سؤال في زمن الهندسة السياسية: من يصوغ وعينا؟
عربي
منذ ساعة
مشاركة
كيف يفكّر المجتمع؟ منذ اللحظة التي حاول فيها عالم الاجتماع الألماني فرديناند تونيز، في مطلع القرن العشرين، نقل فهم المجتمع من فضاء القيم المعيارية "ما يجب" إلى فضاء الوقائع القابلة للقياس "ما يكون"، بدأت تتشكّل البذور الأولى لما يمكن تسميته لاحقاً بـ"الهندسة الاجتماعية" أو "هندسة الوعي". لم يكن هذا التحول مجرد انتقال منهجي في علم الاجتماع، بل مثّل انقلاباً عميقاً في تصور الإنسان الغربي لذاته: من كائن فاعل يمتلك المعنى، إلى موضوع قابل للرصد، ثم للتوجيه، وأخيراً للتشكيل. أصبح السؤال اليوم أكثر إلحاحاً: من الذي يصوغ طريقة تفكير المجتمع، بعدما تحولت الإحصاءات والأرقام إلى أدوات لإعادة إنتاجه؟ فعندما تُختزل الجماعات البشرية إلى بيانات، يمكن التعامل معها بوصفها مادة خام تُدخل في "خطوط إنتاج" محددة، كما تُصنَّع السلع في المصانع. وهكذا وُلدت "الهندسة الاجتماعية" لا كحقل معرفي محايد، بل كتقنية تهدف إلى قراءة المجتمع بغرض توجيهه، لا الاكتفاء بفهمه. لم يكن صعود صناعة الترفيه في الغرب، وخاصة في هوليوود، مجرد تطور ثقافي، بل هي تجسيد واضح لهذا التحوّل. فالفن، الذي كان تعبيراً حراً عن الرؤية، أُعيد تعريفه كمنتج يُصمَّم وفق رغبات الجمهور ومعطيات السوق. لم يعد العمل الفني "سينما" أو "دراما" يعكس رؤية إبداعية مستقلة، بل أصبح استجابة محسوبة لمعادلات الطلب. وهكذا انتقل الإبداع من فعل نقدي يستهدف الوعي، إلى أداة لإعادة إنتاجه ضمن حدود محددة سلفاً. غير أن التحول الأخطر لم يقع في الاقتصاد أو الثقافة، بل في انتقال هذه المنهجية إلى المجال السياسي. فقد تحوّل المجتمع السياسي إلى جمهور مستهلك، وأصبح موضوعاً لإدارة شاملة: تُصاغ برامجه كما تُصاغ الحملات الإعلانية، وتُبنى نخبه كما تُبنى العلامات التجارية. إن ما يُعرف اليوم بـ"الهندسة الاجتماعية السياسية" هو، في جوهره، محاولة لإنتاج مجتمع يبدو وكأنه يعبّر عن نفسه، بينما هو في الحقيقة نتاج تصميم مسبق. في هذا النموذج، لا تُفرض السلطة بالقوة المباشرة، بل تمر عبر تمثيلات ناعمة: نخب تُصنع من داخل النسيج الاجتماعي، تبدو طبيعية، لكنها تؤدي وظيفة محدّدة في إعادة توجيه المجتمع. وهنا يصبح التمثيل بديلاً عن الحقيقة، ويغدو الواقع ذاته بناءً قابلاً للتشكيل. يسعى "المهندس السياسي" في هذا السياق إلى إنتاج "شرعية متخيّلة" دون الحاجة إلى إقناع المواطن ببرنامج عقلاني. فهو يعمل على مستوى أعمق من الخطاب، حيث تُستثمر العواطف ويُعاد تشكيل الإدراك، وتُختزل القضايا في ثنائيات تبسيطية: صديق/عدو، وطني/خائن، استقرار/فوضى. الهدف ليس الفهم، بل الانخراط؛ ليس التفكير، بل الاصطفاف. تحوّل المجتمع السياسي إلى جمهور مستهلك، وأصبح موضوعاً لإدارة شاملة: تُصاغ برامجه كما تُصاغ الحملات الإعلانية، وتُبنى نخبه كما تُبنى العلامات التجارية وبالتوازي، يعمل "المهندس التجاري" على تحويل الإنسان إلى مستهلك دائم عبر خلق رغبات لا نهائية، فيما يعيد "المهندس الأيديولوجي" صياغة البنية القيمية للمجتمع، بحيث يرى العالم من خلال عدسة واحدة مغلقة. لا تفرض الهندسة الاجتماعية السياسية نفسها كسلطة ظاهرة، بل تتسلل إلى الحياة اليومية: في الإعلانات، والخطاب الإعلامي، والمناهج، و"الترندات" الرقمية. وهنا تكمن خطورتها؛ إذ لا يواجه الفرد خطاباً واحداً يمكن مقاومته، بل شبكة من الرسائل المتداخلة التي تبدو متفرقة، لكنها تصبّ في اتجاه واحد. ومع التكرار، لا يعود الفرد مجرد متلقٍ، بل يتحول، دون وعي، إلى ناقل لهذه الرسائل، مساهماً في إعادة إنتاجها داخل محيطه. عند هذه النقطة، تتلاشى الحدود بين الذاتي والمفروض، ويفقد الفرد قدرته على التمييز بين قناعاته وما زُرع فيه. يصبح التداخل حالة طبيعية للوعي، ويغدو القمع ممارسة داخلية، تُعاش دون إدراك. ومن أكثر تجليات هذا الواقع تعقيداً، ما يُعرف بـ"الديمقراطية" في صيغتها الحديثة. فبدلاً من أن تكون تعبيراً عن الإرادة الحرة، تتحول إلى ساحة مركزية لهندسة هذه الإرادة. فالأغلبية، التي يُفترض أنها تمثل الإرادة الجماعية، تصبح نتيجة لعمليات حشد وتوجيه دقيقة، مجرد "مجاميع" تُدار عبر التحكم في تدفق المعلومات، وإثارة المخاوف، وصناعة الآمال. ما يبدو اختياراً حراً قد يكون، في جوهره، استجابة مبرمجة. وما يبدو إجماعاً شعبياً قد يكون نتاج تقنيات معقدة لإدارة الإدراك الجمعي. وهكذا لا تُلغى الديمقراطية شكلياً، بل تُفرغ من مضمونها، وتُعاد تعبئتها كآلية لإضفاء الشرعية على قرارات صيغت مسبقاً. في هذا السياق، يبرز طرح الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط، الذي سعى في "نقد العقل الخالص" إلى مساءلة حدود المعرفة ذاتها. لم يعد السؤال الأخلاقي موجهاً فقط إلى السلطة، بل إلى الوعي: كيف يمكن للإنسان أن يستعيد قدرته على التفكير في عالم يُصمَّم تفكيره فيه؟ وكيف يمكن التمييز بين الوعي الحقيقي و"الوعي المصنوع"؟ في زمن هندسة الوعي، لم تعد الحرية تُقاس بما يُسمح لك بقوله، بل بقدرتك على إدراك ما زُرع فيك دون أن تشعر. وربما تبدأ الإجابة من لحظة شك في بداهة الواقع، ومن مساءلة كل خطاب سياسي أو اجتماعي يدّعي اليقين، ومن إعادة طرح السؤال البسيط والعميق معاً: من يتحدث من خلالي حين أظن أنني أفكّر؟

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية