عربي
من بين أمور مختلفة، يُشدِّد هشام العسري على مسألة الحوار بين المُشاهد والمُنجز السينمائي، بقوله إنّ المُثير للاهتمام، عند طرحه عملاً فنياً بالساحة العامة، ويكون هناك من يحبه ومن يكرهه، "الحوار بين الطرفين. هذا كل شيء. تنتهي مهمتي عند هذه اللحظة".
(*) أثارت نينا اهتمامي، لأن من يعرف قليلاً أعمالك السينمائية ربما يربطها بشخصية ستيلتو في باكورتك "النهاية". هذه شخصيات نسائية تتسم بالثرثرة، وفي الوقت نفسه، لا ندري إن كانت حقيقية فعلاً، أم هي من نسج خيال البطل. إحدى القراءات المحتملة لفيلمك: كل شيء يحدث في ذهن سيرج.
بالضبط. الفيلم رحلة داخلية. كل الرحلات يجب أن تكون كذلك. هذا الجميل فيها. لماذا اخترت هذه الصُّور والألوان والإطارات والأشكال؟ نتحدث كثيراً عن الرموز، لكن لا يوجد رمز في الفيلم. لا يوجد سوى أشكال واستعارات مجازية. عندما تنظر إلى الهاوية، فإنها بدورها تحدّق بك، كما يقول نيتشه. المثير للاهتمام كيفية القيام برحلة، بخط واضح، كما في القصص المصوّرة البلجيكية، وفي الوقت نفسه الحفاظ على حالات نفسية، وغموض كل شخصية. لا توجد شخصية مهمتها تقديم الحساء، ولا داعي للإفراط في المعلومات.
كيف نجعل شخصية نينا مؤثرة، بحيث عندما تُقتل، يهزّنا ذلك بطريقة ما، فالأمر نابع من هشاشة لا من شر. سيرج محاصَر، لأن زوجته كانت دائماً بمثابة أمه. حتى اللحظة التي تقرّر فيها أن تنجب، تتخلى عنه بطريقة ما. هذا شيء عشته شخصياً، عندما كنت على وشك أن أصبح أباً. إنها أشياء صغيرة يجب تلخيصها وتقديمها، مع تلافي تبسيطها. علينا الحفاظ على تعقيدها وشدّتها وإنسانيتها. كل شخصية تقوم برحلة بمفردها في رأسها، لأنها تشكّل مجموعة تعتقد أنها متفقة على وجهة الرحلة، لكنها في الواقع لا تمتلك الوقت الكافي. أسوأ رحلة ممكنة عندما يدرك الناس أنهم غير متفقين على الوجهة.
كانت الفكرة إثارة نوع من سوء الفهم السياسي، بل والديني أيضاً. أخمّن في اللحظة التي يريد فيها سيرج اعتناق الدين الجديد، فيفعل ذلك بطريقة غريبة، إذ يبحث عن معلومات، ويقوم بعمله ككاتب بطريقة مختلفة. في لحظة معينة، يتخلى عن عمله، ويقرر أن الكاتب المفتون به لم يعد جديراً بالإعجاب.
(*) هناك لعبة تبئير مرآوي مثيرة، لا سيما أنك تؤدي دور رحمان بنفسك، وأنك روائي في الحياة أيضاً. خاصة حين يعيد سيرج كتابة روايته، لتكون قصة كاتب يقرّر مسرحة مقتله بنفسه، للترويج لروايته.
نعم. لكن، هناك تبئير مرآوي أكثر من ذلك في الواقع. كل حياتي كنت أسأل: "لماذا أصنع هذا النوع من الأفلام المعقدة، أو أفلام مؤلّفة بشخصيات مركّبة للغاية؟". التقيت منتجين عديدين، قالوا لي: "نحن مستعدون لمنحك المال. لكن عليك صنع أفلام العربي اللطيف"، أي فيلم اجتماعي مباشر، ننتقد فيه قضية معيّنة، ونحاول تغيير واقع محدّد.. إلخ، لذا حاولت مجابهة هذا في الفيلم، أي أن أفكر في كيفية عدم الخضوع لهذه الإملاءات، وفي الوقت نفسه ترويض مشاعري عبر مقاومة فعّالة. ينبغي أن يكون الفيلم بالنسبة إليّ، بالضرورة، تطهيرياً من وجهة نظر معينة.
أدّيت الدور بنفسي، لأن لا خيار لي غير ذلك. لم يرغب أحد في تأدية الشخصية. إضافة إلى أني لم أكن مُكلفاً بالنسبة إلى الإنتاج (يضحك).
(*) الثابت الجمالي الآخر المهم، نزعتك إلى إفراغ الرهان الدرامي من حمولته. أتذكر علبة الهدايا الوردية التي حملها البصري في "جوّع كلبك": لم نعرف ما بداخلها.
نعم. هذا نوع من الـMacGuffin (عنصرٌ في الحبكة، يتضمن غالباً شيئاً مادياً يبقى غامضاً كلّ السرد، ووصفه مبهم وغير ذي أهمية ـ المحرّر).
(*) بالضبط. هنا أيضاً تقع لحظة تصفية رحمان خارج إطار الحكي، وليس سيرج من ينفّذها.
لكن المفارقة أنه يتلقى المكافأة. أعتقد أن هذه قصة ذات معنى مزدوج. ما يهمني مأساة رجل يبدأ شخصاً عادياً، ثم تفسده الحياة والضغوط والضرورة، ويُدمّر، لأن لا خيار آخر له. بالنسبة إلي، هذه مأساة. نرى رحمان يتجوّل في كل مرة مع فتاة مختلفة، فيبدو أنه يعيش حياة جميلة، بخلاف سلمان رشدي، الذي يعيش بحراسة لصيقة، مع خطر يحدّق به كل الوقت.
رحمان أيضاً شخصية سينمائية، تعطي إشارات لفهم عالم الفيلم، بقوله إن "حرق الكتب يهيئ للقتل". هذه أمور مؤكدة تاريخياً. أحياناً، نكتشف ذلك حتى في بلدنا. بين حين وآخر، يخرج أحدهم من مغارته ليتهمنا بأننا مرتدّون ومغتصبو أطفال، ولا أدري ماذا بعد. بالنسبة إليّ، مهم القول إن قضية رحمان مجرد إلهاء، أو طريقة للتعبير عن كيفية اختبار الشخصيات التي بنيتها. الفيلم يبعث على الشعور بالاختناق، لأننا نخرج من ديكورين إلى ثلاثة، على أقصى تقدير. مع هذا، نشعر بأن هناك أكثر من ذلك، فالديكورات تلمع قليلاً، وفي كل مرة تُصوّر بطريقة مختلفة، ولون جديد، وأسلوب مغاير. هناك مفاتيح لونية. نمرّ عبر عالم واقعي، يتحوّل إلى اللون الأزرق، فالأحمر. وهكذا.
(*) ثمّ اختيار الأبيض والأسود لمشهد اتفاق الشخصيات الثلاث على تنفيذ مخطط التصفية.
هناك تطور جمالي دقيق. استخدام الألوان ليس للتجميل. إنه متابعة لحالة تطور الشخصية ومكنونها. أما المقطع المربع للصورة بالأبيض والأسود، بصوت أحادي، ففيه إشارة إلى ما أعتبره فيلماً سوداوياً، وتقاليد "فيلم نوار" العائدة إلى الخمسينيات. أفضلها، كـ"سانسيت بوليفار"، أعمالٌ ذات طابع خاص. أردت تحية هذا النوع، لكن، في الوقت نفسه، سمح لي ذلك باقتصاد الحوارات. لم أحتَجْ إلى أن تتحدث الشخصيات كثيراً. سمحت الجمالية البصرية بالدخول بفعالية في صلب الأحداث. بسرعة، يتفقون ويقررون سلاح الجريمة، ويتقاسمون الفدية المرتقبة. يستغرق ذلك أقل من دقيقتين.
الإشكالية: كيفية استعراض كل هذه المعلومات في وقت قصير جداً. نتحدث دائماً عن السيناريو، لكن أحياناً ننسى أن الكتابة السينمائية، أي القائمة على اختيار الحركة، طريقة مثلى لكتابة القصة. لماذا لدينا حركات تظهر فيها شخصيات من الخلف أو من الأمام؟ لماذا نؤطر هذا ونخفي ذاك؟ في الفيلم، هناك شخصيات عدّة تتحدث من خارج الإطار. لا نتابعها، لأننا نحتاج إلى معلومتين أو ثلاث.
للحصول على كثافة سردية، اشتغلت قليلاً على كيفية أن يكون كل مشهد ممثلاً لنهج بصري، باستخدام اللون والإضاءة. هذه ليست ألوان أضيفها في مرحلة ما بعد الإنتاج. مشهد المسبح ليس ديكوراً واحداً، بل ديكورين. بالتالي، يمكن القول إننا بصدد هندسة سردية. الشكل مضمونٌ يطفو على السطح، كما يقال.
(*) يُقدم الجينريك الفيلمَ بوصفه "خرافة"، ويصف المكان الذي تدور فيه الأحداث بـ"فرنسا خيالية".
لم يُصوّر الفيلم في فرنسا، بل في المغرب. لا لقطة مُصوّرة في فرنسا، لأني لم أرغب في السفر. كما أني لم أرغب في إنفاق مال كثير. الأهم، أردت التحدث عن عالم غير موجود. أحب فكرة ابتكار أرض سينمائية تجعلنا نعتقد أننا في فرنسا، لكننا لسنا فيها. مؤسف ألا توجد ترجمة دقيقة لمفهوم France-Fiction، لأنها اكتشاف جميل. فرنسا التي نرغب في حبها وتدليلها وانتقادها أيضاً، تقدم بالتالي نسخة أخرى منا، تختلف عن الطريقة التي نُصوَّر بها في السينما الأوروبية.
(*) لماذا تُصرّ على التمييز بين الفيلم الخطي والفيلم الجماهيري؟
لم أحاول بأي طريقة، أو في أي وقت، صنع فيلم كوميدي بممثلين مشهورين، لإضحاك العائلات. لا أملك الموهبة اللازمة لذلك. الأمر ليس أعقد من هذا. لا يمكنني الخوض في مجال كهذا، لأن هناك قدسية للسينما برأيي. السينما شكل من أشكال الفن، ينبغي مجابهتها من هذا المنطلق. لا يهم أن تخسر أو تفوز. الأهم أن تكون في شعريتك الخاصة، وفي اختياراتك.
أعتقد أن هناك أشخاصاً يصنعون محتوى، وهم بارعون جداً في ذلك، ويرغبون في الوصول إلى أكبر عدد ممكن من الجمهور. ما يهمني، عندما أصنع فيلماً، الصدمة. أحب عندما يكرهني الناس بسبب فيلمي، أو عندما يقول لي أحدهم: "حسناً، شاهدت عملك الأخير وأجده سيئاً". هذا حوار جميل.
أحب فكرة السينما الجدلية. أي أن نكون جميعاً في إطار الأدب واللطف، فيأتي فيلم في مرحلة ما ليخرجنا من حالة الخمول هذه. الفيلم الجدلي، في الواقع، اعتداء. لكن، بعد تجاوز الصدمة، يأتي وقت التفكير. نحن بحاجة إلى تغيير قواعد اللعبة، وإلى أشياء توقظنا. هناك الكثير ممّا يخدّرنا. نحن بحاجة إلى محمد خيرالدين آخر، وإلى نبيل لحلو آخر. هؤلاء غيّروا قواعد اللعبة بطريقة طبيعية. لست ناشطاً، ولا يهمني أن أكون في رابط التزام. ما يهمني فقط أن أكون قريباً من حساسيتي الخاصة.
عندما أطرح عملاً فنياً بالساحة العامة، ويكون هناك من يحبه ومن يكرهه، فالمثير للاهتمام الحوار بين الطرفين. هذا كل شيء. تنتهي مهمتي عند هذه اللحظة.
