عربي
صحيح أن الاتحاد الأوروبي فشل في تمرير قرار يقضي بإلغاء أو وقف اتفاقية الشراكة مع إسرائيل وحرمان دولة الاحتلال من المزايا التجارية والاستثمارية والجمركية وذلك خلال اجتماع عُقد في لوكسمبورغ مساء أمس الثلاثاء رغم الضغوط من قبل بعض الدول الأعضاء، لكن الاتحاد قد لا يظل هو أكبر شريك تجاري مستقبلي لإسرائيل بحجم تبادل يتجاوز حالياً 40 مليار يورو سنوياً في ظل سياسة الشد والجذب والتوتر المتصاعد بين الطرفين، وتنامي التحركات الأوروبية والأممية الداعية إلى مقاطعة دولة الاحتلال اقتصادياً وتجارياً، وانتقال هذه التحركات من الشارع الأوروبي إلى قمة السلطة ودوائر صنع القرار، وامتداد دعوات المقاطعة من المواطن والأسواق بالقارة إلى القمة والحكومات.
يصاحب كل ذلك قلق إسرائيلي من تزايد الانتقادات الأوروبية ومخاوف من تحولها إلى عقوبات اقتصادية وفي مجالات عدة منها التكنولوجيا والبحث العلمي، وهو ما ألمحت إليه صحيفة "هآرتس" العبرية، يوم الاثنين الماضي، حيث تحدثت على ما أسمته "نفاد صبر أوروبا تجاه إسرائيل"، محذرة من خطر فرض عقوبات على تل أبيب.
قد لا يظل الاتحاد الأوروبي هو أكبر شريك تجاري لإسرائيل في ظل سياسة الشد والجذب والتوتر المتصاعد، وتنامي التحركات الأوروبية والأممية نحو مقاطعة دولة الاحتلال اقتصادياً
وصحيح أيضاً أن مناقشات وزراء الخارجية الأوربيين بلوكسمبورغ الأخيرة كشفت عن وجود لوبي أوروبي يدعم دولة الاحتلال بقوة وتقوده ألمانيا وإيطاليا واليونان والمجر، لكن في المقابل كشفت عن وجود تصدعات في أسس البنية التحتية للعلاقات الاقتصادية والسياسية الإسرائيلية الأوروبية، وعن تنامي المعارضة داخل دول الاتحاد لممارسات دولة الاحتلال الإجرامية سواء في حرب الإبادة على غزة أو الحروب المتتالية على لبنان والضفة الغربية والآن إيران، ورفض المجازر المستمرة التي يرتكبها جيش الاحتلال ضد المدنيين.
وهذه المعارضة تقودها دول عدة منها إسبانيا وأيرلندا وسلوفينيا وبلجيكا، وهي التي دعت إلى تعليق اتفاقية الشراكة مع إسرائيل كلياً أو جزئياً، لكنها فشلت في تمرير القرار لحاجته إلى أغلبية الدول الـ 27، وهو ما لم يتحقق حتى الآن.
حتى الدول التي تبنت الحلول الوسط في التعامل مع طلب تجميد اتفاق الشراكة بين أوروبا وإسرائيل ومنها، فرنسا والسويد، تبنت مطلب أخر وهو فرض قيود على التجارة مع منتجات المستوطنات الإسرائيلية المحتلة، بدل تعليق الاتفاقية بالكامل.
مطالب دول أوروبية بتعليق اتفاقية الشراكة مع إسرائيل تجاوزت مرحلة الضغوط الرسمية والدبلوماسية وسياسة التعبير عن الغضب المتنامي من قبل حكومات القارة لحكومة نتنياهو، فقد سبقتها خطوات عملية حيث ألغت دول اتفاقيات دفاعية وصفقات أسلحة ضخمة مع إسرائيل مثل إسبانيا، وأوقفت دول أخرى التعاون الأمني مع تل أبيب، وأعلنت إيطاليا مؤخراً إلغاء اتفاقية الدفاع المشترك مع تل أبيب، وقبلها أعلنت بريطانيا تعليق محادثات التجارة الحرة مع الكيان الإسرائيلي.
ولعل سقوط حليف إسرائيل الأوثق في أوروبا فيكتور أوربان في الانتخابات التي أجريت مؤخراً في المجر وفقدان تل أبيب الفيتو المجري داخل الاتحاد الأوروبي مؤشر مهم، حيث كان أوربان يلعب دور العائق أمام الاجماع الأوروبي على مشاريع قرارات ضد إسرائيل حتى ولو كانت ضد مصالح دول القارة مباشرة وتمس أمنها القومي.
لعل سقوط حليف إسرائيل الأوثق في أوروبا فيكتور أوربان في الانتخابات التي أجريت مؤخراً في المجر وفقدان تل أبيب الفيتو المجري داخل الاتحاد الأوروبي مؤشر مهم
وواكبت التحركات الرسمية فعاليات شعبية مثل التنامي غير المسبوق لمواقف شعوب القارة الغاضبة ضد ممارسات الاحتلال في فلسطين ولبنان والمنطقة، خاصة بين مواطني الدول الاسكندنافية وهولندا والبرتغال وإسبانيا، وتصاعد دعوات المقاطعة الأكاديمية والرياضية والفنية، وتنامي رقعة مقاطعة الشركات التجارية الإسرائيلية، ومخاوف من استبعاد إسرائيل من برامج أوروبية للأبحاث، وهو ما قد يضر قطاع التكنولوجيا والبحث العلمي الإسرائيلي بشدة.
وقبل يومين سجلت عريضة أوروبية تطالب بتعليق اتفاق الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل رقماً قياسياً، بعدما تجاوز عدد الموقعين 1.1 مليون مواطن، وهو ما يلزم مؤسسات الاتحاد الأوروبي ببحثها رسمياً، وفق آلية "مبادرة المواطنين الأوروبيين".
ولعل الشعبية التي اكتسبها رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز يرجع جزء مهم منها إلى موقفه من دولة الاحتلال، فالحكومة الإسبانية سارعت إلى الاعتراف بدولة فلسطين، ووجهت نقداً لاذعاً وعلنياً لسياسات حكومة إسرائيل المتطرفة، ورفضت منح الولايات المتحدة استخدام القواعد الإسبانية في توجيه ضربات إلى إيران، كما أغلقت المجال الجوي أمامها، وبدأت إسبانيا بالفعل تقييد التجارة بمنتجات الأراضي المحتلة من قبل إسرائيل، ودعت الدول الأخرى إلى اتخاذ إجراءات مماثلة من دون انتظار قرار على مستوى الاتحاد، وهو ما جعل الشعوب الأوروبية تنظر إلى سانشيز كأنه القيادي الذي يمثلها.
