وداعٌ متأخّرٌ فالخراب طاغ
عربي
منذ ساعة
مشاركة
  إغفال نبأ رحيل عامل/عاملة في السينما، إخراجاً وتمثيلاً وكتابة وتصويراً بالأساس (هذه أكثر المهن السينمائية المُثيرة للكتابة النقدية عنها، غالباً)، خطأ مهني، لن يكون مقصوداً معظم الأحيان، خاصة مع تتالي الوفيات، وهذا مكتوبٌ عنه سابقاً (عن كتابة تجعل كاتبها حفّار قبور أحياناً، العربي الجديد، 29 ديسمبر/كانون الأول 2025). لكن الإغفال غير المقصود، بجانب منه، نتاج ضغط يُعاش يومياً في جغرافيا منذورة لحروب وخراب وانهيارات وفساد وجنون، وهذا كلّه يُنتج موتاً تلو آخر، إلى حدّ يُنسي الناقد رحيل أحدهم/إحداهنّ "بشكل طبيعي". وعند انتباهه إلى الخبر بعد أيام، يشعر بعجز عن كتابة متأخّرة، لن تكون مهنية كلّياً، لكنها ربما تكون تعويضاً عن تقصير، خاصة إنْ يكن الراحل/الراحلة، بأعماله وأساليب اشتغاله ومكانته في الذات والعام، قريباً منه (الناقد)، تفكيراً وانفعالاً.     قبل أسبوع، يُعرَف أنّ الممثلة الفرنسية ناتالي باي ترحل (17 إبريل/نيسان 2026). وبمعرفة النبأ، يظهر أنّ الممثلة الفرنسية (أيضاً) ناديا فارس تسبقها في الرحيل... بساعات قليلة. يمرّ وقتٌ قبل إدراك أنّ ممثلتين تغادران، في زمن يشهد تحوّل الموت إلى فعل يومي، يكاد يفقد تأثيره الانفعالي لشدّة وحشية مُسبّبيه، رغم أنّ ألماً يُصيب أناساً إزاء هذا الكمّ الفظيع من الموت، المنتشر في مدنيين ومدنيات، يجدون أنفسهم وسط نيران متبادلة بين عدوّين، أو أكثر. مع هذا، هناك عدم تنبّه غير مقصود إلى رحيل ممثلتين سينمائيتين (لكلّ منهما أعمال في التلفزيون والمسرح والكليبات، وفي السينما أفلام قصيرة أيضاً)، للأكبر سنّاً بينهما (باي، 78 عاماً) مشارَكة في فيلم لبناني، سيكون آخر فيلم سينمائي لها: "أرض الوهم" (2023) لكارلوس شاهين؛ بينما لفارس، المولودة في مرّاكش المغربية عام 1968، "دائماً مُحتَمل" (2025) لجاك أوَانيش. بظهورها "اللبناني"، تؤكّد ناتالي باي مجدّداً أنّ العمر غير حاجب جمالاً في سحنة وابتسامة وحركة وقول، جاعلة من شخصية المرأة الفرنسية، القادمة إلى لبنان زمن حربه الأهلية المُصغّرة (1958)، عيناً ترى شيئاً من المخفيّ في ريف لبناني، له عاداته ورجاله النافذون وصراعاته المحلية والطائفية والاجتماعية، رغم أنّ مرورها في هذا كلّه مختصر ومُكثّف. كما أنّ شيخوختها محمّلةٌ باختبارات تجعلها "عفوية" في تأدية دور أخير لها، لن تتقاضى عنه أجراً، كما يقول شاهين (العربي الجديد، 2 أغسطس/آب 2024): "(إنها) صديقة. لم تحصل على أجرها بصفتها نجمة. لم تعد في ذروة نجوميتها. لذا، لم يكن أجرها مُكلفاً". أما فارس، فلها جمال غامضٌ (إنْ يصحّ تعبير كهذا)، تُتقن الكاميرا السينمائية إظهاره، لكن ليس على حساب الأداء والشخصية والحكاية والحالات. في 33 عاماً من السينما، تصنع بأدوار لها معان مختلفة لحِرفية أداء تُخرجهما (الحرفية والأداء)، أحياناً، من الوظيفة إلى الأجمل منها: العفوية والبراعة والسحر. هذا ليس تعويضاً عن تأخّر في كتابة مهنية، فكلّ منهما تستحق مقالة خاصة بها. إنّها محاولة لمواكبة متطلبات مهنة، كل ما يحيط بها خراب بخراب.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية