سيناريوهات أسعار الطاقة... مكاسب وخسائر الخليج
عربي
منذ ساعة
مشاركة
في ظل تداعيات الحرب، وتعرّض منشآت إنتاجية في الخليج لهجمات مباشرة أو تعطّل جزئي، تعيد المؤسسات الدولية والبنوك الاستثمارية رسم توقعاتها لأسواق النفط، وسط حالة توصف بأنها الأكبر اضطراباً منذ عقود. وتشير تقديرات حديثة إلى أن السوق انتقلت فعلياً من حالة توازن هش إلى عجز حاد في الإمدادات، مع قفزات سعرية تجاوزت عتبة الـ100 دولار للبرميل، مما يعكس حجم الصدمة في جانب العرض العالمي. وتميل أغلب التقديرات، على المدى المتوسط، إلى ترسيخ سيناريو الأسعار المرتفعة، مدفوعة بخروج كميات كبيرة من الإنتاج من السوق، سواء نتيجة الأضرار المباشرة أو الإغلاقات الاحترازية؛ إذ رفع بنك "ANZ" توقعاته لسعر خام برنت إلى ما يقارب 90 دولاراً وما فوق خلال عام 2026، مع الإشارة إلى فقدان نحو 10 ملايين برميل يومياً في ذروة الاضطراب، واحتمال تعطل دائم لجزء من الطاقة الإنتاجية. وتعزز هذه المعطيات ترجيح أن تظل السوق في حالة اضطراب، حتى مع أي تحسّن أمني، بسبب بطء عودة الإمدادات، وتراجع الاستثمارات في الصيانة والتطوير خلال فترة الحرب، حسب محللين. تباين التوقعات وتدمير الطلب لكن تقديرات أخرى تظهر قدراً من الحذر بشأن استدامة هذه الأسعار المرتفعة، ومنها تقدير مؤسسة "مورغان ستانلي"، التي ترى أن الأسعار ربما بلغت ذروتها بالفعل، مستندة إلى مؤشرات السوق، مثل تقلص الفجوة بين خامي برنت وغرب تكساس، إضافة إلى توقعات بتراجع الطلب نتيجة الأسعار المرتفعة نفسها؛ وهو ما يعكس نمطاً معروفاً في أسواق الطاقة، حيث يؤدي غلاء الأسعار إلى "تدمير جزئي للطلب"، الأمر الذي يحد من استمرار الصعود، حسبما أورد تقرير نشره موقع "ماركت ووتش" في 14 إبريل/ نيسان الجاري. أما على المدى الطويل، فتشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى تحول أكثر تعقيداً؛ إذ خفّضت توقعاتها للطلب العالمي في 2026، مقابل تراجع حاد في المعروض بنحو 1.5 مليون برميل يومياً، مما يعكس توازناً هشاً بين نقص الإمدادات وتباطؤ الاستهلاك. وأشار تقرير "رويترز" إلى أن ذلك يعني دخول السوق مرحلة تقلبات ممتدة، بدلاً من اتجاه صاعد مستقر، خاصة إذا استمرت الهجمات على البنية التحتية، أو تعطلت طرق الشحن الحيوية، مثل مضيق هرمز. مكاسب الموازنات في الخليج مقابل المخاطر إزاء ذلك، تبدو المكاسب قصيرة الأجل واضحة بالنسبة لدول الخليج من حيث ارتفاع الإيرادات النفطية، وتحسن الموازنات، وهو ما يفسر الأداء القوي لشركات الطاقة العالمية والخليجية على حد سواء. غير أن هذه المكاسب تقابلها مخاطر استراتيجية، أبرزها تعطل الصادرات، وارتفاع تكاليف التأمين والشحن، واحتمال استهداف منشآت الإنتاج، مما قد يحرم هذه الدول من الاستفادة الكاملة من الأسعار المرتفعة، بحسب تقدير نشرته صحيفة "الغارديان" في 14 إبريل/نيسان الجاري. كما أن استمرار الأسعار العالية لفترة طويلة من شأنه أن يسرّع التحول العالمي نحو بدائل الطاقة، ويضغط على الطلب مستقبلاً، وفقاً لتقديرات مصرف "HSBC". وفي هذا الإطار، يشير الخبير الاقتصادي، ربيع بدواني مخلوف، لـ"العربي الجديد"، إلى أن أسواق الطاقة العالمية في عام 2026 تشهد تحولات جذرية تعيد تشكيل خريطة الأسعار، مدفوعة بتصاعد التوترات الجيوسياسية وما يُعرف بـ"علاوة المخاطر". وتعكس هذه العلاوة الزيادة السعرية التي يفرضها المتداولون، نتيجة احتمالات تعطل الإمدادات، خاصة مع التهديدات المباشرة لمضيق هرمز الذي يمرّ عبره نحو 21 مليون برميل يومياً، بما يمثل قرابة 21% من الاستهلاك العالمي، حسب مخلوف، لافتاً إلى أن تسعير النفط في ظل المواجهات الإقليمية الراهنة لم يعد يعتمد فقط على أساسيات العرض والطلب، بل أصبح يتأثر بشكل مباشر بمدى هشاشة أمن الإمدادات. فالتوقعات ترجح تعطلاً محتملاً يتراوح بين 3 و5 ملايين برميل يومياً، في سيناريوهات التصعيد المحدود، وهو ما يدفع الأسعار للتحرك في نطاق يتراوح بين 90 و110 دولارات للبرميل، وفقاً لتحليل مخلوف. وتتأثر دول مجلس التعاون الخليجي بهذه الديناميكيات عبر مسارين يصفهما مخلوف بالمتناقضين؛ فمن الناحية المالية يساهم ارتفاع الأسعار في تحسين أوضاع المالية