عربي
يسيطر الجمود السياسي في ما يتعلق بتطبيع الأوضاع جنوبي اليمن، وتحديداً ملفات ترتيب الوضع الداخلي التي أعقبت التطورات العسكرية إثر تمرّد المجلس الانتقالي الجنوبي، منذ أواخر ديسمبر/ كانون الأول الماضي، وما تلاه من تدخل عسكري مباشر، من السعودية وقوات الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، ثم اتخاذ قيادات من "الانتقالي الجنوبي" المطالِب بالانفصال، من الرياض حينها، قراراً بحله في سياق ترتيبات كان يفترض أن تمهد الطريق لحوار جنوبي-جنوبي واسع في العاصمة السعودية، يهدف إلى معالجة جذور القضية الجنوبية ضمن رؤية توافقية تنعكس على مسار الحل في جنوبي اليمن.
غير أن هذا المسار في جنوبي اليمن لا يزال يواجه عوائق، بعضها يتعلق بإطلاق هذا المسار، وبعضها الآخر يتعلق بموقف تيار المجلس الانتقالي الجنوبي بقيادة عيدروس الزبيدي، الذي رفض قرار حل المجلس. وكان مجلس القيادة الرئاسي اليمني، قد أسقط في يناير/ كانون الثاني الماضي، عضوية الزبيدي، وقرر إحالته للتحقيق بتهمة "الخيانة العظمى". ملامح الحوار المزمع عقده في الرياض لم تتضح بعد، إذ لم يُحدَّد موعده ولا المشاركون فيه، كذلك لم تُشكّل لجنة تحضيرية له حتى الآن، في ظل انقسامات المكونات الجنوبية وتبايناتها، ما يجعل من هذا الحوار قضية مؤجلة إلى أجل غير مسمى. علماً أن الكثير من القضايا الشائكة في محافظات جنوبي اليمن تنتظر تصورات لحلها، من بينها مصير القوات العسكرية الجنوبية التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي، التي لا تزال خارج إطار وزارة الدفاع التابعة للحكومة المعترف بها دولياً.
وطوال سنوات في جنوبي اليمن غرقت مدن عدة، ولا سيما عدن، بوجود جماعات وتشكيلات عسكرية متعددة الولاءات محسوبة على أنها موالية للشرعية، لكنها لا تخضع فعلياً لها، وعلى رأسها ألوية الحزام الأمني (تغير اسمها بتوجيهات من عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي إلى "قوات الأمن الوطني") و"النخبة" والألوية الأخرى التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي. وتشمل الجماعات أيضاً القوات المشتركة التي تتكون من ألوية "العمالقة" و"المقاومة الوطنية" و"المقاومة التهامية"، ما عزز من القناعة بأن توحيد القرار العسكري والأمني يمثل الخطوة الرئيسية لتثبيت الدولة واستعادة مؤسساتها.
وعلى الرغم من تكفّل الرياض بملف إعادة هيكلة التشكيلات العسكرية والأمنية ودمجها، بهدف إنهاء حالة التشتت وتعزيز وحدة القرار العسكري، إلا أن هذا الملف لم يحسم بعد نتيجة التركة الثقيلة التي خلفتها المرحلة السابقة. ويعود السبب إلى أن بناء هذه التشكيلات جرى بعيداً عن الوسائل العسكرية المتعارف عليها، فأنشئت وفق معايير حزبية ومناطقية، وبتبعية لدول خارجية تتولى تشكيلها وتمويلها وتسليحها. كذلك فإن حالة الفساد داخل المؤسسة العسكرية والأمنية قد ساهمت في تفشي الأسماء الوهمية بقوام يفوق عشرات الآلاف، وفق تصريحات قيادات عسكرية، أبرزها وزير الدفاع الأسبق محمد المقدشي.
عوائق الدمج جنوبي اليمن
اصطدمت عملية إعادة الهيكلة والدمج في مرحلتها الأولى بتحديات هيكلية، إذ كشفت منظومة البصمة الحيوية، في إطار بناء قاعدة بيانات موحدة لجميع منتسبي الوحدات العسكرية والأمنية، عن اختلالات واسعة في سجلات القوى البشرية، شملت عشرات الآلاف من الأسماء الوهمية والمزدوجة التي استنزفت الموارد المالية للدولة لسنوات طويلة. ولمواجهة تعقيدات تعدد الولاءات وتداخل المهام بين الفصائل، اعتمدت اللجنة المشرفة نهجاً تدريجياً في التنفيذ، بدأ من المناطق الشرقية في حضرموت والمهرة، وصولاً إلى عدن والساحل الغربي، على أمل أن تستكمل مهامها في بقية المناطق، لضمان السيطرة على أي احتكاكات ميدانية محتملة. وتزامن هذا التحرك مع استراتيجية صارمة لربط صرف الرواتب والمستحقات المالية وتوحيدها (هناك وحدات تستلم رواتبها بالريال السعودي وأخرى باليمني، مع تفاوت كبير بقيمة الراتب للجندي) بالانتهاء من التسجيل في قاعدة البيانات الموحدة، ما دفع الوحدات العسكرية نحو الامتثال للإجراءات الإدارية الجديدة تحت مظلة وزارتي الدفاع والداخلية.
