عربي
في الوقت الذي كان فيه أوليفييه فور، الأمين العام للحزب الاشتراكي الفرنسي، أبرز أجنحة اليسار الفرنسي تاريخياً، منهمكاً باجتماعات قادة اليسار العالمي في برشلونة الإسبانية، السبت الماضي، كان خصمه داخل الحزب ورئيس تكتّله في الجمعية الوطنية (الغرفة السفلى من البرلمان الفرنسي)، بوريس فالو، يضع في باريس اللمسات الأخيرة على ما يشبه القطيعة النهائية بينه وبين زميله. إذ أعلن فالو، إلى جانب وجهين آخرين من وجوه اليسار الفرنسي وهما السيناتور البيئي يانيك جادو والنائب بالبرلمان الأوروبي رافاييل غلوكسمان، مساء السبت الماضي، عن إطلاق مبادرة تحمل اسم "بِناء 2027"، تضمّ سياسيين ومنتخبين من مختلف أطياف اليسار الفرنسي وهدفها تقديم "مشروع ذي مصداقية"، يحول دون كسب اليمين المتطرف انتخابات الرئاسة العام المقبل. مبادرةٌ لا تكتفي بالخروج عن الخطّ الذي رسمته قيادتا الحزبين "الاشتراكي" و"البيئيين" لتحضير الانتخابات الرئاسية، بل تقترح نفسها بديلاً عنهما. وهي بذلك تُضيف فصلاً جديداً من فصول الانقسام والتشعُّب الذي يعيشه اليسار الفرنسي، على بُعد عامٍ من موعد توجّه الفرنسيين لاختيار بديل لإيمانويل ماكرون.
في نظر غلوكسمان يبقى ميلانشون "مهرّجاً" يتلاعب "بأدوات اليمين المتطرّف الفرنسي ومعاداة السامية"
طموحات يسارية
المبادرة، التي لا تزال في طور إعداد برنامجها، تريد الذهاب أبعد من "الإدانات الأخلاقية والمقارنة مع ثلاثينيات القرن الماضي" التي شهدت صعود الأنظمة الشمولية في أوروبا، والانتقال من الملاحظة والتذمّر و"العجز السياسي" إلى الفعل و"الأمل"، بحسب بيانها التأسيسي. ويطرح هذا المانيفست قائمةً طَموحة من الأولويات، مثل "استعادة المصير الجماعي" وصون الديمقراطية ومواجهة التغيّر المناخي، وكذلك تعزيز السيادة الأوروبية ومكافحة العنصرية ومعاداة السامية، فضلاً عن "مواجهة المشاكل الكبرى في الحياة اليومية"، مثل القدرة الشرائية والصحة والسكن والتعليم. على أنّ النصّ المطروح، الذي وقّع عليه أكثر من 40 منتخَباً ومسؤولاً يسارياً، يبقى عند عتبة المبادئ ولا يُقدّم إجراءات ملموسة أو منهج عمل. وهو يترك الباب مفتوحاً ليس على محتوى البرنامج فحسب، بل وكذلك على "الفريق الذي سينفذه"، والذي سيجري اختياره في مرحلة لاحقة من المشروع.
في الظاهر، يبدو الأمر مجرّد اختلاف على المسار بين أحزاب تريد تنظيم انتخابات تمهيدية لاختيار مرشّح موحّد، وبين سياسيين يريدون "القفز" على هذه العملية البيروقراطية البطيئة، وتشكيل تحالف قادر منذ الآن على ابتكار برنامج يخاطب كل الفرنسيين. غير أن النزاع يدور، في جوهره، حول أمرٍ آخر واسمٍ آخر، هو جان لوك ميلانشون وحركته "فرنسا الأبية". ذلك أن سياسيّي "بناء 2027" لا يختلفون مع ميلانشون على الانتخابات التمهيدية داخل معسكر اليسار وحسب (يرفضها ميلانشون منذ سنوات)، بل على كلّ شيء تقريباً. وهم يلومون تحالف أحزابهم مع حركته ولو جزئياً، في بعض المدن، خلال الانتخابات البلدية التي أُجريت في 16 و26 مارس/ آذار الماضي. ولعلّ خيبة الأمل من هذا التحالف كانت النقطة التي أفاضت الكأس ودفعتهم إلى بلْوَرة مشروع جديد. بل يُرجع بعضهم، مثل رافاييل غلوكسمان، خسارة اليسار الفرنسي بعض المدن الأساسية في هذه الانتخابات، إلى "عدم وضوح" هوية بعض المرشّحين الذين تلقوا دعماً من حزب ميلانشون ورسالتهم. الأخير، في نظر غلوكسمان، يبقى "مهرّجاً" يتلاعب "بأدوات اليمين المتطرّف الفرنسي ومعاداة السامية". في المقابل، يشكّ المقرّبون من ميلانشون وأنصار اليسار الراديكالي في انتماء غلوكسمان إلى اليسار من أساسه، وينظرون إليه على أنه "ماكرون جديد"، في إشارة إلى نزعته "التوفيقية" بين توجّهات وأفكار من اليمين والوسط واليسار.
والحال أن مشهد اليسار الفرنسي أعقد من أن يُختزَل بهذين المعسكرين. إلى جانب السؤال حول الموقف من ميلانشون، يعيش كلّ حزب يساري فرنسي أزمته الداخلية على طريقته. في "الاشتراكي"، مثلاً، لم يعد الصراع بين أوليفييه فور وبوريس فالو سرّاً. يُضاف إليه العدد المتزايد من أعضاء الحزب الراغبين في خوض الاستحقاق الرئاسي، بدءاً من الرئيس السابق فرنسوا هولاند، الذي صرّح قبل أيّام بأنه "يتحضّر" للانتخابات، ومروراً بالنائب جيروم غيدج، والوزيرة السابقة سيغولين رويال، ورئيسة إقليم أوكسيتاني، كارول ديلغا، وصولاً إلى عمدة سانت وان، كريم بوعمران. طموحات شخصية متنافسة تجعل الحزب يبدو أقرب إلى ساحة معركة منه إلى ماكينة انتخابية جاهزة لدعم مرشح واحد، كما سبق أن فعل عام 2012 لانتخاب فرنسوا هولاند رئيساً.
أما حزب "البيئيين"، فيدخل السباق الرئاسي وهو على بُعد مسافة ضوئية من التفاؤل الذي جسّده في مخيّلة ناخبيه مع آخر انتخابات رئاسية (2022)، لا سيّما بعد خسارته في انتخابات مارس الماضي مدناً هامة كان قد انتزعها عام 2020، مثل ستراسبورغ وبوردو وبيزانسون واكتفى بالفوز في مدينة كبرى واحدة هي ليون. كما أن قيادته، هو الآخر، ممزّقة بين أمينة عامة، هي مارين تونديلييه، تدفع نحو انتخابات تمهيدية تشمل عموم اليسار، وبين أصوات بارزة تقف على النقيض من ذلك، ممثلة بيانيك جادو، الذي لا يزال يحظى بدعم قسم من أعضاء الحزب وأصواته. حالٌ يدفع "البيئيين" إلى الصف الثاني من صفوف الفاعلين اليساريين، إلى جانب تشكيلات يكمن دورها الأساسي في التحالفات التي تعقدها، كما هو الحال مع كلٍّ من "الشيوعي" و"ساحة عامة" الذي يرأسمه غلوكسمان.
يحظى ميلانشون بنحو 12 إلى 13% من نيات التصويت في أكثر من استطلاع، وهو رقم يشابه ما كان عليه حالُه قبل عام من انتخابات 2022 الرئاسية
صراعات اليسار الفرنسي
ضمن هذه الخريطة المتشعّبة، التي تنهض فيها بعض الترشيحات الفردية (مثل النائب فرنسوا روفان)، يظل "فرنسا الأبية" الحزب الأعلى سقفاً في استطلاعات الرأي داخل اليسار. إذ يحظى ميلانشون بنحو 12 إلى 13% من نيات التصويت في أكثر من استطلاع، وهو رقم يشابه ما كان عليه حالُه قبل عام من انتخابات 2022 الرئاسية. مع العلم أن تلك النسبة كانت تتصاعد مع اقتراب موعد الاستحقاق، لينال أكثر من 21% من الأصوات في نهاية الدور الأول. هذا الثقل الانتخابي قد يشرح جزءاً من الانتقادات التي يتلقاها ميلانشون وحزبه من داخل اليسار، كما قد يشرح جزءاً من المواقف المتردّدة إزاءهما، خصوصاً أن أي تحالف يساري لا يشمل "فرنسا الأبية" يعرف أنه يستغني، بشكل أو بآخر، عن قسمٍ لا يُستهان به من الناخبين المحتملين.
المفارقة في مشهد اليسار الفرنسي أن الانقسام المتزايد في صفوفه يترافق مع رغبة مناقضة تماماً تبديها قاعدته الانتخابية، إذا ما صدّقنا ما تقوله استطلاعات الرأي. يشير أحد آخر هذه الاستطلاعات، ونشرت وكالة إيبسوس نتائجه في نهاية مارس الماضي، إلى أن 82% من المؤيّدين لليسار يرغبون بإقامة انتخابات تمهيدية، في دليل واضح على رغبة هذه القاعدة الانتخابية بالوصول إلى صوت موحّد يدافع عنها في انتخابات 2027. رغبةٌ تبدو، على الأقل حتى هذا اليوم، أبعد ما تكون عن التحقّق.