العامة، وتحقيق فوائض قوية، خاصة أن أسعار التعادل المالي لغالبية دول المنطقة تدور حول مستوى 80 إلى 85 دولاراً، وتمنح هذه الوفرة المالية الصناديق السيادية الخليجية، التي تدير أصولاً تتجاوز 4 تريليونات دولار، قدرة أكبر على دعم خطط التحول الاقتصادي، ورفع معدلات النمو غير النفطي لتتراوح بين 4% و6%. وفي المقابل، يبرز التحدي الأمني عائقاً تشغيلياً رئيسياً، حيث يؤدي إلى رفع تكاليف التأمين على الشحن البحري بنسب قد تصل إلى 200%، بالإضافة إلى المخاطر الهيكلية المرتبطة بالاعتماد على ممرات مائية مهددة، حسب مخلوف، الذي ينوه بأن هذا الوضع من شأنه أن يدفع المستهلكين الكبار لتسريع استراتيجيات الاستغناء عن النفط، والتحول نحو بدائل الطاقة المستدامة، ما يشكل تهديداً طويل الأمد للطلب على النفط الخليجي. وبالنظر إلى مستقبل ما بعد عام 2027، يلفت مخلوف إلى أن تقديرات ترجح عودة تدريجية نحو التوازن السعري ليتراوح بين 70 و80 دولاراً للبرميل، مدفوعاً بزيادة الإنتاج من خارج تحالف "أوبك+"، ولا سيما من الولايات المتحدة والبرازيل، ووصول حصة الطاقة المتجددة إلى نحو 30% من مزيج الطاقة العالمي. ويؤكد مخلوف أن الأزمة الحالية تثبت أن الارتفاعات السعرية التي تجاوزت 130 دولاراً في ذروة الحرب تظل مرتبطة بسيناريوهات انقطاع الإمدادات الفعلية والمستدامة، وهو احتمال يظل قائماً، ولكنه يهدد بتآكل الطلب العالمي على المدى الطويل. ويخلص مخلوف إلى أن المشهد النفطي الخليجي يبقى رهيناً بقدرة المنطقة على موازنة المكاسب المالية الآنية، مع ضرورة تأمين المسارات اللوجستية، وضمان موثوقية الإمدادات في بيئة عالمية شديدة التقلب، ويشدد على أن النجاح في هذه المعادلة يتطلب استراتيجيات مرنة تأخذ في الاعتبار التقلبات الجيوسياسية والتحولات الهيكلية في سوق الطاقة العالمية. حالة مرشحة للتفاقم في السياق، يشير الخبير الاقتصادي، وضاح طه، لـ"العربي الجديد"، إلى أن أسواق النفط تتسم حالياً بحالة من عدم الاستقرار الشديد، مرشحة للتفاقم في حال استمرار الحصار البحري بمضيق هرمز، أو فرض حظر كامل على الصادرات الإيرانية، إذ قد يحجب ذلك نحو مليوني برميل إضافية عن السوق العالمية، وإذا لم يجر تعويض هذه الكميات المفقودة من منتجين آخرين، فإن الأسعار قد تشهد ارتفاعاً حاداً يتجاوز حاجز 120 دولاراً للبرميل. ويوضح طه أن التعويض الكلي لهذا النقص يبدو مستحيلاً في المدى القصير، نظراً لأن معظم المنتجين العالميين يستغلون طاقتهم الإنتاجية القصوى، ما يترك المجال محدوداً جداً لسد الفجوة الناتجة عن توقف الصادرات الإيرانية. وهنا تبرز السعودية منتجاً وحيداً يمتلك طاقة احتياطية كبيرة، وقادرة على التعويض الجزئي عن هذا النقص، حسبما يرى طه، موضحاً أن المملكة تستطيع رفع إنتاجها ليصل إلى 12 مليون برميل يومياً خلال فترة 6 أشهر، والوصول إلى 13 مليون برميل يومياً خلال عام واحد، بإضافة مليون برميل إضافي. ومع ذلك، يؤكد طه أن هذه القدرة الاحتياطية، رغم أهميتها الاستراتيجية، تبقى غير كافية لتعويض الصدمة الكاملة في حال انقطاع الإمدادات الإيرانية بشكل كلي ومفاجئ، ما يبقي الضغط التصاعدي على الأسعار قائماً. ومن جهة أخرى، يرى طه أنه ليس من مصلحة دول الخليج المنتجة للنفط استمرار الارتفاعات الجنونية في الأسعار، لأن ذلك يؤدي إلى تعقيدات اقتصادية جسيمة تتمثل في ارتفاع تكلفة إنتاج السلع المستوردة. فعندما ترتفع فاتورة الطاقة في الدول المستهلكة والمصدرة للسلع على حد سواء، تنعكس هذه التكاليف على أسعار المنتجات النهائية، ما يؤدي إلى ظاهرة "التضخم المستورد"، حسب طه، مشيراً إلى أن تداعيات هذا التضخم ستبدأ بالظهور بوضوح خلال 3 إلى 6 أشهر قادمة، لتطاول شريحة أوسع من السلع والخدمات. وإضافة لذلك، تساهم ارتفاعات أسعار النفط في دفع تكاليف الزراعة والإنتاج الغذائي للارتفاع، نظراً لاعتماد القطاع الزراعي بشكل كبير على الطاقة والأسمدة المشتقة من البترول. وهذا بدوره يؤدي إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية عالمياً، ما يزيد من الأعباء المعيشية ويهدد الأمن الغذائي، خاصة في الدول التي تعتمد على الاستيراد.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية