أسعار لا ترحم.. كيف تدفع اضطرابات البحر موائد اليمنيين إلى حافة العجز؟ (تقرير)
أهلي
منذ ساعتين
مشاركة

أعد التقرير لـ”يمن ديلي نيوز” سلمان الربيعي: “كنا نشتري الدقيق والسكر بالكيس (50 كيلو)، اليوم نشتري بالكيلو فقط.. حتى هذا بالكاد نستطيع عليه.”

بهذه الكلمات يلخص مطيع ثابت، النازح في مدينة مأرب، التحول الحاد الذي أصاب حياة أسرته خلال الأشهر الأخيرة، مع ارتفاع أسعار المواد الغذائية الأساسية إلى مستويات لم يعد قادراً على مواكبتها.

مع التوترات التي شهدها مضيق هرمز وتهديدات جماعة الحوثي المصنفة إرهابية بالتصعيد في البحر الأحمر وإغلاق باب المندب، تصاعدت بشكل لافت أسعار السلع في السوق اليمنية رغم استقرار أسعار الصرف.

يستورد اليمن أكثر من 90% من احتياجاته الأساسية، ما يجعل الاضطرابات أكثر من مجرد “أزمة ملاحة”، بعد أن تسببت في رفع أسعار السلع في بلد يعاني أصلاً من أسوأ أزمة إنسانية في العالم.

لم يعد ما يعيشه مطيع حالة فردية معزولة، بل انعكاسًا مباشرًا لأزمة تمتد جذورها إلى مضيق باب المندب، حيث يمرّ نحو 15% من التجارة العالمية.

ومع تصاعد المخاطر، هجرت كبرى شركات الشحن هذا الممر نحو طريق ‘رأس الرجاء الصالح’ الأطول، ما أضاف نحو أسبوعين لزمن الرحلات وفجّر تكاليف التأمين.

هذه التحولات الجغرافية تُرجمت سريعاً في الأسواق اليمنية الهشة؛ حيث تحولت كلفة الشحن في عرض البحر إلى زيادة مباشرة في سعر الرغيف داخل مأرب.

جولة في الأسعار

من خلال جولة لمعرفة الفارق في الأسعار أجراها “يمن ديلي نيوز” ارتفع سعر الدقيق من 30 ألف ريال إلى 38 ألف، والرز 10 كيلو من 16 ألف إلى 23000 والسكر من 9 ألف إلى 12 ألف كرتون الفول من 11 ألف إلى 14400، والكرتون البيض من 42 ألف إلى 50 ألف.

وفي بيان صادر عن مركز الإعلام الاقتصادي حذر المركز من تداعيات الحرب الإقليمية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، على الاقتصاد اليمني، مؤكدا أن استمرار الحرب أو توسعها سيؤدي إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية والإنسانية في البلاد.

ودعا المركز إلى اتخاذ إجراءات عاجلة من قبل الحكومة والجهات المعنية للتخفيف من حدة الصدمات الاقتصادية، والعمل على إدارة الطلب على النقد الأجنبي واستقرار الأسعار، إلى جانب تعزيز كفاءة سلاسل الإمداد وتقليل آثار ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين.

وتضمنت الورقة تحليلاً موسعا لمسارات تأثير الحرب على الاقتصاد اليمني، بدءاً من ارتفاع أسعار الطاقة والوقود، مروراً باضطرابات الشحن البحري وسلاسل الإمداد، وصولاً إلى انعكاسات ذلك على أسعار السلع في الأسواق المحلية، وزيادة الضغوط على فاتورة الاستيراد والعملة المحلية.

وأشارت الورقة إلى أن أسعار الشحن البحري إلى الموانئ اليمنية شهدت ارتفاعاً كبيراً، حيث تضاعفت تكلفة نقل الحاويات من الصين إلى عدن، إلى جانب فرض رسوم إضافية تتعلق بمخاطر الحرب، وهو ما أدى إلى تغيير مسارات الشحن وتأخير وصول البضائع وزيادة تكاليف النقل والتخزين.

كما أوضحت الورقة أن هذه التطورات انعكست بشكل مباشر على أسعار السلع في الأسواق المحلية، مع توقعات بارتفاعها بنسبة تتراوح بين 15% و35% على الأقل في المدى القصير، نتيجة تداخل عدة عوامل تشمل تكاليف الشحن والتأمين وسعر الصرف وارتفاع أسعار الوقود.

“نبيع بخسارة يومياً”

بين صرخة مطيع في بيته وقائمة مشترياته المبتورة، يقف الطرف الآخر في هذه المعادلة؛ تجار التجزئة الذين يجدون أنفسهم في مواجهة مباشرة مع سخط الزبائن ولهيب أسعار الجملة.

داخل محله الصغير في منطقة “الشركة” بمدينة مأرب، يعيش التاجر عبدالرحمن العسل هذا المشهد يوميًا. في “بيت البهارات”، لم يعد عمله مقتصرًا على بيع التوابل، بل على متابعة أسعار تتغير بوتيرة متسارعة، لا تُقاس بالشهور بل بالأيام، وأحيانًا بالساعات.

هذا السباق مع الزمن يتجلى بوضوح على رفوف العسل، حيث تروي ملصقات الأسعار الجديدة حكاية الأزمة بوضوح مؤلم. فالمواد التي كانت أساسية في كل منزل، باتت اليوم عبئاً ثقيلاً؛ إذ وصلت الزيادة الإجمالية في الأسعار إلى ما يقارب 25%، حسب قوله.

رصدنا في “بيت البهارات” قفزات سعرية طالت الأصناف اليومية الأكثر طلباً؛ حيث قفزت أسعار الحليب المجفف، والعدس التركي، والدقيق البر، بينما اختفت أصناف مستوردة أخرى تماماً من الأسواق.

يوضح العسل بمرارة: “حين نطلب بضاعة جديدة، نسمع مبررات موحدة من تجار الجملة؛ زيادات في كلفة الشحن، تأمين إضافي، وجمارك مرتفعة. يتحدثون عن تعثر السفن وإغلاق الموانئ، وهي الحجة التي ترفع الأسعار علينا باستمرار”.

يضيف العسل لـ”يمن ديلي نيوز”: نحن نغير الأسعار أحياناً في اليوم أكثر من مرة لمواكبة تقلبات سوق الجملة. نبيع السلعة بسعر، وعند تعويضها نجد سعر الجملة الجديد أعلى مما بعنا به للزبون، وهذا يضعنا في مواجهة مباشرة مع خسارة رأس المال.

“نبيع الهمَّ قبل البهارات”

الأثر الأكثر قسوة يظهر في سلوك المستهلك، حيث تجبر الأزمة الأسر على إعادة تعريف معنى “الاكتفاء”. فداخل “بيت البهارات”، تلاشت ثقافة الشراء “بالكيلو” لتحل محلها ثقافة “الحبة والجرام”.يقول العسل: “الزبائن باتوا يطلبون البهارات بالجرامات. الناس تحاول البقاء بما تبقى في جيوبها من فتات”.

ويجد العسل نفسه في موقف صعب، محاولاً شرح علاقة “رأس الرجاء الصالح” لزبون بسيط لا يرى من الأزمة إلا فاتورة طعام تفوق دخله. يختتم حديثه: “نحن نبيع للناس الهمّ قبل البهارات”.

“نحن نبيع للناس الهمّ قبل البهارات، لأننا نعرف أن السعر الذي يشترون به اليوم، قد يكون ذكرى جميلة مقارنة بسعر الغد”. يختتم العسل حديثه

“التضخم المركب”

في الجانب التحليلي، يضع مستشار وزارة الصناعة والتجارة والخبير الاقتصادي، محمد الجماعي، يده على أصل المشكلة واصفاً إياها بـ “التضخم المركب”؛ وهو نتاج تداخل معقد بين اهتزازات الملاحة الدولية والتعقيدات المحلية.

ويرى الجماعي أن إطالة مسارات الشحن وارتفاع كلف التأمين والوقود ليست مجرد أرقام في دفاتر الشركات، بل هي أعباء تُمرر بشكل تلقائي لتستقر في نهاية المطاف على كاهل المستهلك النهائي.

ويذهب الجماعي في حديثه لـ”يمن ديلي نيوز” إلى أبعد من ذلك بتقديره أن الضغوط الخارجية الناتجة عن اضطرابات الشحن تساهم بضعف تأثير العوامل الداخلية، رغم ما تعانيه الأسواق محلياً من ضعف في القوة الشرائية وعقبات النقل وتعدد نقاط الجباية.

وفي ظل هذا المشهد القاتم، يشير الجماعي إلى أن القطاع الخاص بات يتعامل مع السوق “بحذر شديد”؛ حيث يدفعه الخوف من الكساد وضعف الطلب إلى تقليص هوامش الربح وتجنب المخاطر العالية.

وأمام هذه التحديات، يوضح الجماعي أن التوجه الحكومي يرتكز حالياً على “إدارة المخاطر السوقية” بالشراكة مع القطاع الخاص، بدلاً من الدخول في صدام مباشر معه.

وتعتمد هذه الإدارة على أدوات مرنة مثل “التسعير المرجعي”، وربط الأسعار بمؤشرات الشحن العالمية وسعر الصرف، لضمان استمرار التدفق السلعي بأقل قدر ممكن من الصدمات السعرية التي قد تعصف بما تبقى من استقرار معيشي للمواطنين.

“فاتورة الممرات”

بينما تُسجَّل خسائر بمليارات الدولارات في مسارات الملاحة الدولية، تتشكل خسائر أخرى داخل البيوت اليمنية، تُقاس بما يُحذف من الموائد لا بما يُفقد من السفن.

يغادر المستهلكون الأسواق بحقائب صغيرة لا تكفي سوى لوجبة واحدة، لكنها تحمل أثر أزمة عالمية تجاوزت الممرات البحرية لتستقر في تفاصيل الحياة اليومية.

وتبقى فاتورة البحر الأحمر مفتوحة، فيما يظل المستهلك اليمني الحلقة الأضعف في سلسلة تمتد من أعالي المحيطات حتى أدنى سلة غذاء.

“لا نحلم ببيوت أو سيارات.. حلمنا الوحيد هو توفير لقمة العيش. نحن نواجه تجاراً بلا رحمة، وأزمات لا تنتهي، وواقعاً جعل من أبسط حقوقنا أحلاماً بعيدة المنال”. يختتم مطيع ثابت.

ظهرت المقالة أسعار لا ترحم.. كيف تدفع اضطرابات البحر موائد اليمنيين إلى حافة العجز؟ (تقرير) أولاً على يمن ديلي نيوز Yemen Daily News.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية