عربي
سجل قطاع السياحة في تركيا أداء قوياً مع بداية عام 2026، مدعوماً بزيادة ملحوظة في أعداد الزوار وتنوع متسارع في أنماط الطلب، في وقت عززت فيه التوترات الإقليمية موقع البلاد وجهةً بديلةً وأكثر استقراراً في المنطقة. وتظهر البيانات ارتفاع عدد السياح خلال الربع الأول بنسبة 18%، في مؤشر على قدرة القطاع على التكيف مع المتغيرات الجيوسياسية واستقطاب شرائح جديدة من المسافرين، بالتوازي مع توسيع المنتجات السياحية وتمديد الموسم على مدار العام. وتشير المعطيات إلى تحول في سلوك السائح، حيث لم تعد السياحة التقليدية القائمة على الطبيعة والاسترخاء وحدها المحرك الرئيسي، بل برزت أنماط جديدة تشمل السياحة العلاجية، وسياحة التجارب، وسياحة المخاطر (المغامرات)، إلى جانب استمرار الطلب على السياحة الحلال. وقد استجابت تركيا لهذه التحولات عبر تطوير عروض متخصصة تلبي احتياجات شرائح متنوعة من الزوار.
ورغم المخاطر الجيوسياسية، لم تؤثر الحرب في المنطقة على السياحة التركية، بل حولتها إلى وجهة وبديل عن المناطق الساخنة في إيران والخليج العربي، لترتفع نسبة القدوم السياحي خلال الربع الأول من هذا العام 18%، وتعزز تركيا موقعها نموذجاً سياحياً هجيناً بين الفخامة والتوفير، رغم نسبة التضخم المرتفعة هذا العام. إذ تشير بيانات الربع الأول، بحسب وكالة "نيو تورك"، إلى استقبال البلاد 15 مليون سائح خلال الأشهر الثلاثة الماضية، بزيادة بنسبة 18% عن العام الماضي. وبحسب بيانات رسمية، حقق قطاع السياحة في تركيا العام الماضي أرقاماً قياسية في عدد الزوار والعائدات، بعد جذب 63.9 مليون زائر، منهم 52.7 مليون سائح أجنبي، فيما بلغت الإيرادات نحو 65.2 مليار دولار، بنمو سنوي نسبته 6.8%. وأعلنت وزارة الثقافة والسياحة التركية أن استراتيجية عام 2026 تركز على تنويع المنتج السياحي وتمديد الموسم السياحي على مدار العام، بهدف الوصول إلى 68 مليار دولار عائدات بنهاية العام الجاري، مع التركيز على سياحة الآثار والموانئ والعلاج والسياحة الحلال، إلى جانب إطلاق حملات ترويجية رقمية في أسواق جديدة مثل الصين وأفريقيا.
دوافع إقبال السياح على تركيا
وتعزو الوكالة التركية الأسباب إلى التنوع الجغرافي، فالسر في قدرة الجغرافية التركية على تقديم "كل شيء لكل شخص" في آن واحد. فبينما يرتدي السائح معطفه الثقيل للاستمتاع بالتزلج في قمم "جبل أولوداغ" ببورصة، يمكنه بعد ساعات قليلة، عبر رحلة طيران داخلي قصيرة، أن يستلقي على رمال "شاطئ كونيالتي" في أنطاليا تحت شمس ربيعية دافئة، في حين تبقى ولايات البحر الأسود "الشمال التركي" عاصمة الاسترخاء، خاصة للعائلات العربية.
ولا يبتعد العمق التاريخي لتركيا وتوزع الآثار وما تركته الحضارات المتعاقبة، فتركيا ليست فنادق فحسب، بل رحلة في ذاكرة البشرية. فحين يزور السائح إسطنبول، تبقى آيا صوفيا والمسجد الأزرق وقصر توبكابي عوامل جذب مستمرة، ليُضاف هذا العام افتتاح مسارات سياحية "تحت الأرض" لاستكشاف الخزانات البيزنطية والأنفاق التاريخية، التي تم ترميمها مؤخراً، بوصفها عامل استقطاب جديداً للسياح في منطقة السلطان أحمد بحي الفاتح في الشطر الأوروبي من إسطنبول.
بيد أن السؤال: كيف زاد عدد السياح خارج الموسم وخلال حرب أرجأت برامج السياح على اختلاف شرائحهم ومقاصدهم؟ لتأتي الإجابة في ما تفعله تركيا من جذب خارج الموسم، من سياحة المؤتمرات وما يسمى بثورة "الغاسترونومي"، أو السياحة المرتبطة بتذوق المطبخ التركي، خاصة بعد انتشار المطاعم الحاصلة على تصنيفات عالمية في إسطنبول وبودروم ورفع جودة المنافسة، ما جذب سياحة النخبة الباحثة عن تجارب تذوق فريدة تمزج بين التاريخ العثماني والحداثة. كما تجذب النخبة من أصحاب اليخوت في منطقة "الريفييرا التركية" جنوبي البلاد، التي تخصصت لهذه السياحة، إلى جانب موانئ بودروم "عاصمة اليخوت الفاخرة" ومرسى باليكافاك وغوجيك ومرمريس، فضلاً عما خصصته إسطنبول لهذا الجانب في موانئ أتاكوي مارينا، ومرسى كلامش وفنربهتشه، ومرسى إستينيا وطرابيا على البوسفور. لتبقى السياحة العلاجية في مقدمة عوامل جذب السياح إلى تركيا، حتى خارج المواسم، بعد أن شهد عام 2026 تحول البلاد إلى أحد أبرز المراكز العالمية في السياحة الطبية، ولم يعد الأمر مقتصراً على زراعة الشعر، بل امتد إلى جراحات الروبوت المتطورة بأسعار تنافسية تقل بنحو 60% عن أوروبا، إضافة إلى الاستشفاء الحراري في مدن "يلوا" و"باموكالي"، التي تشهد إقبالاً كبيراً خلال الشتاء من السياح الباحثين عن العلاج في الينابيع الكبريتية والمياه المعدنية.
الجنسيات الأكثر إقبالاً
ويقول المتخصص فهري إيت إن تركيا "كسرت مفهوم الموسم السياحي" لتجعل جميع الشهور والفصول مواسم سياحية، محافظة على متوسط إنفاق للسائح بنحو 100 دولار يومياً، بعد اعتماد السياحة النوعية مثل سياحة التزلج والمخاطر وتنوع الخدمات، بهدف الوصول إلى نحو 68 مليار دولار عائدات، بعد أن سجلت أكثر من 65 مليار دولار العام الماضي. وحول جنسية السياح خلال الربع الأول من هذا العام، يبين أحد العاملين في منشأة "بامبي" بإسطنبول أن الروس ما زالوا في المقدمة، يليهم الألمان والإيرانيون الذين زاد عددهم خلال أشهر الحرب، مشيراً إلى أن تركيا تعمل على برامج جذب لمناطق آسيا، وتحديداً الصين، دون إغفال التركيز على السياح العرب، إذ زاد عدد السعوديين بنسبة 30%، كما بدأ المصريون بالعودة إلى السياحة في تركيا، بعد الصدى الكبير لريادة البلاد عالمياً في السياحة الملائمة للمعايير الحلال.
ورغم الافتراض بأن الحرب قد تحد من السياحة وتغير الوجهات نحو مناطق أكثر استقراراً في أوروبا وشرق آسيا والأمريكتين، يؤكد إيت أن "التوترات والحرب حولت مسار كثير من السياح من المنطقة العربية وإيران، وكذلك من الروس والأوروبيين، إلى تركيا"، مشيراً إلى أن مناطق السياحة الرئيسية مثل إسطنبول وأنطاليا وإزمير بعيدة عن مناطق الصراع، وأن حياد تركيا السياسي وتصميمها على الوساطة عززا الثقة وجذبا السياح. ويضيف أن استمرار نشاط الخطوط الجوية التركية، رغم اضطرابات الطيران خلال شهر مارس/آذار، حول تركيا إلى جسر يربط الشرق بالغرب، حيث يمدد بعض المسافرين عبر الترانزيت إقامتهم داخل البلاد عدة أيام، ما ينعكس إيجاباً على أعداد السياح.

أخبار ذات صلة.
من النهر إلى البحر
العربي الجديد
منذ 24 دقيقة
نتنياهو و"يادان"
العربي الجديد
منذ 24 دقيقة
بيدرو سانشيز و"الجانب الصحيح من التاريخ"
العربي الجديد
منذ 24 دقيقة
حرب السودان "المهجورة"
العربي الجديد
منذ 24 دقيقة
العراق... أكثر من إعادة تموضع
العربي الجديد
منذ 24 دقيقة