عربي
تتجه الأنظار مجدداً إلى باب المندب والبحر الأحمر، حيث تسود مخاوف واسعة في المنطقة والأسواق العالمية على إثر تهديدات حكومة الصومال باستهداف السفن الإسرائيلية التي تعبر هذا الممر التجاري البحري، الذي يعتبر الثاني من حيث الأهمية بعد مضيق هرمز، المغلق بدوره من قبل إيران والمحاصر من قبل الولايات المتحدة.
إذ يعتبر باب المندب مفصلاً رئيسياً في سلاسل الإمداد العالمية حيث يربط بين قناة السويس والمحيط الهندي، وتمر عبره نسبة كبيرة من التجارة الدولية، ما يجعله ممراً حاسماً لتدفق البضائع والطاقة بين آسيا وأوروبا.
وجاء الإعلان الصومالي على لسان سفيرها في إثيوبيا والاتحاد الأفريقي عبد الله ورفا، بعد أيام قليلة من تحرك إسرائيلي جديد بتعيين سفير في إقليم أرض الصومال "صوماليلاند" غير المعترف به دولياً؛ رداً بحسب السفير على التحركات الإسرائيلية في إقليم أرض الصومال، حيث أعلن قرار الحكومة الفيدرالية الصومالية حظر مرور السفن الإسرائيلية في منطقة خليج عدن والمداخل المؤدية إلى مضيق باب المندب.
وبالرغم من تحكم اليمن وسيطرتها الكاملة على باب المندب، ووضع الصومال الضعيف عسكرياً؛ يؤكد خبراء اقتصاد أنّ قرار الصومال بمثابة خطوة سيكون لها أبعاد أخرى، من خلال تجديد التوتر والاضطراب في البحر الأحمر وباب المندب، بعد فترة تناهز العام من توقف الحوثيين عن استهداف السفن ومنع مرورها على إثر دخول اتفاق غزة حيز التنفيذ، في حين لا تزال المخاوف قائمة من محاولات جرّ الممر الثاني في المنطقة إلى دائرة الحرب والتوترات الحالية، وذلك مع استمرار إغلاق مضيق هرمز.
سيناريوهات توسع الأزمة
وأوضح الخبير الاقتصادي اليمني رشيد الحداد في تصريح لـ"العربي الجديد"، أنّ موقف الصومال في اللجوء إلى خيار منع مرور السفن الإسرائيلية من أكثر من نقطة في البحر الأحمر وخليج عدن، لا يحتاج إلى سيطرة ساحلية في ظل نجاح العديد من آليات منع المرور، مشيراً إلى أنّ امتلاك القوة من عدمه لم يعد معياراً في ظل تغير المعادلات البحرية، حيث بإمكان تنفيذ قرار الحظر بواسطة أسلحة رخيصة كطائرات مسيرة على سبيل المثال.
تطرق الحداد إلى نقطة في غاية الأهمية بهذا الخصوص، حيث يعتقد أنّ اتخاذ هذا القرار لم يتم من دون إبلاغ عدد من الدول الصديقة للصومال، حيث إنّ التدخل الإسرائيلي أصبح يهدد أمن البحر الأحمر، وأمن الدول المشاطئة برمته، لذلك قد يحظى مثل هذا القرار بدعم من دول أخرى وإن كان غير معلن. ورأى مختصون أنّ موقع الصومال في الضفة الأخرى للبحر الأحمر قد لا يمكنها من فرض حظر مباشر على باب المندب، فضلاً عن أن الجهة التي تشرف عليها الصومال لا تعبر منها السفن بسبب كثرة الصخور فيها، عدا عن وجود جزيرة يمنية وسط المضيق بامتداد 12 ميلاً بحرياً، في حين أن المسافة الأخرى التي تصل أيضاً إلى نحو 12 ميلاً بحرياً من الساحل تتبع اليمن، الأمر الذي يجعلها المتحكمة الرئيسية في باب المندب.
يعتبر باب المندب مفصلاً رئيسياً في سلاسل الإمداد العالمية حيث يربط بين قناة السويس والمحيط الهندي، وتمر عبره نسبة كبيرة من التجارة الدولية، ما يجعله ممراً حاسماً لتدفق البضائع والطاقة بين آسيا وأوروبا.
وشرح الحداد أنّ الصومال لم تتطرق في قرارها إلى باب المندب، بل كان قرارها محدداً بمناطق في خليج عدن والبحر الأحمر، أيْ في مداخل مضيق باب المندب، ومحدداً تجاه السفن الإسرائيلية. وفي حال ردت إسرائيل وأميركا باستهداف الصومال أو حاولت استغلال هذا التوجه الصومالي لعسكرة البحر الأحمر، لا يستبعد الحداد أن تتشكل تحالفات، ولن تكون صنعاء بعيدةً عن أيّ تحالف بحري ضد الوجود الأميركي والإسرائيلي في البحر الأحمر، خاصةّ أنّ التحركات العسكرية الإسرائيلية بدعم أميركي في أرض الصومال يهدّد كل الدول المشاطئة للبحر الأحمر، كما يأتي في إطار مخطط أميركي إسرائيلي لفرض وجود عسكري دائم في أهم المضائق المائية.
وتزامن قرار الصومال مع تصريحات للقيادي في جماعة الحوثيين محمد البخيتي، في منشور له على حسابه في موقع التواصل الاجتماعي إكس، أكد فيه أنّ أيّ وجود إسرائيلي في الصومال سيكون هدفاً للقوات المسلحة اليمنية، كاشفاً أنّ "سلطة صنعاء يدها على الزناد وتحضّر لضربة قوية وموجعة ورادعة على إسرائيل، ولن تقتصر على المياه البحرية والمطارات"، وذلك "مع أي وجود على أرض الصومال".
ورأى الحداد أنّ صنعاء موقفها من الوجود الإسرائيلي في أرض الصومال واضح ومعلن، والتأكيد بالرد على أيّ وجود إسرائيلي في أرض الصومال سيكون بالاستهداف، خاصةً أنّ إسرائيل وفق الحداد تحاول استخدام جغرافيا إقليم صوماليلاند لاستهداف اليمن.
توقع اضطرابات اقتصادية
وأعادت إسرائيل التوترات إلى البحر الأحمر مطلع العام 2026، باعترافها بأرض الصومال دولةً مستقلة، وهو ما رفضته غالبية الدول العربية، حيث مهّد ذلك لقرار آخر بتفجير الأوضاع في المنطقة من خلال مهاجمة إيران مطلع شهر مارس/ آذار، الأمر الذي أدى إلى إقدام إيران على إغلاق مضيق هرمز، ما سبَّب أزمة اقتصادية وتجارية غير مسبوقة في العالم.
ويركز موقف جماعة الحوثيين التي تسيطر على الممرات المائية اليمنية في البحر الأحمر منذ بداية حرب إيران، عند مستوى "وضع اليد على الزناد"، ومن ثم إعلان التدخل وحصره في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة على إسرائيل، قبل أن يتوقف ذلك مع سريان الهدنة المعلنة ما بين إيران والولايات المتحدة الأميركية، والتي تبعها حوار أميركي إيراني في دولة باكستان.
وتسود مخاوف واسعة من تمدد التوترات والاضطرابات إلى باب المندب والبحر الأحمر، الأمر الذي سيفاقم الوضع في المنطقة برمته، بما في ذلك سلاسل الإمداد وأسعار الطاقة والاقتصاد العالمي بشكل عام.
أعادت إسرائيل التوترات إلى البحر الأحمر مطلع العام 2026، باعترافها بأرض الصومال دولةً مستقلة، وهو ما رفضته غالبية الدول العربية، حيث مهّد ذلك لقرار آخر بتفجير الأوضاع في المنطقة من خلال مهاجمة إيران مطلع شهر مارس/ آذار.
وأكد الخبير في الاقتصاد السياسي محمد جمال الشعيبي، أستاذ الاقتصاد والمالية العامة بجامعة عدن، في حديث لـ"العربي الجديد"، أنّ أهمية باب المندب تتضاعف عند النظر إليه ضمن سلسلة الممرات البحرية العالمية التي تضم كذلك مضيق هرمز، وأيّ خلل في هذه المنظومة يؤدي إلى اضطرابات واسعة في سلاسل الإمداد والتجارة الدولية.
ورأى الشعيبي أنّ عودة التوترات الأخيرة في المنطقة، تنذر بمستويات أعلى وبنسب متفاوتة من الاضطراب، في ظل الأزمات والصراعات الجيوسياسية القائمة. ومع استمرار الحرب في المنطقة قد تحدث عمليات استهداف لحركة الملاحة في مضيق باب المندب، إلى جانب ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين البحري، وفق الشعيبي الذي لا يتوقع أن يتعرض المضيق لإغلاق كامل، نظراً إلى أهميته الكبيرة في المصالح الدولية الكبرى المرتبطة به.
لكن في حال حدوث أي اضطراب في باب المندب بحسب الشعيبي سينعكس بشكل مباشر على الاقتصاد العالمي، من خلال ارتفاع مضاعف في تكاليف الشحن والنقل البحري، والتأمين، وارتفاع أسعار الطاقة والوقود، إلى جانب تعطل سلاسل التوريد، وقد يؤدي ذلك إلى ارتفاع معدلات التضخم، خصوصاً في الدول المستوردة للطاقة والغذاء.

أخبار ذات صلة.
البصق على المسيحيين… الفاشية عقيدة
العربي الجديد
منذ 50 دقيقة