاق الطائف الذي وُقّع في مدينة الطائف السعودية عام 1989، بهدف إنهاء الحرب الأهلية اللبنانية، وعقد طاولة حوار تجمع القيادات اللبنانية، علماً أن هذا السيناريو سبق أن جُرِّب مرات عدة، ولم يصل إلى نتيجة.
وأجرى مستشار وزير الخارجية السعودي الأمير يزيد بن فرحان، جولة على عدد من المسؤولين اللبنانيين، أمس الخميس، على رأسهم الرئيس اللبناني جوزاف عون، في قصر بعبدا، حيث "أجرى عون مع المستشار السعودي جولة تناولت الأوضاع الراهنة في ضوء التطورات الأخيرة، ودور السعودية في مساعدة لبنان على تجاوز الظروف الصعبة التي يمر بها"، وفق ما ذكرته الرئاسة اللبنانية. إلى ذلك، أجرى رئيس البرلمان نبيه بري اتصالاً بوزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان جرى خلاله التداول بآخر تطورات الأوضاع في لبنان والمنطقة، على ضوء مواصلة إسرائيل لاعتداءاتها على لبنان، لا سيما استمرارها بأعمال التدمير الممنهج للقرى الحدودية الجاري على قدم وساق، وذلك بحسب ما أشار بيان صادر عن مكتب بري الإعلامي.
وشكر بري السعودية لمساعدة لبنان على مختلف الصعد، لا سيما تلك المتصلة بوقف العدوان الإسرائيلي الذي يستهدف لبنان وأمنه وسيادته واستقراره. وكان سبق ذلك اتصالات لبنانية سعودية عالية المستوى، وزيارة قام بها معاون بري علي حسن خليل إلى السعودية قبل أسبوع.
وهنا، تقول المصادر الرسمية إنّ "السعودية، كما الدول العربية بشكل خاص، مهتمّة باستقرار لبنان وتريد تحقيقه وتثبيته، وحتى الساعة ليس هناك من مبادرة يمكن الإعلان عنها، لكن هناك أفكار تُبحث وطروحات تُعرض على طاولة اللقاءات، حيث إن المجتمع العربي يتفهّم الواقع اللبناني وحساسيته، وهو أقرب إلى ضرورة التوافق وجلوس جميع الأطراف اللبنانية معاً من أجل حل الخلافات، وذلك أساس لإبعاد أي سيناريو أمني داخلي، كما هناك رغبة عربية في أن يكون لبنان قوياً ومحصّناً خلال مفاوضاته مع إسرائيل".
وتشير المصادر إلى أن "هناك دور سعودي اليوم في تقريب وجهات النظر بين المسؤولين اللبنانيين، ومساعدتهم على تذليل العقبات، وهو ما يمكن أن يفتح الباب أمام عقد لقاء بين رؤساء الجمهورية جوزاف عون، والبرلمان نبيه بري، والحكومة نواف سلام، بهدف البحث في كيفية حلّ الخلافات والتباينات، لا سيما أنّ بري لا يزال متمسكاً بالتفاوض غير المباشر، رافضاً مسار المفاوضات المباشرة، في حين أن المرحلة الراهنة تقتضي توافقاً وتوحيداً للموقف اللبناني على طاولة المفاوضات".
وفي قراءته لهذه التطورات، يقول الكاتب السياسي جورج علم لـ"العربي الجديد"، إنه "يجب التوقف عند نقاط ثلاث، الأولى، أنها المرة الأولى، والنادرة ربما، التي يرأس فيها رئيس أكبر دولة في العالم اجتماعاً على مستوى سفراء، وإن كانوا يمثلون الأضداد، في بداية تفاوضات مباشرة، وهذا يعني أن هناك اهتماماً أميركياً واضحاً من القمة بالملف اللبناني". ويضيف "ثانياً، مدة الاجتماع كانت طويلة، وتخطت الساعة، ما يؤشر إلى أن المحادثات قد تكون دخلت في التفاصيل وليس فقط في عناوين عريضة، وربما تُستكمل الخميس المقبل بحسب المعلومات الأولية"، مشيراً إلى أن الأمر الثالث هو التساؤلات المرتبطة بموقف إسرائيل بتمديد الهدنة، وبخاصة أن الحديث يجري عن كون الكابينت الإسرائيلي فوجئ بإعلان تمديد الهدنة من دون استشارة نتنياهو أو تل أبيب، وهذا يعني أن أميركا تريد انتزاع الورقة اللبنانية من الإسرائيلي والإيراني، ويعني أن لبنان يمثل أمراً كبيراً بالنسبة إلى الإدارة الأميركية".
ويشير علم إلى أن الأنظار يجب أن تبقى أيضاً متجهة إلى المفاوضات الأميركية الإيرانية، وانعكاساتها على الملف اللبناني، وبالتالي، هناك مسائل عدة تبقى ضبابية ويجب الانتظار ريثما تتضح. ويستبعد علم أن يحصل لقاء بين عون ونتنياهو في بداية مرحلة المفاوضات، إلا إذا كان هناك تفاهماً قد حصل، بانتظار التوقيع عليه، فهنا الوضع يختلف. من ناحية ثانية، يعتبر علم أنّ "الدور السعودي مكمّل لأدوار أوروبية عربية تركية، ولكن ليس هناك قرار سعودي واضح بعد خارج إطار التنسيق مع أميركا، أو في مواجهة العدو الإسرائيلي".

أخبار ذات صلة.
ماذا يقصد ترمب بـ«الغبار النووي» الإيراني؟
الشرق الأوسط
منذ 11 دقيقة