مساعٍ تونسية لتحويل النفايات إلى وقود لصناعة الإسمنت
عربي
منذ ساعة
مشاركة
أجرت وزارة البيئة التونسية مشاورات مع قادة قطاع الإسمنت المحلي ضمن محاولة لاستغلال النفايات في صناعة الإسمنت، وتحويلها من عبء بيئي إلى مورد للطاقة، وإرساء نموذج التدوير لتحويل النفايات إلى طاقة تستفيد منها المصانع، ليكون أحد الخيارات المطروحة للخروج من أزمة بيئية واقتصادية تتفاقم فيها كميات النفايات مع ارتفاع كلفة الوقود المستورد. وتنتج تونس سنوياً ما بين 2.8 إلى 3 ملايين طن من النفايات المنزلية، بمعدل يناهز كيلوغراماً للفرد يومياً، وتُوجّه الغالبية الساحقة من هذه النفايات إلى المكبات، في ظل ضعف منظومات الفرز والتثمين. وتحوّلت أزمة المكبات خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أوجه الاحتقان الاجتماعي، خصوصاً بعد الغلق المتكرر لمطامر النفايات الكبرى، وانتهاء العمر الافتراضي للعديد منها، على غرار "مكب برج شاكير"، ما أدى إلى احتجاجات الأهالي الرافضين لإقامة مكبات جديدة، فضلاً عن المشاكل البيئية والصحية الناجمة عن تلوث المياه الجوفية، وانبعاثات غاز الميثان. وتعتمد آلية التدوير المقترحة على فرز النفايات غير الخطرة، ومعالجتها لإنتاج ما يُعرف بالوقود المشتق من النفايات، الذي يمكن استعماله بديلاً جزئياً للفحم أو النفط داخل أفران الإسمنت. يقول الخبير في الشأن البيئي، مهدي العبدلي، إن "العملية تشمل عدة مراحل، من بينها إزالة المواد العضوية والمعادن، ثم التجفيف والتقطيع لتحسين القيمة الحرارية، والتحويل إلى كريات أو مواد مفككة قبل أن تمر إلى مرحلة الحرق داخل أفران الإسمنت بدرجات حرارة عالية تصل إلى أكثر من 1400 درجة مئوية". ويؤكد العبدلي لـ"العربي الجديد" أن "قائمة النفايات القابلة للتحول إلى طاقة تشمل البلاستيك غير القابل لإعادة التدوير، والورق والكرتون، والنسيج، والمخلفات الصناعية الخفيفة، إلى جانب بقايا الخشب، والإطارات المستعملة. وتشير التقديرات إلى أن النفايات العضوية تمثل حوالى 65%، وهي غير مناسبة مباشرة لتكون وقوداً، بينما تمثل النفايات القابلة لإنتاج الوقود ما بين 25% إلى 30%، ما يعني أن تونس تمتلك نظرياً مخزوناً مهماً من المواد القابلة للتحويل إلى طاقة يمكن أن يخفف الضغط على المكبات القائمة". ويشير الخبير البيئي إلى أن "منظومة إدارة النفايات في تونس لا تزال تعتمد بشكل كبير على الطمر، وهو حلّ سهل ظاهرياً لكنه مكلف وخطير على المدى الطويل في ظل غياب الفرز من المصدر، ومحدودية التدوير، وغياب رؤية اقتصادية واضحة. النفايات ليست مشكلة في حد ذاتها، بل هي مورد يساء استغلاله محلياً، وقد تحولت إلى رافعة اقتصادية في العديد من دول العالم ضمن ما يُعرف بالاقتصاد الدائري، حيث لا يُهدر شيء، بل يُعاد إدماجه في دورة الإنتاج". ويضيف العبدلي: "قطاع الإسمنت من بين أكثر القطاعات استهلاكاً للطاقة، ويعتمد بشكل كبير على البترول والغاز الطبيعي، وفي ظل ارتفاع الأسعار العالمية، تمثل الطاقة ما يصل إلى 40% من كلفة الإنتاج. لذا، إن استخدام الوقود المشتق من النفايات يساعد على تقليص الواردات، وخفض كلفة الإنتاج، فضلاً عن تحسين البصمة البيئية للمصانع، وأفران الإسمنت مناسبة تقنياً لعملية حرق النفايات بسبب استخدام درجات الحرارة العالية التي تضمن احتراقاً كاملاً، وعدم ترك رماد كبير". وتظهر التجارب الدولية أن هذا التوجه ليس جديداً، إذ تتجاوز نسبة استخدام الوقود البديل في مصانع الإسمنت 60% في عدة دول أوروبية، من بينها ألمانيا وهولندا، وفي فرنسا تعتمد المصانع على مزيج من النفايات الصناعية والمنزلية، كذلك أطلق المغرب مشاريع لاستعمال الإطارات والنفايات الصناعية في مصانع الإسمنت لتقليل الاعتماد على الفحم، ما يؤكد نجاح آلية تحويل النفايات إلى وقود، لكن الأمر مرتبط بوجود منظومة فرز فعالة، وإطار قانوني واضح، إلى جانب رقابة بيئية صارمة. وتجمع النفايات في تونس بشكل مختلط، ما يصعّب عملية التثمين، ولا توجد قوانين واضحة لتنظيم استعمال الطاقة المستخرجة من النفايات، وتفتقر المنظومة إلى المعايير البيئية الصارمة، وإلى آليات مراقبة مستقلة، وعادة ما تواجه المشاريع البيئية الجديدة رفضاً محلياً، خصوصاً في ظل تجارب سابقة سلبية. ويؤكد الناشط البيئي حسام حمدي أن "الأولوية تبقى لتقليص إنتاج النفايات، بينما يمثل تحويل النفايات إلى طاقة خطوة مهمة نحو الاقتصاد الدائري، لكنه لا يُعد حلاً جذرياً". ويوضح لـ"العربي الجديد"، أن "التثمين الطاقي يخفف الضغط على المكبات، ويخلق سوقاً جديدة للنفايات، ويساهم في تقليص كلفة الطاقة الصناعية، لكن نجاحه في تونس يبقى رهين إصلاح شامل لمنظومة إدارة النفايات، وليس مجرد إدماج تقني داخل مصانع الإسمنت". وخلال العام الماضي، أكدت وزارة البيئة التونسية الاقتراب من إطلاق مناقصات لإحداث وحدات جديدة لتثمين النفايات في إطار خطة شاملة لاحتواء أزمة انتشار المكبات العشوائية، والتحول نحو اقتصاد التدوير. وقالت إنها شرعت في إعداد كراسة شروط لإنجاز أربع وحدات لتثمين النفايات بمحافظات تونس الكبرى (تونس وأريانة ومنوبة وبن عروس)، التي تنتج أكثر من 25% من مجموع النفايات التي تفرز في تونس، في إطار مقاربة اجتماعية واقتصادية خضراء.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية