نقد مؤجّل للرواية السوريّة
عربي
منذ ساعتين
مشاركة
بعد عام 2011، قُرِئ جزءٌ من الرواية السورية من زاوية الموقف من النظام، خاصّة في السنوات الأولى للحدث، الذي عُدَّ كسراً للصمت في مملكة الخوف. وهذا تصدير كان يكفي كي يحرّك فضول أيّ قارئ، حتى في لغاتٍ أخرى؛ عرفت تجارب سردية من غير أن تكون معروفة بالعربية، وبعضها اقتصر على كتاب واحد. كان العالم كلّه، في تلك السنوات، يحتاج إلى أن يعرف مَن هم السوريون. وضمن آليات المعرفة، تبقى للرواية القدرة على استيعاب سياقات أوسع من الحدث الآني، وتتأتّى هذه القدرة من تاريخ هذا الفن، ومن ممكنات السرد نفسه. إذ تجد الرواية قرّاءً يختارونها بالتحديد، كي يُعرفوا على نحو أوسع مما يقدّمه التقرير الإخباري، وذلك بمعرفة ما يحدث لحيوات الناس في المكان، وما التحوّلات الاجتماعية الناشئة. وكذلك معرفة مصائر الناس أنفسهم: كيف تُبنى وسط القتل، وإلى أين تمضي؟ كلّها أسئلة تترجمها الرواية، أو تعرض اقتراحاً سردياً لها. لكن، في بلدٍ انفجر فيه التاريخ، بمعنى ما، أصبح الموقف من النظام، في كثير من التجارب، متقدّماً على اعتبارات اللغة والبناء والشخصيات والزمن الداخلي للنص. وقد عبرت نصوص ضعيفة كثيرة تحت هذا الارتهان السياسي لاستثنائية اللحظة، إذ أصبح جزءٌ من الرواية السورية محض شهادة تقريريّة. ذلك القدر الكبير من الشهادات التي شكّلت بمجموعها سرديّة تشمل سورية، بلا شكّ، هو إحدى فضائل الكتابة، إلا أنّ الكتابة الروائية، في النهاية، تخضع إلى شرط التخيّل، وتبني صلتها مع القارئ من داخل اشتراطات الفنّ. وهذا درسٌ قديم في الكتابة، يتجاوز أن حضور السياسة في بعض التجارب الروائية السورية وصل إلى حدّ أن شرعية الكتابة كانت تُؤخذ فقط من الخصومة مع النظام. الآن، مع سقوط ذلك "المعيار"، وهو النظام، لم يعد سؤال القيمة الروائية مؤجّلاً، خاصّة مع بدء دراسة "أدب الثورة" في سورية الجديدة. وهو نوعٌ يحتمل أن يُقال فيه الكثير، ومما يقال؛ إنّ الرواية، ولو بُنيت على موضوع مثل القمع، إلا أنها تعرّف في نوعها الأدبي وفق قدرتها على تحويل الوقائع إلى عالم، والحدث إلى مصير، والصوت الشخصي إلى بناء، والمأساة إلى لغة، تنسج صلاتٍ أسلوبيّةً مع الموضوع، وتُعيد خلقه في بناءٍ منزاحٍ فنياً عن الواقع، وليس الواقع نفسه، ما لم تكن رواياتٍ ذاتية أو تسجيليّة. أصبح الموقف من النظام متقدّماً على اعتبارات اللغة وبناء الشخصيات ومع الميل إلى أسطرة مفردات "الانتصار" في سورية الجديدة، وغياب التوجّه النقدي في الثقافة والفن، لا أحد يقدر على أن يجزم إن كانت دراسة "أدب الثورة" سوف تنطوي على دراسته نقدياً، عبر الكشف عن مرجعياته وآنيته، وضرورته السياسية، أو بمعنى ما، أخلاقيّة القصّ في حينه، أم إنّ النقد أيضاً سيحمل أسطرةً لأدب الثورة على الطريقة التعبوية التي كانت دارجة في سورية القديمة. من الإنصاف لكلّ تلك التجربة الواقعية والسردية، والتي لم تُغلق بعد، أن تنطوي دراسة الأدب السوري على دراسة جمالياته، وأشكال تعبيره، وعثراته، ودوره في حفظ الذاكرة الجماعية. ثم بعد ذلك، لا مناص من أن نسأل بشجاعة ووضوح: كم من الروايات السورية ستعيش وتبقى، خارج اعتبارها رواية مرحلة؟

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية