جائزة "وورلد برس فوتو"... الحروب والتغيّر المناخي بعدسة عالمية
عربي
منذ ساعة
مشاركة
قبل إعلان "صورة العام"، الصورة الفائزة في "وورلد برس فوتو 2026"، يوم الثالث والعشرين من الشهر الجاري، تكون خريطة العالم البصرية قد تشكلت بالفعل داخل عملية انتقاء واسعة تشرف عليها مؤسسة الصورة الصحافية العالمية World Press Photo Foundation من مقرها في أمستردام. آلاف الصور التي التقطت خلال العام عبر قارات مختلفة، جرى تقليصها تدريجياً إلى مجموعة محدودة، ستتحول لاحقاً إلى سرد بصري سنوي يتم عرضه باعتباره خلاصة لما يستحق أن يُسلّط عليه الضوء ويُرى. يتشكّل هذا السرد عبر مسار متدرّج يبدأ من تدفّق واسع للصور الصحافية القادمة من مناطق نزاع وأزمات مناخية وتحولات اجتماعية، ثم يمر عبر مستويات متعددة من الفرز، وصولاً إلى قائمة نهائية يتم عرضها تمثيلاً بصرياً لعام كامل، عبر معارض تجوب عدداً من دول العالم. داخل هذا المسار، تكتسب الصور معناها من موقعها داخل هذا البناء ومن العلاقة التي تنشأ بينها داخل الترتيب العام. ضمن الأعمال التي ظهرت هذا العام، يبرز عمل المصوّر الإسباني لويس تاتو حول احتجاجات جيل الشباب في مدغشقر خلال سبتمبر/ أيلول 2025. الشوارع تتحول إلى فضاء مفتوح لحركة جماعية تعبّر عن غضب اجتماعي متراكم، وتكشف عن حضور جيل جديد داخل المجال العام في لحظة تتشابك فيها المطالب الاقتصادية مع الأسئلة السياسية. وفي سياق أعمال غرب ووسط وجنوب آسيا، تظهر صورة التقطها المصوّر ساهر الغُرّة في مستشفى ناصر بخان يونس، جنوب قطاع غزة توثّق لحظة وصول أسرى فلسطينيين بعد الإفراج عنهم ضمن اتفاق وقف إطلاق النار. يحمل المشهد كثافة إنسانية واضحة تتقاطع فيها لحظة الخروج من الاحتجاز مع آثار التجربة في الملامح والجسد. وتندرج الصورة ضمن سرد بصري يعيد تنظيم الحرب عبر لحظات الإفراج والنجاة، حيث يتحول الجسد الإنساني إلى عنصر توثيقي داخل أرشيف عالمي يرتب من جديد وفق منطق الانتقاء والعرض. قصص إنسانية ترسم ملامح خريطة وفي مشروع "أرض محترقة"، يوثّق برايس لورينزو حرائق غاليسيا، شمال غرب إسبانيا، خلال عام 2025، حيث التهمت النيران أكثر من 200 ألف هكتار. الصور تمتد عبر مشهد طبيعي واسع يحمل آثار تغيّر مناخي، لتظهر الأرض مساحة تعيد تشكيل ذاتها تحت ضغط النار والحرارة، بينما يتغير إيقاع الحياة الريفية تبعاً لذلك التحول. أما مشروع "التعليم المختطف" لدييغو إيبارا سانشيز، فيتتبع أثر النزاعات المسلحة على التعليم في عدة دول من بينها أفغانستان وسورية وأوكرانيا. المدارس تظهر داخل بيئات مضطربة، والفصول الدراسية تتحول إلى مساحات مؤقتة تتأثر مباشرة بمسارات الحرب، فيما يحمل الأطفال حضوراً يومياً داخل سياقات تعليمية غير مستقرة. في هونغ كونغ، توثق صورة لتيرون سيو لحظة احتراق مبنى سكني، حيث يظهر رجل يصرخ بعد اتصال أخير مع زوجته العالقة داخل المبنى. المشهد يختزن لحظة كثيفة تتقاطع فيها الحياة الخاصة مع انهيار عمراني مفاجئ، ويستقر داخل السرد بوصفه علامة على هشاشة الفضاء السكني في المدن المكتظة. وفي كييف، توثق صورة للمصور يفغيني مالوليتكا امرأة تجلس قرب منزل متضرر