وركزت المرحلة السابقة على عملية الحصر للأفراد والسلاح، والدمج الميداني، تمهيداً للانتقال إلى المرحلة الثانية التي تركز على الدمج العملياتي الشامل، بهدف تحويل هذه التشكيلات متباينة التبعية، إلى مؤسسة عسكرية نظامية موحدة تنهي الانقسام القائم. في الجانب الآخر يبرز ملف الخدمات العامة أكثر الملفات سخونة لدى الشارع في جنوبي اليمن الذي يعبّر عن حالة من الغضب والحنق مع عدم قدرة الحكومة على وضع المعالجات اللازمة للملفات الخدمية، وعلى رأسها ملف الكهرباء. وشهد قطاع الكهرباء تحسناً ملحوظاً بعد حل المجلس الانتقالي الجنوبي، نتيجة تلقي القطاع دعماً سعودياً ساهم في تحسين الخدمة مؤقتاً، قبل أن تعود إلى سابق عهدها ومن الانقطاعات المتكررة التي تصل إلى ما يزيد على 12 ساعة يومياً.
لا تزال الحكومة المعترف بها دولياً عاجزة عن الانتظام بعملية صرف رواتب الموظفين
كذلك لا تزال الحكومة المعترف بها دولياً عاجزة عن الانتظام بعملية صرف رواتب الموظفين المنقطعة منذ أربعة أشهر، نتيجة تدهور العملة وتوقف صادرات النفط بفعل الهجمات التي شنها الحوثيون في أكتوبر/ تشرين الأول 2022 على ميناء الضبة النفطي بحضرموت. فاقم هذا الوضع المعاناة المعيشية، وسط مطالبات شعبية بضرورة تحييد الملف الاقتصادي وتوفير السيولة، لضمان استمرار الخدمات الأساسية وحماية الأسر من شبح الفقر والجوع في ظل موجة الغلاء غير المسبوقة التي تضرب البلاد.
تحولات في دور "الانتقالي الجنوبي"
في هذا الصدد يقول مدير مركز "سوث 24" للأخبار والدراسات (مقره في سويسرا، ويستعرض القضايا والملفات المتعلقة بأوضاع جنوبي اليمن)، يعقوب السفياني، لـ"العربي الجديد"، إن "هناك مكونات جنوبية كانت موجودة أصلاً ولم تُحل أو تندمج عضوياً في الانتقالي، بل انضوت تحت مظلته بعد الحوار الوطني الجنوبي في 2023". ويضيف أن قادة هذه المكونات حصلوا "على مناصب في هيئة رئاسة المجلس وهيئاته الأخرى، ما جعل المجلس يشبه الائتلاف الواسع الذي وقع على الميثاق الوطني الجنوبي".
لكن بعد إعلان حل "الانتقالي" من قبل جزء من وفده في الرياض، يشير السفياني إلى أن "البعض رأى ضرورة إعادة تنشيط هذه المكونات بما أنها أصبحت بلا مظلة جامعة، والاستعداد للحوار الجنوبي الذي ترعاه السعودية"، معتبراً أن "هذه هي وجهة نظر تلك المكونات والجانب السعودي الداعم لها". في المقابل، يرى "الانتقالي الجنوبي" وفق السفياني، أن "دعم هذه المكونات محاولة لاستهدافه وتكريس واقع الحل"، موضحاً أن "المجلس لا يزال يعمل في الداخل، وقد أعاد فتح مقراته وتصاعد نشاطه بعد فترة تراجع، وهو يرى نفسه لا يزال المظلة القادرة على جمع هذه المكونات، ويعتبر انخراطها في المسار السعودي استهدافاً مباشراً له".
يعقوب السفياني: لم تعد هناك التزامات من المجلس الانتقالي الجنوبي تجاه السعودية
ويلفت السفياني إلى أنه "لم تعد هناك التزامات من المجلس الانتقالي الجنوبي تجاه السعودية، بل يوجد اليوم خلاف كبير وصراع بينهما"، معتبراً في الوقت نفسه أن "هناك حالة من التسليم بالأمر الواقع". ويوضح أن "القوات العسكرية التي كانت تخضع للمجلس الانتقالي الجنوبي شهدت تغييراً في الخريطة العسكرية، وهناك إعادة هيكلة واسعة وتغيير لقيادات الألوية وتكوين هياكل جديدة". في هذا الإطار يضيف أن "قوات الأمن الخاصة وقوات الأحزمة الأمنية تحوّلت إلى قوات الأمن الوطني، وهناك نفوذ واضح لأبو زرعة المحرمي (عبد الرحمن المحرمي)، المحسوب على مسار الحل السعودي، لذلك". ويقول: "لا أستطيع الجزم بمدى احتفاظ المجلس بتأثيره في القوات العسكرية الجنوبية، فقد أصبحت أطراف أخرى أكثر تأثيراً، خصوصاً أن السعودية هي التي تدفع رواتب هذه القوات اليوم".
ويرى السفياني أن "الانتقالي لم يعد يتحمل الازدواجية التي كانت قائمة قبل يناير 2026، فلم يعد له حصة في الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، ولا في مجلس القيادة الرئاسي، بعد عزل اثنين من أعضائه (الزبيدي وفرج سالمين البحسني، نائب رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي)، بقرار من رئيس المجلس (رشاد العليمي) وبإيعاز سعودي". ويلفت إلى أن المجلس الانتقالي الجنوبي "بذلك تخلص من عبء ثقيل، فبينما كان مشاركاً في السلطة ويمتلك القوة الأمنية، كان الناس يحمّلونه مسؤولية الخدمات والرواتب، ما أدى إلى ضغط شديد وتراجع في شعبيته. أما بعد الأحداث الأخيرة، فقد استعاد شعبيته وتخلص من عبء الإدارة والحكومة، ليتفرغ للعمل السياسي والمعارض، وهو يجد نفسه اليوم في وضع أفضل ضمن هذا السياق".
ملف أمني معقد
بدوره، يرى الباحث اليمني في الشؤون الأمنية والسياسية، عاصم المجاهد، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن ملف الدمج العسكري والأمني في محافظات جنوبي اليمن "تعثر لأسباب أكثر عمقاً وأكثر أهمية من مجرد أرقام عسكرية أو كشوفات رواتب". ويوضح أن "المشكلة تكمن في أن كل قوة كانت وما زالت ترى نفسها مشروعاً قائماً منفصلاً بذاته، له مرجعية سياسية وإدارية منفصلة، وله سرديته الخاصة، وحتى تعريفه المختلف للعدو والصديق والمصالح". بالتالي، وفق المجاهد، "تصبح عملية الدمج مسألة أكثر حساسية، لأنك لا تدمج وحدات بشرية عبارة عن أفراد فقط، بل تحاول دمج تصورات وهويات وقناعات، تشكلت على مدى سنوات من الصراع والتعبئة".
عاصم المجاهد: حين يُطرح مشروع الدمج تحت مظلة وزارة الدفاع سيُفهم لدى البعض كإعادة توزيع للنفوذ
ويضيف المجاهد أن "بعض هذه التشكيلات نشأ في سياق مواجهة الحوثيين، وبعضها تشكّل في سياق صراع داخلي جنوبي أو لحماية نفوذ محلي"، لذلك يرى أنه "حين يُطرح مشروع الدمج تحت مظلة وزارة الدفاع سيُفهم لدى البعض كإعادة توزيع للنفوذ، أكثر منه بناء مؤسسة وطنية موحدة، وهذا ما يعطّل العملية". الصورة داخل عدن، وفق المجاهد، في ما يتعلق بالملف الأمني "أكثر تعقيداً مما تبدو. فصحيح أن هناك تنسيقاً، لكنه لا يصل إلى مستوى الحديث عن منظومة أمنية موحدة"، موضحاً أن "الأحزمة الأمنية تعمل بعقيدة مختلفة عن الأمن العام، ولها شبكاتها ونقاط نفوذها ومصادر تمويلها". ويضيف أنه "في أحيان يتقاطع العمل وأحياناً يتوازى، لكنه نادراً ما يندمج بشكل فعلي"، معتبراً أن المشكلة هنا ليست فنية ولا تقنية بقدر ما هي إدارية وسياسية، وما دام لم يُحسم شكل الجنوب إدارياً وسياسياً، ستظل الأجهزة الأمنية تعكس هذا الانقسام والخلاف".
ولا يرى المجاهد أن توحيد الأجهزة الاستخباراتية ممكن بشكل كامل في ظل هذا الغموض السياسي الذي تمر به اليمن، عازياً ذلك إلى أن "جهاز الاستخبارات بطبيعته يحتاج إلى مرجعية واضحة وسلطة مركزية يُسلّم وينقاد لها، وفي الظرف الحالي كل طرف يحتفظ بجزء من معلوماته، ما يعكس بحد ذاته انعدام الثقة". وفي رأيه فإن "الأخطر من ذلك أن الانفلات الخدمي والاقتصادي يلعب دوراً مؤثراً حين تضعف الدولة وتفشل في تقديم الخدمات، إذ حينها تتقدم التشكيلات والفصائل لملء الفراغ وتتحول من أدوات وأذرع أمنية إلى مراكز نفوذ محلية". ويقول إنه "هنا يصبح الدمج أصعب لأنك لا تتعامل فقط مع وحدات عسكرية ولا هوية وعقلية فقط، بل مع مصالح متجذرة على الأرض، وفي النهاية أعتقد أن ما يجري الآن هو إدارة للتباين وإدارة الخلاف".
