عربي
يظن كثيرون أن الخروج من ليبيا هو الخلاص، وأن عبور المطار كفيل بتجاوز الخوف، وأن تأشيرة الدخول إلى بلد أوروبي قادرة على محو سنوات من التهديد والملاحقة. تبدو الفكرة مريحة، لكنها في الحقيقة ساذجة.
هذه المرة، أتحدث عن صديق حقيقي، لا عن ذاك الصديق الوهمي الذي يظهر أحياناً في خلفية خربشاتي. شاب خرج قبل عقد من الزمن، لكنه لم يغادر فعلياً. حمل بلده في حقيبة ظهر صغيرة، واحتفظ به أيضاً في ذاكرة بدأت تتآكل ببطء. لم يخرج بحثاً عن مغامرة، بل لأنه لم يكن أمامه خيار آخر. لم يساوم، لم يصطف، ولم ينحنِ. اختار أن ينحاز للمظلومين، ولا يزال يدفع الثمن من رصيد عمره.
نعم، هو في الخارج أكثر أماناً نسبياً. ومهما ساءت ظروفه، فلن تكون أسوأ من زنزانة رطبة في سجن سري لا يدخله الضوء. وربما هو أكثر أمناً من غرفة نومه هناك؛ فلا أحد يداهم منزله فجراً، ولا سيارة معتمة الزجاج تترصده في الشارع. لكن القمع لم يتوقف عند الحدود، بل تغيّر شكله فقط، وصار أكثر خبثاً وقدرة على التسلل.
يبدأ ذلك بحملات تشويه ممنهجة تقودها جيوش إلكترونية: اتهامات جاهزة بالخيانة والعمالة، قصص مفبركة، وصور مزيفة، وخطاب منظم يصوّر كل من غادر كأنه باع الوطن والدين. الهدف ليس الشتيمة فقط، بل العزل، ونزع المصداقية، وزرع الشك في كل صوت يتحدث من الخارج.
المنفى ليس مكاناً آمناً بالكامل بل ملجأ مؤقت. والشتات هدنة قابلة للكسر. صديقي، الذي يشبه كثيرين في ليبيا لم يهرب لينجو بنفسه، بل خرج ليواصل معركته
ثم يأتي الابتزاز الأكثر قسوة: العائلة. الأهل الذين بقوا هناك، والإخوة والأقارب الذين لم يتبرؤوا منك. في حالات كثيرة، جرى اعتقال أفراد من أسر معارضين لإجبارهم على الصمت، وكأن الرسالة واضحة: يمكنك أن تتنفس هناك، لكننا قادرون على خنق أنفاسهم هنا.
وهناك عقاب آخر، أكثر مرارة: النسيان. يبدأ بتفاصيل صغيرة تتلاشى تدريجياً؛ اسم شارع، وجه جار قديم، رائحة طعام كان يحبها. بعد سنوات، يكتشف أنه لم يعد قادراً على استحضار ملامح الحي الذي وُلد فيه. كأن الذاكرة نفسها تنسحب منه بهدوء. وهذا نوع من التعذيب لا يقل إيلاماً عن التعذيب الجسدي. هنا يخسر المكان مرتين: حين يغادره، وحين يتلاشى داخله.
ولا ينتمي تماماً إلى البلد الجديد الذي يقيم فيه، حتى لو حصل على جنسيته. سيبقى غريباً، مهما طال به المقام. اللغة، مهما أتقنها، تظل لغة ثانية، تخرج منه بحذر وبلا روح. النكات لا تضحكه كما ينبغي، والأعياد تمر ببرود. يعيش بين عالمين، دون أن يستقر في أي منهما. ليس من هنا تماماً، ولم يعد من هناك كما كان.
القلق يلازمه، والخوف لا يفارقه. يطارده في الأخبار، وعلى منصات التواصل، وفي كل منشور عن قريب رحل أو صديق تزوّج، وفي كل مقطع يوثق اعتقالاً أو اختطافاً. يدرك أن الحياة مستمرة من دونه، وأن القمع الذي أفلت منه لا يزال قائماً، بل يزداد شراسة، وأن السلطة التي عجزت عن الوصول إليه تجيد ملاحقته معنوياً.
يشبه المنفى زهرة قُطعت من جذورها ووُضعت في كأس ماء. قد تحتفظ بألوانها لفترة، وربما تبقى حيّة أكثر مما يُتوقع، لكنها لن تزدهر. ستبهت ألوانها تدريجياً، وتفقد رائحتها، لأن جذورها ليست هنا، بل هناك، بعيداً.
ومع ذلك، لا يرى في الشتات هزيمة. بل يعتبره إعادة تموضع في معركة مفتوحة. مساحة يلتقط فيها أنفاسه، ويراقب، ويعيد ترتيب أفكاره. تعلّم أن الشجاعة لا تعني دائماً المواجهة المباشرة؛ أحياناً يكون الانسحاب نصفها، والنصف الآخر أن تغيّر قواعد الاشتباك.
إذا لم تتكافأ القدرات، فلا تجازف. تراجع قليلاً، وخذ مسافة، وارمِ حجارتك من بعيد. كانت هذه نصيحة والده له في الصغر. لم يفهمها حينها، لكنه اليوم يعيش معناها كل يوم.
المنفى ليس مكاناً آمناً بالكامل، بل ملجأ مؤقت. والشتات هدنة قابلة للكسر في أي لحظة. صديقي، الذي يشبه كثيرين في ليبيا وفي منطقتنا المثقلة بالجراح، لم يهرب لينجو بنفسه، بل خرج ليواصل معركته من أجل من تركهم خلفه.