بعد قصف صاروخي. المدينة تظهر داخل طبقات من الدمار المتكرر، وتتحول البيوت إلى علامات على استمرار الحرب داخل النسيج الحضري، بينما يحتفظ المكان بآثار الصدمة في تفاصيله اليومية. في امتداد هذا السرد، تظهر صور تنتمي إلى فضاءاتٍ ثقافية واجتماعية تعكس تحولات من نوع آخر. ومنها صورة التقطتها، في المغرب، المصوّرة الإيطالية شانتال بينزي، وتوثّق لحظة تحكّم الفارسة غيثة خياط في حصانها خلال عرض "التبوريدة" في منطقة سيدي رحّال، قرب الدار البيضاء. يحضر الجسد داخل تقليد فروسي عريق، وتكشف اللقطة عن تحوّل تدريجي في تمثّل المرأة داخل هذا الفضاء التراثي، حيث تندرج المشاركة النسائية ضمن مسارٍ اجتماعي يتشكل عبر الزمن. في سفالبارد، يوثق المصور روييه غاليتز مشهد دب قطبي يتغذى على بقايا حوت في منطقة جليدية. المشهد يعكس تحولات بيئية ممتدة، حيث تتغير أنماط الصيد التقليدية نتيجة ذوبان الجليد، وتتحرك الكائنات داخل بيئات تتبدل خصائصها المناخية، وهو يعطي للصورة بعداً بيئياً واسع الامتداد. تتجمع هذه الأعمال داخل بنية انتقائية تمر عبر مراحل متعددة من الفرز، تبدأ من آلاف المشاركات، ثم قوائم إقليمية، ثم تصنيفات فئوية، وصولاً إلى القائمة النهائية. هذا المسار يمنح بعض الصور موقعاً مركزياً داخل السرد السنوي، ويعيد توزيع حضور الصور الأخرى داخل طبقات مختلفة من التداول البصري العالمي، وفق اعتبارات تحريرية وجمالية ومؤسساتية. داخل هذا المسار يتشكل بعد إضافي أكثر تعقيداً يرتبط بما يمكن تسميته باقتصاد الانتباه في الصحافة المصوّرة. الصور التي تصل إلى القوائم النهائية تتحرك داخل نظام عالمي لتوزيع الانتباه، حيث تتنافس الأحداث على الظهور ضمن ذاكرة بصرية محدودة السعة. هذا النظام يمنح بعض الصور قدرة على الاستقرار في الوعي العام، فيما تظل صور أخرى خارج دوائر التداول الواسع رغم أهميتها السياقية. اقتصاد الانتباه هنا يرتبط بطريقة عمل المنصات الإعلامية وتدفقات النشر الرقمي إلى جانب إيقاع الاستهلاك السريع للصور، حيث تصبح قوة الصورة مرتبطة بقدرتها على البقاء داخل التداول أكثر من البقاءء داخل الحدث نفسه. هذا التحول ينعكس داخل الجوائز، لأن عملية الاختيار لا تنفصل عن شروط العرض العالميوعن ما يمكن أن يحتفظ بحضوره البصري داخل دورة إعلامية كثيفة وسريعة. بهذا التكوين، يتشكل أرشيف بصري سنوي يعيد تنظيم الوقائع داخل إطار واحد، تعرض فيه الحروب والتحولات البيئية والاحتجاجات الاجتماعية ضمن سرد متجاور، يمنحها قابلية للقراءة كملامح لعالم واحد، رغم اختلاف سياقات إنتاجها الأصلية. ومع اقتراب إعلان "صورة العام"، تبلغ هذه البنية ذروتها الرمزية، حيث يتم انتقاء صورة واحدة لتستقر في مركز السرد السنوي. هذه اللحظة تمنح صورة واحدة حضوراًمكثفاً داخل ذاكرة بصرية عالمية، وتضعها ضمن أرشيف تتم إعادة عرضه كخلاصة بصرية لعام كامل. وفي هذا المستوى، تكتسب الصورة دلالتها داخل سياق أوسع من إنتاجها الأول لتدخل في نظام عرض سنوي يمنحها وظيفة إضافية، ويضعها داخل ذاكرة بصرية تتشكل عبر سنوات متتالية من الانتقاء وإعادة التنظيم.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية